لم يكن قرار الجزائر الشروع في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات في 7 فبراير/شباط 2026 مجرَّد إجراء تنظيمي خاص بالطيران، بل إشارة سياسية جديدة، تنقل الخلافات المتراكمة من مستوى التلميح إلى الفعل.
فبقرار إلغاء الاتفاقية الموقعة في 13 مايو/أيار 2013 مع دولة الإمارات والتي تعني نهاية الطيران بين الجانبين، دقت الجزائر مسمارا جديدا في نعش العلاقات المشتركة المتدهورة أصلا منذ سنوات.
ولم تعلن الدولة المغاربية عن أسباب القرار الآن لكنه يأتي ضمن تصعيد متواصل منذ سنوات بين الجانبين بفعل اختلاف وجهات النظر في قضايا المنطقة و”التدخلات الإماراتية” في شؤون الجزائر. فكيف بدأ هذا التراجع في العلاقات وما أسبابه؟
أسباب تدهور العلاقات
1- التحالف مع المغرب بعد التطبيع
أعلنت الإمارات والمغرب ودول أخرى في أغسطس/آب 2020 تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل” ضمن اتفاقيات أبراهام، ما أنهى عقودًا من الالتزام بالموقف العربي القائم على عدم التطبيع قبل تحقيق دولة فلسطينية.
وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقتها، إن الجزائر لن تبارك ولن تشارك في ما أسماه “الهرولة نحو التطبيع”، مبينا أن “القضية الفلسطينية بالنسبة للشعب الجزائري مقدسة وهي أم القضايا”.

بالنسبة للجزائر، التي ترفض التطبيع وتعتبر القضية الفلسطينية جوهرية، كان هذا التقارب عاملًا في تأزيم العلاقات، خاصة مع ما تردد في الجزائر من اتهامات بأن الإمارات تقف مع المغرب و”إسرائيل” لعزل الجزائر.
وتعد الإمارات حليفا للمغرب في الوقت الذي تنقطع فيها العلاقات بين الجزائر والرباط منذ عام 2021. وتتهم الجزائر كلا من الإمارات والمغرب بلعب أدوار ضد مصالحها، في منطقة الساحل الإفريقي وخاصة من الجارة الجنوبية مالي.
إذ تشترك الجزائر مع مالي في شريط حدودي يقدر بنحو 1400 كيلومتر، مما يعكس حجم التحدي الأمني والإستراتيجي الذي تواجهه بتطورات الوضع الأمني في البلد الجار، حيث يستدعي تأمين الحدود الإقليمية حشدا عسكريا ولوجيستيا كبيرا.
2- الصحراء الغربية
في أكتوبر/تشرين الأول 2020، افتتحت الإمارات قنصلية عامة في مدينة العيون بالصحراء الغربية، لتصبح أول دولة عربية تقدم على هذه الخطوة.
الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو وتطالب بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، عدّت الخطوة استفزازًا، فيما رأت الرباط في هذا الفعل دعمًا لسيادتها على الإقليم المتنازع عليه.
إذ يعزز افتتاح القنصلية موقف المغرب جار الجزائر وخصمها اللدود، ليصير هذا الحدث بداية نزوع الإمارات نحو مواقف إقليمية تصطدم بمصالح الجزائر.
وسبق أن أشارت تقارير إعلامية إلى أن دعم الإمارات للمغرب في قضية الصحراء الغربية، يلعب دورا مهما في الاتهامات الجزائرية المتواصلة لأبو ظبي خاصة أن الأخيرة تسهم باستثمارات ضخمة في الصحراء الغربية.
ونقلت صحيفة “الخبر” الجزائرية المقربة من السلطات في 28 يوليو/تموز 2023 عن مصادر قولها “إن الأعمال العدائية الممارسة ضد الجزائر يقودها مسؤولون إماراتيون، زودوا المغرب بنظام متطور آخر معد للجوسسة على الجزائر”.
3- اختلاف المواقف الخارجية
في ليبيا، كان للإمارات دورٌ فاعل في دعم اللواء الانقلابي خليفة حفتر خلال الهجوم على طرابلس عام 2019. فقد وفَّرت أبو ظبي دعما جويا وسلاحًا لقواته في محاولة للإطاحة بالحكومة المعترف بها دوليا.
كانت الجزائر ترفض الحل العسكري في ليبيا وتطالب بعملية سياسية، مما جعل وقوف الإمارات إلى جانب حفتر نقطة خلاف إضافية.
وتسعى الجزائر التي تدعم المعسكر الغربي في ليبيا منذ سنوات لإنشاء منظمة إقليمية جديدة في شمال إفريقيا تضم تونس وطرابلس، لمواجهة النفوذ المغربي، لكنه لم يلق النور حتى اليوم.

كما أن الصراع الدموي الذي اندلع بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، دفع الجزائر للوقوف ضمنيا مع الأول في وقت وقف الإمارات مع الثاني.
وقال تبون خلال استقباله البرهان، في يناير/كانون الثاني 2024 إن بلاده تقف إلى جانب السودان لتجاوز الظروف الصعبة و”مواجهة قوى الشر التي تستهدفه”.
4- التدخل في الشؤون الداخلية
مع انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر عام 2019 رفع بعض المتظاهرين لافتات تتهم الإمارات بمناهضة التحول الديمقراطي ودعم القوى المضادة للتغيير. مقال في موقع “ميدل إيست آي” أشار إلى أن المحتجين حملوا شعارات تنتقد الدور الإماراتي وتعتبره معاديًا للحراك.
تلك الاتهامات الشعبية لم تكن حادثة منعزلة، بل جزء من سردية بدأت تتشكل في بعض الأوساط الجزائرية حول “أدوار تخريبية” تنسب إلى الإمارات، خاصة مع ذكر وسائل إعلام محلية لوجود تحركات “مريبة” داخل السفارة الإماراتية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أبدى تبون استغرابه من تدخل دولة خليجية في الشأن الداخلي الجزائري، مؤكدًا أن علاقات بلاده جيدة مع كل دول الخليج باستثناء واحدة لم يسمّها.
وفي 7 فبراير/شباط 2026، أكد تبون مرة أخرى أن “علاقة الجزائر جيدة مع كل الدول العربية باستثناء دويلة واحدة (دون ذكرها) تحاول دائما إثارة المشاكل والتدخل بالشأن الداخلي للبلاد”.
وصرح تبون بأن “علاقة الجزائر مع السعودية ومصر والكويت وقطر متينة وأكثر من أخوية، وما يمس المملكة يمسنا بالضرورة لأن لدينا تاريخا مشتركا معها”، وذلك في ظل توتر العلاقات بين الرياض وأبوظبي.
5- فيتو بريكس
من أسباب التدهور ما ظهر في مطلع أغسطس/آب 2023 عندما كانت الجزائر تنتظر إعلان دخولها تكتل البريكس الدولي الذي يعد نفسه بديلا عن الهيمنة الاقتصادية الغربية.
لكن المفاجأة كانت في إعلان رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا موافقة مجموعة “بريكس” على انضمام 6 أعضاء جدد إليها، بينهم مصر والسعودية والإمارات، ليرتفع عدد أعضائها إلى 11 دون أن تكون الجزائر ضمن لائحة الأعضاء الجدد.
وهو الأمر الذي عدته الجزائر، حسب مصادر، مؤامرة حيكت ضدها منعتها من دخول المجموعة الاقتصادية، رغم الدعم الروسي الذي حظيت به.
وتحدثت مصادر صحفية، عن أن الجزائر متيقنة من أن الإمارات، لعبت دورا حاسما في إفشال مساعيها لدخول التكتل، وذلك بالتنسيق مع الهند.
وأضافت أن تبون، صرح في لقاء إعلامي لم يُبَث، بأن الإمارات دفعت الهند للعب دور الفيتو ضد دخول الجزائر مجموعة البريكس الاقتصادية.
6- تحريض الخارج
في العاشر من يناير/كانون الثاني 2024، أصدر المجلس الأعلى للأمن في الجزائر بيانًا أعرب فيه عن “أسفه لأعمال عدائية من دولة عربية شقيقة”.
ونقلت مجموعة الأزمات الدولية أن هذا التلميح كان موجهًا نحو الإمارات، إذ اتهمتها الجزائر بالتآمر مع المغرب و”إسرائيل” لعزلها، إلى جانب تمويل حملات إعلامية معادية في منطقة الساحل ودعم الانقلاب في النيجر.
في الوقت نفسه، نشرت صحيفة “الخبر” تقريرًا يتهم أبو ظبي بدعم حركة “الماك” (الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل) ويوحي بإمكانية قطع العلاقات الدبلوماسية بسبب “أعمال عدائية”. ورأت أن هذه الأعمال تهدد “وحدة الجزائر” وتخدم أجندة لتقسيم العالم العربي.
وكثّفت الإمارات تعاونها مع المغرب وعززت علاقاتها مع بلدان الساحل، بما في ذلك المساهمة في مشاريع تنموية في موريتانيا ومالي.
الجزائر رأت في هذه التحركات تمددًا نفوذياً قد يهدد دورها التقليدي في المنطقة، خصوصًا مع تراجع مكانة ليبيا كمجال نفوذ جزائري بعد تورط القوى الأجنبية، ومن بينها الإمارات، في الصراع الليبي.