بعد أكثر من عقد شهد انقطاع آلاف الطلبة السوريين عن متابعة دراستهم الجامعية خلال الثورة، عادت مسألة التعليم الجامعي إلى واجهة النقاش مع صدور قرارات جديدة عن وزارة التعليم العالي أتاحت توسيع القبول وإعادة تسجيل الطلبة المنقطعين في الجامعات. وقد جاءت هذه القرارات كخطوة لمعالجة آثار سنوات طويلة من التوقف عن الدراسة، وإعادة دمج شريحة واسعة من الطلبة في العملية التعليمية.
غير أن هذا التوجّه، الذي فتح الباب أمام أعداد كبيرة من العائدين إلى الجامعات، اصطدم بواقع جامعي يعاني من اختلالات بنيوية وتحديات متراكمة، ما كشف عن فجوة واضحة بين النصوص الرسمية والتطبيق العملي، فبينما تتحدث الجهات المعنية عن تسهيلات وإجراءات داعمة، يواجه كثير من الطلبة صعوبات إدارية وأكاديمية ومعيشية تعيق استكمال مسارهم التعليمي، وتضع شروطًا إضافية أمام العودة.
مراسيم العودة إلى التعليم الجامعي
صدرت خلال عام 2025 مجموعة من المراسيم الرئاسية التي شكّلت الإطار القانوني لتنظيم عودة الطلبة المنقطعين إلى التعليم الجامعي، ففي 17 حزيران/يونيو 2025 صدر المرسوم الرئاسي رقم 95 الذي أتاح لطلبة الجامعات في مرحلتي الإجازة الجامعية والدراسات العليا، المنقطعين عن الدراسة منذ العام الدراسي 2010–2011 التقدّم بطلبات لإعادة قيدهم في الجامعات الحكومية والخاصة، مع احتساب فترة الانقطاع خارج مدة التسجيل النظامية، والسماح لهم باستكمال دراستهم وفق الضوابط التي تحددها الجامعات ومجالسها العلمية.
في السياق نفسه، صدر المرسوم الرئاسي رقم 98 في حزيران/يونيو 2025، ليمنح الطلبة الذين استنفدوا فرص الرسوب أو انتهت مدد تسجيلهم عامًا دراسيًا استثنائيًا يتيح لهم فرصة لمتابعة تحصيلهم الأكاديمي، وقد شملت هذه المراسيم شريحة واسعة من طلبة الجامعات، واعتُبرت خطوة رسمية لمعالجة تراكمات سنوات طويلة من التوقف عن الدراسة وفتح الباب أمام عودة آلاف الطلبة إلى مقاعدهم الجامعية.
إلا أن الانتقال من القرار إلى التنفيذ لم يكن سلسًا بالنسبة لكثير من الطلبة العائدين، إذ سرعان ما برزت إشكالات إدارية وأكاديمية لم تُلحظ في نصوص المراسيم، ومع بدء التطبيق العملي، اصطدم الطلبة بتفسيرات متباينة للقرارات وإجراءات أربكت مسار العودة بدل أن تسهّله.
طلاب الشمال المحرر
يشعر كثير من طلاب الشمال المحرر بأنهم يُعاملون بإجحاف مقارنة بغيرهم، وكأن ظروف الحرب والانقطاع القسري عن الدراسة لم تُؤخذ بعين الاعتبار، في ظل افتراضات سائدة بأن استمرار التعليم كان متاحًا دائمًا عبر جامعات بديلة، غير أن هذا التصور بحسب الكثير منهم يتجاهل واقعًا معقدًا، لا سيما بالنسبة للطالبات المتزوجات اللواتي واجهن صعوبات مضاعفة في الجمع بين المسؤوليات الأسرية ومحاولات استكمال التعليم.
في هذا السياق، تقول الطالبة تقى الافتريسي، وهي طالبة هندسة معلوماتية انتقلت من الشمال المحرر، إنها واجهت بعد انتقالها شعورًا بالغربة وتعقيدات إدارية كبيرة في الجامعات الحكومية، إلى جانب طول إجراءات النقل وتشدد شروطها. وتضيف أن قدم المناهج ومعادلة المواد حمّلاها عددًا كبيرًا من المقررات دفعة واحدة، في اختصاص يتطلب تحديثًا مستمرًا، من دون أي استجابة لمطالب التخفيف، ما فاقم العبء النفسي والأكاديمي في ظل غياب الدعم الأكاديمي والتعاون الطلابي.
من جهتها، تقول غفران إسماعيل طالبة اللغة العربية، بأنها كلما قدّمت الأوراق المطلوبة طُلبت منها أوراق إضافية جديدة، رغم مطالبتها بتحديد المتطلبات دفعة واحدة، ما اضطرها للتنقل المتكرر بين جامعتها في ادلب والجامعة في دمشق، رغم صعوبة الطريق، قبل أن تُفاجأ أخيرًا بطلب تصديق الشهادة، وهو إجراء لم تتمكّن من إنجازه حتى الآن لبُعد المسافة.
مسارات تعليمية مختلفة خارج الاعتراف الرسمي
واجه عدد كبير من الطلبة العائدين من الخارج، ولا سيما القادمين من تركيا ولبنان، صدمة حقيقية عند شروعهم بإجراءات العودة إلى الجامعات السورية، إذ تبيّن في كثير من الحالات أن الشروط والقرارات الموضوعة لإدماج طلبة وخريجي المهجر ضمن منظومة التعليم المحلي اتسمت بطابع إقصائي، ولم تأخذ بعين الاعتبار ظروف التهجير والمسارات التعليمية المختلفة التي فرضتها سنوات اللجوء، وقد انعكس ذلك في رفض أو تعقيد طلبات النقل والتعديل، وعدم الاعتراف بنظم القبول والتعليم التي خضع لها الطلبة في بلدان اللجوء.
فضلاً عن مطالبة بعضهم بدراسة عدد كبير من المقررات– وصل في بعض الحالات إلى 14 مقرّرًا – كشرط لإتمام عملية التعديل، كما في حالة أحمد، طالب الهندسة القادم من لبنان والذي أُلزم بإعادة دراسة ما يصل إلى 12 مقرّرًا.
معتز السيد (37 عامًا)، طالب في كلية الإعلام، يقول إنه اضطر إلى مغادرة البلاد خلال سنته الدراسية الرابعة بسبب ظروف الثورة والملاحقة الأمنية، ما أدى إلى انقطاعه القسري عن الدراسة. ويضيف:
“رغم أن قرار العودة إلى الجامعة خطوة إيجابية، فإن الإشكالية كانت في التطبيق الإداري داخل وزارة التعليم العالي وبعض الكليات، خاصة في المواد العملية، حيث لاحظتُ تخبطًا في التعامل مع أوضاع الطلاب المنقطعين، وغيابًا لأي تسهيلات تراعي طول فترة الانقطاع، ورفض السماح لنا بتنفيذ الجانب العملي خارج فصله المحدد رغم أن انقطاعنا كان قهريًا. كما واجهتُ تعاملًا إداريًا غير مهني، تمثّل بادعاء ضياع ملفات وعلامات دون أي جهد حقيقي للبحث عنها، إلى جانب فجوة واضحة بين المناهج القديمة ومتطلبات سوق العمل الإعلامي، ما صعّب عليّ التأقلم واستكمال الدراسة”.
وتروي ريم سويد (27 عامًا) أنها بدأت دراسة الطب في إحدى الجامعات التركية عام 2019، حين لم تكن الرسوم مفروضة على الطلاب السوريين، إلا أن إعادة فرضها نهاية عام 2020 اضطرتها إلى ترك الجامعة بسبب عجز عائلتها عن تحمّل التكاليف. وتضيف: “بعد التحرير، ظننت أنني سأتمكن من استكمال دراسة الطب في سوريا، لكنني فوجئت بقرارات تحصر نقل طلاب الطب والصيدلة بالجامعات الخاصة دون الحكومية، وهو خيار غير ممكن بالنسبة لي في ظل غياب أي مصدر دخل وارتفاع الرسوم، ما أعادني مجددًا خارج مقاعد الدراسة رغم استيفائي الشروط الأكاديمية، لأجد نفسي عالقة بين نظامين تعليميين لا يقدّمان خيارًا فعليًا للاستمرار”.
يوضح محمد الأخضر، المنحدر من ريف حلب، أن عائلته غادرت سوريا عام 2016، ليكمل تعليمه في تركيا حتى حصوله على الشهادة الثانوية وتحقيقه نتيجة مرتفعة في امتحان YÖS، ما أتاح له فرصًا واسعة للالتحاق بالجامعات التركية، قبل أن يواجه عقبات جديدة مع قرار عائلته العودة إلى حلب ويقول: “فوجئتُ بأن القرار رقم 319 يشترط على المتقدمين للنقل من تركيا تحقيق حدٍّ أدنى في معدل الثانوية يختلف حسب الاختصاص، وهو شرط لا ينسجم مع المسار التعليمي في تركيا، حيث يعتمد القبول الجامعي على امتحان YÖS لا على معدل الثانوية، الذي يُحتسب أصلًا بشكل تراكمي لسنوات الدراسة الأربع”.
عراقيل إدارية تربك عودة الطلاب المنقطعين للجامعات
في حديثه لـ “نون بوست”، يروي الصحفي مازن الريس، خبير المحتوى الذي عمل لأكثر من 13 عامًا في شبكة beIN SPORTS، تجربته في تسوية وضعه كطالب منقطع بعد التحرير، ويقول:
“دخلتُ إجراءات التسوية بصفتي طالبًا فقط، من دون التعريف عن خلفيتي المهنية، لكنني فوجئتُ برفض ملفي بحجة عدم انطباق شروط إعادة الارتباط نتيجة تفسير خاطئ للتعميم. كنتُ قد سُجّلتُ على المواد بصفة “مشاهد”، إلا أنني لم أتمكن من تنزيلها، وعند محاولتي تثبيت التسجيل رُفض طلبي رسميًا. وبعد مراجعتي للشروط، تبيّن أن القرار غير مبرّر، فتقدّمتُ بشكوى إلى نائب العميد وعميد الكلية، اللذين تعاونا معي وأسهما في حل المشكلة خلال أيام”.
ويضيف: “أرى أن الإشكالية ليست في نص القانون، بل في طريقة تطبيقه، إذ قد يؤدي جهل بعض الموظفين أو اجتهادهم الخاطئ إلى حرمان الطلاب من حقوقهم. ورغم سلبية ما حصل، فإن سرعة تصحيح الخطأ تمثل جانبًا إيجابيًا يمكن البناء عليه مستقبلًا”.
فيما توضّح روان شنيني، الإدارية في كلية العلوم بجامعة دمشق، أن نسب القبول خلال العام الدراسي الحالي ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، ولا سيما بين طلاب السنة الأولى، نتيجة انخفاض معدلات المفاضلة إلى مستويات غير مسبوقة، ما أتاح قبول أعداد كبيرة من الطلبة، بمن فيهم حاملو شهادات الثانوية الصادرة قبل عام 2024 بعد أن كانوا مستبعدين سابقًا.
جيل العودة: لماذا أصبح الالتحاق بالمدرسة تحديًا إضافيًا لأطفال سوريا؟
وتضيف شنيني أن هذا التوسع تزامن مع المراسيم الأخيرة الخاصة بعودة الطلبة المنقطعين وفتح باب الالتحاق أمام القادمين من المناطق المحررة سابقًا، ما أدى إلى تضخم كبير في أعداد الطلبة داخل الكليات، وظهور تحديات تتعلق بضعف القدرة الاستيعابية، إذ لم تعد القاعات والمرافق قادرة على استيعاب هذه الأعداد.
وتشير إلى أن الصعوبات تتفاقم في الكليات العملية بسبب قدم تجهيزات المخابر وعدم كفاية الأجهزة المتبرع بها، إلى جانب الغياب شبه الكامل للتدفئة والتبريد واستمرار الروتين والبيروقراطية الإدارية. وتختم بالقول إن جزءًا من الكادرين التدريسي والإداري يفتقر إلى التأهيل العلمي والإداري والنفسي والانفتاح على التحديث، ما يزيد من معاناة الطلبة العائدين ويضعف فرص تحسين البيئة الجامعية.
إرث قانوني بائد يقيّد عودة الطلبة
في ظل القرارات الصادرة عن وزارة التعليم العالي بشأن إعادة تسجيل الطلبة المنقطعين عن الدراسة، لا سيما طلبة الشمال السوري المحرر سابقًا، تبرز تساؤلات عديدة حول مدى فاعلية هذه القرارات، وحدودها القانونية، وإمكانية استفادة الطلبة منها فعليًا.
في هذا السياق، أجر “نون بوست” حوارًا مع الدكتور ياسين جمول، الباحث والأكاديمي، ورئيس جامعة المعالي في الشمال المحرر سابقًا، للوقوف على واقع تطبيق هذه القرارات، والعوائق القانونية والإدارية التي ما تزال تحكم ملف عودة الطلبة إلى الجامعات الحكومية.
ويوضح د. جمول أنه بالنسبة للقرارات فقد تم قبول الطلبة في الجامعات التي فُصلوا منها بسبب الثورة وبدأوا بمتابعة دراساتهم، إلا أن الإجراءات القانونية ما زالت هي المنظومة القانونية العائدة للنظام البائد، ما يجعل بعض القرارات تستغرق وقتًا أطول وتختلف من جامعة إلى أخرى.
ويذكر أن “التسهيلات لطلبة جامعات الشمال المحرر سابقًا غير متاحة، بسبب الارتهان للمنظومة القانونية السابقة، رغم انتهاء اللجنة من إعداد مشروع قانون لتنظيم الجامعات الجديدة، بانتظار إقراره، وحتى ذلك الوقت سنبقى، مع الأسف، مرتهنين للمنظومة السابقة”.
أما بشأن تقييم القوانين والقرارات التي تم إصدارها، فأجاب الدكتور: “إن المنظومة القانونية مليئة بالتعديلات، حتى بعد التحرير والانضمام إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في دمشق، إذ لا يكفي الاطلاع على القانون الأساسي المتعلق بأي جزئية من جزئيات التعليم العالي، بل يجب تتبّع القرارات اللاحقة التي عدّلت الكثير من أحكامه. ولا يمكن إغفال الفساد الذي كان قائمًا، وتفصيل بعض القرارات على مقاس بعض المنتفعين، وهو ما لمسناه، مع الأسف، في أكثر من وزارة. فالقانون الأساسي شيء، والقرارات اللاحقة التي تعدّل اللائحة التنفيذية شيء آخر. ولذلك نأمل انعقاد مجلس الشعب الجديد، مجلس سوريا الجديدة، للتخلّص من هذا الركام من القوانين البالية التي لا تراعي متطلبات العصر ولا النزاهة في كثير من جزئياتها”.
وفي إجابته عن سؤال حول مسؤولية وزارة التعليم العالي عن المشكلات التي تواجه الطلبة، قال: “لا يمكن القول إن الوزارة تتحمّل المسؤولية بالمطلق، فهي تعمل وفق القوانين السابقة وبكوادر تعود في معظمها إلى الحقبة البائدة، مع ترهّل مؤسسي كبير”، مشيرًا إلى “أن عددًا كبيرًا من الكوادر المفصولة بسبب الثورة ما يزال خارج العمل، رغم صدور تعاميم وتصريحات رسمية. فقد أعادت وزارة العدل المفصولين، بينما لم تُعدهم وزارة التعليم العالي، وجاءت العودة بعقود مؤقتة ولم تشمل الموفدين”. وأضاف أن الوزارة تتحمّل جزءًا من المسؤولية، إلى جانب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ورئاسة الجمهورية والمجلس الأعلى للتربية والتعليم، الذي لم تُلمس حتى الآن آثار حقيقية لوجوده في تصويب العمل.
وضرب مثالًا بملف الاعتراف بالجامعات التركية، الذي شهد مماطلة قبل صدور قرار عام لا تزال تفاصيله تثير مخاوف من إقصاء بعض الطلبة. وختم الدكتور جمول حديثه بالتأكيد على ضرورة تفعيل دور المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وعدم حصر أولوية الدولة بالأمن والدفاع فقط، والدعوة إلى تطهير وظيفي وإصلاح إداري قائمين على الكفاءة والنزاهة، بعيدًا عن الولاء السياسي.
