أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت 7 فبراير/شباط، أن من المنتظر أن يتوجه إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء 11 من الشهر الجاري، لمناقشة المفاوضات مع إيران كما جاء في بيان المكتب.
البرنامج الأصلي كان يقضي بأن يجري نتنياهو الزيارة بين 18 و22 فبراير/شباط، للمشاركة في المؤتمر السنوي للوبي الإسرائيلي الأميركي (إيباك)، إلى جانب حضوره الاجتماع الأول لـ”مجلس السلام” المعني بغزة. غير أن طلبًا إسرائيليًا بتقديم الموعد أسبوعًا كاملًا أفضى إلى تعديل الجدول، بما منح الزيارة طابعًا عاجلًا يتجاوز البعد البروتوكولي إلى اعتبارات سياسية وأمنية أكثر إلحاحًا.
وقبل المغادرة، يخطط نتنياهو لعقد سلسلة لقاءات مع قادة أحزاب الائتلاف الحاكم، فضلًا عن جلسة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، بهدف مناقشة الملفات وصياغة المواقف التي سيطرحها خلال اللقاء المرتقب مع ترامب، الذي يُعد السابع بين الجانبين منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025.
أعلن مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن لقاء مرتقب يجمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم الأربعاء المقبل، لبحث تطورات المفاوضات الجارية مع إيران، وعلى رأسها الملف النووي والتوتر الإقليمي المتصاعد.
أوضح البيان أن نتنياهو يسعى إلى إدراج ملف الصواريخ الباليستية… pic.twitter.com/r15UZ4vgXO
— نون بوست (@NoonPost) February 8, 2026
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام عبرية، سيغادر نتنياهو تل أبيب يوم الثلاثاء العاشر من فبراير، على أن يلتقي ترامب صباح الأربعاء في البيت الأبيض، قبل أن يعود إلى إسرائيل يوم الخميس، فيما تشير التقديرات، وفق القناة 12 الإسرائيلية، إلى أن تبكير الموعد قد يعني إلغاء الزيارة التي كانت مقررة في 18 فبراير، وبالتالي احتمال عدم مشاركته في اجتماع قادة “مجلس السلام” في واشنطن.
ولا يُنظر إلى هذا التعديل – التبكير- في التوقيت باعتباره مسألة تنظيمية فحسب، بل كخطوة تعكس شعورًا متزايدًا لدى حكومة نتنياهو بالحاجة إلى نقل رسائل مباشرة وعاجلة إلى الإدارة الأميركية، رسائل ترى تل أبيب أنها لا تحتمل التأجيل أو الاكتفاء بالاتصالات غير المباشرة.. فماذا يحمل نتنياهو في حقيبته خلال تلك الزيارة؟
جولة مسقط.. أجواء إيجابية
خيمت أجواء إيجابية على مخرجات جولة المفاوضات الأولى التي عقدت في العاصمة العمانية مسقط، الجمعة 6 فبراير/شباط الجاري، وهو ما اتضح في التصريحات الرسمية الصادرة عن كل من طهران وواشنطن حيث جاءت جميعها تميل للخيار الدبلوماسي وتقلل نسبيًا من مستوى التوتر السائد قبيل انطلاق تلك الجولة.
الرئيس الأمريكي من جانبه وصف تلك الجولة بأنها إيجابية وأن طهران تبدو ساعية إلى إبرام اتفاق، مضيفا في تصريحات للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس وان”، أن الولايات المتحدة ليست تحت ضغط زمني فيما يتعلق بالمفاوضات، وأن لديها متسعا من الوقت، مع تشديده في الوقت ذاته على رفض امتلاك إيران سلاحا نوويا.
على الجانب الأخر قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان -في تصريحات نقلتها وكالة تسنيم الإيرانية- إن المحادثات الإيرانية الأمريكية التي عقدت بدعم من حكومات صديقة بالمنطقة شكلت خطوة إلى الأمام، وأضاف أن “الحوار كان دائما استراتيجية إيران لحل القضايا وتسويتها سلميا”.
وقد اختتمت في مسقط، الجمعة، مفاوضات جمعت بين الوفدين الإيراني والأمريكي بوساطة عمانية، وقاد المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الوفد الأمريكي، في حين كان الوفد الإيراني تحت قيادة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
طهران تثبت خطوطها الحمراء
في وقت حرصت فيه كل من واشنطن وطهران على وصف أجواء المحادثات بالإيجابية، سعى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحاته عقب انتهاء لقاء مسقط، إلى رسم حدود واضحة لمسار التفاوض، مؤكدًا أن جولة الجمعة اقتصرت حصريًا على الملف النووي، وأن استمرار العملية – إن تقرر – سيبقى ضمن الإطار ذاته، في رسالة حاول من خلالها ضبط مسار التوقعات، وفصل ما يُتداول في الإعلام عن ما تعتبره هي أساس التفاوض الفعلي.
وفي معرض تثبيت الموقف الإيراني، شدد عراقجي على أن بلاده دفعت أثمانًا كبيرة من أجل امتلاك برنامج نووي سلمي، وأن حق تخصيب اليورانيوم يتجاوز الحسابات التقنية والاقتصادية، مؤكدًا أن هذا الحق غير قابل للتنازل “حتى لو فُرضت الحرب”، مضيفًا أنه لا يملك أي طرف خارجي صلاحية تحديد ما يجب أن تمتلكه إيران أو تُحرم منه، وأن قرار ممارسة التخصيب يظل شأنًا داخليًا.
أما القضايا الأخرى، فحرص الوزير الإيراني على إخراجها من دائرة النقاش الإسرائيلي، إذ أعلن بوضوح أن برنامج الصواريخ البالستية ملف دفاعي غير قابل للتفاوض، كما أن مطلب الوقف الكامل للتخصيب ليس مطروحًا أصلًا، ومع ذلك، أشار إلى استعداد طهران لبحث ترتيبات تتعلق بمستويات التخصيب بما يراعي احتياجاتها، مؤكدًا أن اليورانيوم المخصب سيبقى داخل البلاد.
وبهذه المواقف تكون طهران قد وضعت ردًا مباشرًا على الرؤية الإسرائيلية التي تدفع نحو تفكيك البنية النووية، وإخراج المخزونات إلى الخارج، وتقييد القدرات الصاروخية، فضلًا عن كبح النفوذ الإقليمي لإيران وفرض رقابة دولية واسعة النطاق على منشآتها.
هواجس إسرائيل الثلاثة
إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأجواء جولة مسقط، في مقابل خروج طهران لتحديد خطوطها الحمراء ومحاولة رسم إطار الجولات اللاحقة، فتحت باب القلق داخل دوائر الحكم في إسرائيل، فالتباين بين التفاؤل الأميركي والانضباط الإيراني في تعريف حدود التفاوض أوحى لتل أبيب بأن العملية قد تنزلق بعيدًا عن التصورات التي سعت إلى تكريسها قبل انطلاق المحادثات، وأن ما يجري بلورته قد لا يعكس أولوياتها الأمنية بالشكل الكافي.
وتوقفت صحيفة “يسرائيل هيوم” اليمينية عند ثلاثة هواجس مركزية تحكم التفكير الإسرائيلي، أولها ما تعتبره “براغماتية مفرطة” لدى ترامب، والخشية من أن يندفع نحو صفقة سريعة تتركز على البرنامج النووي بوصفها إنجازًا سياسيًا قابلًا للتسويق داخليًا، مع ترحيل ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي إلى مراحل لاحقة أو تجاهلها كليًا، وهو السيناريو الذي تصفه تل أبيب بـ”نصف اتفاق”.
أما الهاجس الثاني فيتصل بما يُعرف بسياسة “الجزرة” الأميركية، أي احتمال تخفيف العقوبات مقابل خطوات إيرانية محدودة أو قابلة للالتفاف، بما يمنح الاقتصاد الإيراني متنفسًا ويُبقي شبكات حلفاء طهران الإقليميين في حالة فاعلة.
الهاجس الثالث، وربما الأعمق، يتعلق باحتمال أن يقود أي تفاهم – حتى وإن كان منقوصًا – إلى تقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تخشى أن تجد نفسها في هذه الحالة في مواجهة مباشرة مع ترسانة متنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطورها إيران بوتيرة متسارعة.
ووفق هذا المنظور، فإن المعضلة لا تتعلق فقط بمنع امتلاك قنبلة نووية، بل بتفادي اتفاق يكرّس إيران قوةً إقليمية معترفًا بها دوليًا، من دون المساس بالأدوات العسكرية التي تبقي التهديد قائمًا على العمق الإسرائيلي.
ماذا يريد نتنياهو من تلك الزيارة؟
في ضوء المعطيات القائمة، يبدو أن نتنياهو سعى إلى تقديم موعد زيارته إلى واشنطن قبل انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات، التي لم يُحسم توقيتها بعد، بهدف محاولة التأثير المبكر في اتجاهاتها.
فالتقديرات تشير إلى أنه سيضغط باتجاه إدراج شروط مشددة في أي تفاهم محتمل، تشمل كبح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ووقف دعم طهران لما يُعرف بمحور المقاومة، ومنع أي صيغة يمكن أن تُفسَّر في إسرائيل على أنها تساهل مع البنية النووية الإيرانية.
هذا التحرك يعكس خشية إسرائيلية من أن يفضّل ترامب مقاربة براغماتية تقتصر على الملف النووي، وتتيح إعلان اختراق دبلوماسي سريع، من دون التطرق إلى بقية عناصر القوة الإيرانية في الإقليم، ومن وجهة نظر تل أبيب، فإن اتفاقًا من هذا النوع قد يفضي إلى تقليص هامش المناورة الاستراتيجي لديها، ويُبقي مصادر التهديد قائمة، بل وربما يمنحها غطاءً سياسيًا متجددًا.
وفي السياق نفسه، يُنتظر أن يعمل نتنياهو على تعبئة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، قبيل مؤتمره المرتقب بعد أيام، لحثه على ممارسة ضغط موازٍ على البيت الأبيض من أجل التشدد في شروط التفاوض وعدم الانزلاق نحو حلول وسط لا تلبي المطالب الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن الملف الإيراني لا يقف وحده خلف قرار تبكير الزيارة؛ فهناك أيضًا تطورات غزة ولبنان، حيث يسعى نتنياهو إلى التأثير في ملامح الاجتماع الأول لمجلس السلام، بما يضمن – قدر الإمكان – بقاء المقاربات المطروحة ضمن الإطار الذي تريده تل أبيب، في لحظة إقليمية تتكثف فيها محاولات إعادة رسم التوازنات والخرائط.
التفاوض تحت وطأة التهديد
كعادتها في المفاوضات، حاولت واشنطن وضع سلاح التهديد على طاولة الحوار مع طهران، ففي الوقت الذي تم فيه تداول تصريحات إيجابية حول جولة مسقط، أجرى كل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر زيارة خاطفة لحاملة الطائرات الأميركية “يو إس إس أبراهام لينكولن” المتمركزة في مياه البحر المتوسط، في خطوة فُسرت على أنها رسالة تحذيرية مباشرة لطهران.
ويبدو أن الرسالة لم تمر مرور الكرام، وأن طهران قرأتها جيدًا، إذ شدد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، على أن أي محاولة لفرض الحرب على إيران لن تنحصر في هزيمة استراتيجية للطرف المعتدي، بل ستؤدي إلى توسع نطاق الصراع في المنطقة بأسرها، مخلّفة خسائر جسيمة للأعداء.
المبعوث الأمريكي الخاص لمهام السلام، ستيف ويتكوف: التقينا إلى جانب قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، وجاريد كوشنر، بالبحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، ومجموعتها الضاربة، وجناح حاملة الطائرات 9 الذين يضطلعون بدور… pic.twitter.com/BIUPYWHVvn
— الخارجية الأمريكية (@USAbilAraby) February 8, 2026
وفي هذا الإطار، تُقرأ الزيارة العاجلة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بتوقيتها غير المألوف، كتحرك استباقي لرسم خطوط حمراء أمام ترامب قبل أن تتجه المفاوضات إلى مراحل أكثر تقدمًا، فنتنياهو لا يكتفي بمتابعة نتائج الدبلوماسية، بل يسعى لتوجيه مسارها منذ البداية، خشية أن تقود براغماتية ترامب ورغبته في تحقيق إنجاز سياسي سريع إلى اتفاق لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية ولا يخفف من هواجسها الأمنية.
وفي النهاية، تبقى الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، فالأجواء الإيجابية لجولة مسقط ليست ضمانًا لاستمرار المسار نفسه، خاصة في ظل الضغوط الإسرائيلية المتوقعة على البيت الأبيض، ما يترك مختلف السيناريوهات مطروحة على طاولة التوقعات في أي لحظة وبدون مقدمات.
