ترجمة وتحرير: نون بوست
إن السياسات القسرية للرئيس، بما في ذلك تهديداته الأخيرة لغرينلاند، تدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة النظر قبل ضخ أموالهم في الاقتصاد الأمريكي
مرّت بضعة أسابيع منذ أن حاول دونالد ترامب ومعسكره إرغام الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة على الخضوع في ملف غرينلاند، لكن تداعيات تلك الخطوة لا تزال مستمرة. ويقول إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل ومؤسسة بروكينغز، الذي كان يشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس بسويسرا عند وصول ترامب: “كان هناك شعور حقيقي بأننا نشهد لحظة قطيعة”. وأضاف: “ما أصبح واضحًا للأوروبيين هو أنهم لم يعودوا قادرين على الوثوق بالولايات المتحدة بوصفها حليفًا موثوقًا في الأمن العسكري أو الأمن الاقتصادي أو أي قضية كبرى أخرى”.
ولا تزال التداعيات الجيوسياسية لهذا الإدراك تتكشف تدريجيًا، فيما تتأمل حكومات عديدة حول العالم تحذير رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن “القوى المتوسطة” بحاجة إلى التكاتف للدفاع عن نفسها. أما في الأسواق المالية، حيث تتحرك الأمور بوتيرة أسرع، فقد ظهر بالفعل رد فعل دراماتيكي، أثار تساؤلات جديدة حول القيادة الاقتصادية الأمريكية ومكانة الدولار الراسخة بوصفه العملة العالمية المهيمنة.
وبعد أن تعهّد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي رفضت مزاعمه بشأن غرينلاند، انهارت أسواق الأسهم وتراجع الدولار أيضًا. غير أنه، بعد وصوله إلى دافوس بقليل، تراجع فجأة عن تهديداته الجمركية وأعلن، دون أساس واضح، أنه توصّل إلى “اتفاق طويل الأمد” بشأن الإقليم القطبي، فاستعادت الأسهم سريعًا معظم خسائرها. واعتبر بعض المراقبين هذا التراجع تكرارًا لما حدث في أبريل /نيسان الماضي، حين أعلن فرض رسوم جمركية كبيرة على نحو مئة دولة، قبل أن يتراجع عنها بعد أسبوع إثر ذعر المستثمرين. ومهما كان حجم الفوضى السياسية التي يثيرها ترامب، فإن شعورًا واسعًا يسود في وول ستريت بأن الأسواق ستكبح اندفاعاته الأكثر تطرفًا، وفق العبارة التي صاغها كاتب عمود صحيفة “فايننشال تايمز” روبرت أرمسترونغ: “ترامب يتراجع دائمًا في اللحظة الأخيرة”، أو ما يُعرف اختصارًا بـ”تاكو”.
لكن في حين تجاهلت سوق الأسهم، التي تهيمن عليها حمى الذكاء الاصطناعي، أزمة غرينلاند بسرعة، واصل الدولار تراجعه في القيمة، إذ انخفض بنحو ثلاثة في المئة بحلول الخميس الماضي. وقد لا يبدو هذا التحرك كبيرًا لغير المتخصصين، لكن سوق الدولار شديدة السيولة — حيث تجري ملايين المعاملات في أي لحظة — والقفزات السعرية المفاجئة فيها نادرة. وخلال الفترة التي سبقت دافوس، لم تكن هناك أخبار كبيرة بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي أو أسعار الفائدة أو غيرها من العوامل الاقتصادية التي تؤثر في متداولي العملات. وقال براد سيتسر، الزميل الأول في شؤون الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية: “الشيء الجديد الوحيد هو أن الرئيس الأمريكي أصدر تهديدًا عسكريًا ضد حليف في حلف الناتو، وهدّد بفرض رسوم جمركية جديدة على حلفاء آخرين للولايات المتحدة، وهم أيضًا دول دائنة كبيرة لها”. وأضاف: “رئيس أمريكي متقلّب لعب الدور الحاسم في إشعال هذه الأزمة؛ فهو من أطلق شرارتها”.
وبالطبع، فإن الانخفاض المفاجئ في الدولار، في حد ذاته، “ليس كبيرًا بما يكفي لكسر أي شيء”، على حد تعبير سيتسر. وفي يوم الجمعة، استعاد الدولار الأمريكي جزءًا من خسائره الأخيرة بعدما رشّح ترامب كيفن وورش، المصرفي الجمهوري المخضرم، ليحل محل جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وقد عكس رد فعل الأسواق الفوري تصورًا بأن وورش يميل إلى التشدد في مكافحة التضخم، وأن تأثيره في الاحتياطي الفيدرالي قد يعزز الدولار، غير أن ذلك لا يزال غير مؤكد. ففي سياق سعيه للمنصب، قال وورش لترامب إنه يفضّل خفض أسعار الفائدة، وهو ما أراد الرئيس سماعه. وإذا ما نُظِرَ إلى وورش لاحقًا باعتباره مجرد منفّذ لرغبات ترامب، فسيكون لذلك أثر سلبي كبير على الدولار.
وبصورة أعم، يتمثل الخوف في أن ضعف العملة قد يتفاقم إذا فقد المستثمرون الأجانب ثقتهم في إدارة الولايات المتحدة لشؤونها الاقتصادية. فترامب لا يكتفي بتقويض حلف الناتو واستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط، كما أشار براساد، بل أمضى أيضًا اثني عشر شهرًا في مهاجمة العديد من الركائز الداخلية للقوة الاقتصادية الأمريكية، بما في ذلك سيادة القانون، ونظام الضوابط والتوازنات، واستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وعلى مدى عقود، ظل الدولار الأمريكي العملة العالمية المهيمنة شبه غير قابلة للطعن. فقد بنت المؤسسات المالية الأجنبية والبنوك المركزية مراكز ضخمة في الأصول الأمريكية، جزئيًا لأنها تحقق عوائد مرتفعة، وجزئيًا لأنها تُعد ملاذًا آمنًا في عالم غير آمن. وفي الوقت الراهن، تُعد الدول الأوروبية أكبر المستثمرين في الولايات المتحدة، بامتلاكها ما يُقدّر بنحو ثماني تريليونات دولار من الأسهم والسندات الأمريكية، والتي تساهم في تمويل العجز التجاري والموازنة الأمريكية، وكلاهما بمستويات قياسية.
وفي ستينيات القرن الماضي، وصف فاليري جيسكار ديستان، وزير المالية الفرنسي آنذاك (ورئيس فرنسا لاحقًا)، قدرة الحكومة الأمريكية على جذب كميات هائلة من الأموال الأجنبية بأسعار فائدة منخفضة بأنها “امتياز باهظ” مكن الولايات المتحدة من العيش فوق إمكاناتها. وقد استمر هذا الامتياز، لكن بينما كان ترامب يطلق تهديدات مبطّنة بغزو غرينلاند، أشار جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث أسواق الصرف الأجنبي العالمية في بنك دويتشه الألماني، في مذكرة لعملائه، إلى أن هذه التحركات قد تجعل المستثمرين الأوروبيين أقل استعدادًا لتكديس الأصول الأمريكية والمساهمة في تمويل العجزين المزدوجين للولايات المتحدة. وكتب سارافيلوس: “في بيئة يتعرض فيها الاستقرار الجيو-اقتصادي للتحالف الغربي لاضطراب وجودي، ليس من الواضح لماذا سيكون الأوروبيون مستعدين لمواصلة لعب هذا الدور”.
وبالنظر إلى دولة يتجاوز دينها 30 تريليون دولار وسجلت عجزًا في الموازنة يقارب 1.8 تريليون دولار العام الماضي، لا يمكن الاستهانة بأي إشارات لتردد المستثمرين الأجانب قبل شراء المزيد من أصولها. وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي كان حاضرًا أيضًا في دافوس، في مقابلة صحفية، أن الرئيس التنفيذي لبنك دويتشه، كريستيان زيفينغ، اتصل به ليؤكد أن البنك، الذي يمتلك عمليات كبيرة في الولايات المتحدة، لا يؤيد تقرير سارافيلوس. ومع ذلك، لم يتراجع سارافيلوس عن تحليله المتشائم، ولسبب وجيه، إذ تقوم هيمنة الدولار على التفوق الاقتصادي الأمريكي وعلى الثقة في الحكومة الأمريكية، وهي الثقة التي يعمل ترامب على تقويضها.
وحتى الآن، ليس واضحًا تمامًا من الذي يبيع الدولار، فقد قال سيتسر: “حركة الأسعار تتوافق مع إعادة المؤسسات الأوروبية النظر فيما إذا كانت ترغب في الاستمرار بزيادة استثماراتها في الأصول الأمريكية”. وأضاف: “كما تتوافق مع ما يُعرف بـ”الأموال السريعة” — صناديق التحوط والمضاربين الآخرين — الذين يتوقعون هذا الاتجاه ويسبقونه”. وفي الأسواق، يُعرف الرهان ضد الدولار باسم “تجارة إضعاف العملة”. وبحلول مطلع الأسبوع الماضي، كان الدولار قد تراجع بما يكفي لأن يسأل صحفي سياسي ترامب عمّا إذا كان الانخفاض قد تجاوز الحد، فأجاب: “لا، أعتقد أنه أمر رائع. الدولار يسير بشكل ممتاز”. وقد أدت هذه التصريحات إلى موجة بيع إضافية، لتصل العملة إلى أدنى مستوى لها منذ أربع سنوات. وكما يحدث غالبًا، تُرك بيسنت لتوضيح تصريحات رئيسه، فظهر على قناة “سي إن بي سي” في اليوم التالي وأكد أن “لدينا سياسة دولار قوي”، مشيرًا إلى أن تخفيضات ترامب الضريبية والرسوم الجمركية ستؤدي على المدى الطويل إلى تدفق مزيد من الأموال إلى الولايات المتحدة وتعزيز قوة الدولار.
ولا يُعدّ مثل هذا السيناريو مستحيلًا؛ فمنذ الأزمة المالية العالمية 2007-2009، نما الاقتصاد الأمريكي بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة الكبرى، ما جعله أكثر جاذبية للمستثمرين في الخارج. وإذا ما حقق الذكاء الاصطناعي، في الأشهر والسنوات المقبلة، دفعة للناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية كما يزعم مروّجوه، فقد يستمر هذا التفوق الأمريكي، بل قد يتسارع، ويعود الدولار للصعود كما توقع بيسنت.
غير أن احتمال الدخول في دوامة هبوطية يبقى واردًا؛ فعلى الرغم من تطمينات بيسنت، هناك مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية قد ترحب بانخفاض قيمة الدولار وترغب في رؤيته يتراجع أكثر. فعملة أضعف ستجعل الصادرات الأمريكية، مثل الحفارات التي تنتجها “كاتربيلر” والتوربينات التي تصنعها “جي إي فيرنوفا”، أكثر قدرة على المنافسة دوليًا، ما قد يساعد المصدّرين ويخفض العجز التجاري. (وفي المقابل، سيجد الأمريكيون الذين يزورون لندن أو باريس الفنادق والوجبات أكثر تكلفة، بينما سترتفع أسعار السلع المستوردة داخل الولايات المتحدة، المتأثرة بالفعل بالرسوم الجمركية). ومن الواضح أن ترامب يفكر بهذه الطريقة، إذ أشار في تعليقاته حول الدولار إلى أنه كان “يقاتل بشراسة” مع الصين واليابان لأنهما كانتا تسعيان دائمًا لخفض قيمة عملتيهما طلب مني ميزة تنافسية.
وشكّك عدد من الاقتصاديين المقربين من الرئيس علنًا في منطق العملة القوية؛ فقد كتب ستيفن ميران، الذي شغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض حتى سبتمبر من العام الماضي، في مذكرة سياسية نُشرت بعد وقت قصير من انتخابات 2024: إن جذور الاختلالات الاقتصادية تكمن في المبالغة المستمرة في تقييم الدولار”. وفي تلك الورقة، ناقش ميران، الذي يشغل الآن منصب محافظ في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتعيين من ترامب، عدة خيارات لخفض العجز التجاري وحل مشكلة الدين الأمريكي، من بينها ما لفت الأنظار بشدة، وهو اقتراح أن يقوم بعض الدائنين الأجانب للولايات المتحدة باستبدال سندات الخزانة قصيرة الأجل التي بحوزتهم بسندات طويلة الأجل جدًا تحمل عوائد أقل.
وأشار محلل في مؤسسة “بروغل”، مركز أبحاث مقره بروكسل وتطه هجمعه بالاتحاد الأوروبي علاقات وثيقة، العام الماضي، إلى أن “البساطة الظاهرة لهذا المقترح تتناقض مع عواقبه المدمرة، التي قد تؤدي إلى تعثر تقني محتمل في سداد سندات الخزانة الأمريكية”. وأي إشارة إلى أن إدارة ترامب تدرس هذا المخطط بجدية قد تدفع الدولار وسوق السندات إلى دوامات انهيار حادة. وحتى الآن، لم يحرز هذا المقترح أي تقدم ملموس، لكن في ظل سعي ترامب، على ما يبدو، لاستخلاص مكاسب وإتاوات من الدول الأجنبية عبر الرسوم الجمركية أو غيرها من الآليات، لن يكون من المستغرب أن يعيد بعض المستثمرين الأجانب التفكير في ضخ أموالهم في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن مزيدًا من الضعف في الدولار لن يكون بالضرورة كارثيًا ما دام ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، فإن أي تهديد جدي لدوره الراسخ كوسيلة عالمية للتبادل ومخزن للقيمة قد تكون له عواقب ضخمة وغير متوقعة. ولا تزال العوامل الرئيسية التي تعمل لصالح العملة الأمريكية، وتمنع تحولًا أكثر جذريًا، تتمثل في القوة النسبية للاقتصاد الأمريكي وغياب بدائل مناسبة للأصول الأمريكية، لا سيما سندات الخزانة.
وحتى أواخر الأسبوع الماضي، كانت أسعار الذهب والمعادن النفيسة الأخرى ترتفع بقوة، لكنها لا تحقق أي عائد، كما أنها شديدة التقلب. ويروج أنصار “بيتكوين” لها بوصفها بديلًا للدولار، لكنها خلال الأشهر الماضية تصرفت بعكس الملاذ الآمن؛ فمنذ بداية أكتوبر، انخفضت قيمتها بنحو الثلث. ولا تزال أسواق السندات الأوروبية مجزأة، فيما تُعد سوق السندات الصينية ثاني أكبر سوق في العالم، لكن الاستثمار فيها ينطوي على مخاطر جيوسياسية كبيرة. وكل ذلك يجعل العديد من كبار المستثمرين مترددين في التخلي عن الدولار. وقال براساد: “إذا كان لديك بضعة مليارات من الدولارات للاستثمار، يمكنك بسهولة العثور على أصول غير الدولار للتنويع. لكن إذا كنت تدير عشرات المليارات أو مئات المليارات، فلا يوجد في الواقع مكان آخر تذهب إليه”.
ومن المرجح أن هذا الجمود يعني أننا لم نصل بعد إلى نهاية هيمنة الدولار أو الطلب الأجنبي على سندات الخزانة الأمريكية. لكن براساد، الذي نشر مؤخرًا كتابًا بعنوان “حلقة الهلاك” حول تصاعد الاضطراب في الاقتصاد العالمي، يرى أن المسار الحالي للسياسات—أي مسار ترامب—غير قابل للاستمرار على المدى الطويل. وقال: “لا يزال دين الحكومة الأمريكية ينمو بقوة من دون خطة واضحة لاحتوائه”. وأضاف: “كما أن المؤسسات التي دعمت هيمنة الدولار تتعرض للتفكيك أمام أعيننا. وكل ذلك ينبغي أن يكون كافيًا لخفض الدولار عدة درجات أخرى، إن لم يكن لتدميره بالكامل”.
المصدر: نيويوركر
