بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تعد عودة النازحين والمهجرين إلى بيوتهم مجرد رحلة نحو مدن مهدَّمة فحسب، بل صارت اختبارًا يوميًّا للنجاة من شيء لا يُرى: ألغام وعبوات وذخائر لم تنفجر، تختبئ في الأنقاض والحقول وعلى طرق الوصول وحتى قرب مصادر المياه.
ففي الوقت الذي بدأ فيه أكثر من مليون لاجئ ومهجر داخلي بالعودة إلى مدنهم وقراهم منذ بداية 2025، اكتشفوا أن الطريق إلى البيت مفخخ بالذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية المزروعة خلال 14 عامًا من القتال.
عدد الألغام وأماكن انتشارها
يمتد التلوث بالألغام والذخائر غير المنفجرة في سوريا على مساحة واسعة من المدن والقرى والطرق والحقول الزراعية.
يحذّر مكتب الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أكثر من 300 ألف لغم ما زال منتشراً في أنحاء البلاد، وأن خمسة ملايين طفل يعيشون في مناطق ملوثة بها، مما يجعل كل خطوة لهم محفوفة بتهديد مأساوي.
تؤكد منظمة الهلال الأحمر السوري أن هناك ما لا يقل عن 200 قرية في شمال البلاد مزروعة بالألغام، إضافة إلى أكثر من 260 حقل ألغام موثق بعلامات تحذير. وفي ريف حلب وحده حُدد نحو 65 حقلًا يتراوح عدد الألغام في كل منها بين 2500 و3000.
وتشير الخرائط التي أعدتها الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) إلى 117 حقلًا ونقطة تحتوي على ألغام في محافظات حلب وإدلب وحماة واللاذقية ودير الزور خلال الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام.
ولم تسلم أي منطقة تقريبًا من تلوث الذخائر. تُعد محافظات إدلب وحلب وحماة وحمص ودمشق وريفها، إضافة إلى الرقة ودير الزور في الشرق، من أكثر المناطق تضررًا.

إذ استخدمت قوات النظام البائد وحلفاؤها الروس والإيرانيون الألغام المضادة للأفراد والألغام المضادة للدبابات بكثافة حول المواقع العسكرية وعلى الخطوط الأمامية المتقلبة وعلى طول الطرق الإستراتيجية.
كما استخدموا القنابل العنقودية والذخائر الجوية في حمص وحماة وحلب وضواحي دمشق، مما خلف ذخائر غير منفجرة خطيرة. كما زرعت متفجرات مرتجلة وعبوات مفخخة في المنازل والمركبات والمباني العامة أثناء انسحابها.
في حين اعتمد تنظيم “داعش” على زرع عبوات ناسفة في المنازل المهجورة والطرقات والبنية التحتية في الرقة ودير الزور.
بحسب تقرير لمنظمة Mines Advisory Group أو (MAG) العامة في مجال إزالة الألغام، عُثر على أكثر من 4 ملايين متر مربع من الأراضي الملوثة في شمال شرق البلاد خلال عام 2025، وتشمل منازل مدمرة وحقولًا ومناطق رعي وطرقًا ومصادر مياه.
ويلفت تقرير لوكالة أسوشيتد برس إلى أن الألغام أعاقت جهود مكافحة حرائق الغابات في اللاذقية عام 2025، حيث اضطر رجال الإطفاء للعمل بحذر وسط المتفجرات، مع تقدير الأمم المتحدة أن 300 ألف لغم قد تشتعل بفعل الحرائق.
المخاطر والضحايا
النتيجة المباشرة لهذا التلوث هي ارتفاع عدد الضحايا المدنيين. إذ وثّقت منظمة يونيسف 422 ألف حادث مرتبط بالذخائر غير المنفجرة خلال تسع سنوات في 14 محافظة سورية، نصفها خلّف ضحايا من الأطفال.
وأفاد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش بأن التلوث بالألغام والذخائر غير المنفجرة أدى إلى رحيل ما لا يقل عن 249 شخصًا، بينهم 60 طفلًا، وإصابة 379 آخرين منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
فيما تشير بيانات جديدة للمنظمة الدولية للسلامة (INSO) إلى أن أكثر من 1600 شخص رحلوا أو جُرحوا بفعل الألغام منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بينهم أكثر من 600 طفل، وأن عدد الضحايا الإجمالي قد يكون أعلى بسبب نقص التوثيق.
وفي تقرير آخر لـ MAG الأجنبية، حذرت المنظمة من أن سوريا قد تسجل أعلى عدد من ضحايا الألغام في العالم عام 2025.
كما سجّل مكتب INSO زيادة ملحوظة في عدد الضحايا منذ بدء عودة النازحين، إذ ارتفع عدد الحوادث بعد سقوط النظام بسبب تحرك السكان عبر مناطق ملوثة.

منظمة هالو ترست HALO Trust تشير إلى أن هناك حوالي 160 حالة إصابة أو وفاة شهرياً بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة، وأن أكثر من 1000 مدني قُتلوا أو جُرحوا منذ سقوط الأسد، وأن ثلث الضحايا من الأطفال.
ووفقًا للدفاع المدني السوري، لقي 35 مدنياً حتفهم، بينهم 8 أطفال، وأصيب 54 آخرون بين نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وبداية يناير/كانون الثاني 2025 بسبب انفجار الألغام ومخلفات الحرب. خلال الشهر الأول بعد انهيار النظام، قضى نحو 80 مدنيًا بينهم 12 طفلًا.
لم تستثنِ هذه الحوادث المروعة أي فئة عمرية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024 وحده قُتل أو أصيب 116 طفلًا بمتفجرات غير منفجرة، بمعدل يقارب أربعة أطفال يومياً.
وتشير تقارير اليونيسف إلى أن الذخائر غير المنفجرة أصبحت السبب الرئيسي لوفيات وإصابات الأطفال في سوريا. وفي النصف الأول من 2025، قُتل 369 شخصًا جراء حوادث متعلقة بالذخائر المتفجرة، وفق تقارير للأمم المتحدة.
في المستشفيات الميدانية بإدلب، يعالج الأطباء نحو أربعة جرحى يوميًا جراء الألغام، وبلغ عدد المصابين الذين تلقوا العلاج في أحد مراكز إدلب منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 نحو 500 شخصٍ، توفي منهم 60 ونحو 68 من المصابين كانوا أطفالاً.
وفي دير الزور، تستقبل غرفة الطوارئ في أحد المستشفيات على الأقل مصابًا بمتفجرات يوميًا، و45 % من الحالات المسجلة هناك أطفال.
جهود إزالة الألغام وتحدياتها
بعد انهيار النظام، بدأت الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع تشكيل مؤسسات جديدة، لكنها لم تنشئ بعد هيئة وطنية مدنية لإدارة إزالة الألغام.
حثّت هيومن رايتس ووتش الحكومة على إنشاء هيئة وطنية بالتعاون مع خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) ووضع سياسات ومعايير وإعادة النظر في اتفاقيات التسجيل لتمكين المنظمات الإنسانية من العمل.
تشير تقارير إعلامية إلى أن فرق الهندسة التابعة لقوات الأمن الداخلي الجديدة بدأت بالفعل إزالة ألغام من بعض الطرق الرئيسية في شرق حلب في فبراير/شباط 2026، إلا أن هذه الجهود ما تزال محدودة.
العبء الأكبر في إزالة الألغام يقع على عاتق المنظمات الدولية والمحلية. تعمل منظمة HALO Trust في سوريا منذ 2017، ولديها حاليًا 250 موظفًا موزعين على جبهات واسعة من جنوب إدلب إلى شمال حلب.
المنظمة تركز على تدمير الذخائر في عمليات تفجير صغيرة وتقول إنها وجدت أن القنابل العنقودية هي الأكثر شيوعًا، إلى جانب القذائف والصواريخ والقنابل اليدوية.
وتدير HALO أيضًا خطًا ساخنًا للطوارئ لتلقي الإبلاغات، وقد شهدت المكالمات تزايداً بعشرة أضعاف بعد سقوط النظام. إلا أن المنظمة لديها فقط 120 فردًا يعملون في الشمال الغربي وتعترف أنها تحتاج إلى تمويل بنحو 40 مليون دولار سنويًا لإطلاق عمليات شاملة.
تمكنت منظمة MAG خلال عشر سنوات من إزالة نحو 81 ألف جسم متفجر في سوريا، ولديها أكثر من 220 عاملًا محليًا. تعمل أيضًا مع الدفاع المدني السوري، الذي وقع معها مذكرة تفاهم في 2025 لتوسيع أعمال المسح والتوعية.
يركز برنامج MAG على التوعية بمخاطر الألغام، إذ تُقدّم فرقها جلسات تعليمية للأطفال والبالغين في المدارس والمنازل والمراكز المجتمعية، وتستخدم حملات رقمية للوصول إلى اللاجئين والنازحين.
كما يعمل الصليب الأحمر الدولي على تقديم الرعاية للمصابين ودعا إلى زيادة التمويل للعمليات الإنسانية، إذ يقدر تكلفة إزالة التلوث بعدة عشرات من ملايين الدولارات. منظمات أخرى مثل أطباء بلا حدود توفّر العلاج للضحايا وتشير إلى أن نحو 45 % من الحالات في دير الزور هم من الأطفال.
رغم هذه الجهود، تواجه أعمال إزالة الألغام عدة تحديات.
- نقص التمويل: خُفِّضت مساهمات بعض الدول المانحة، مما أدى إلى إنهاء بعض برامج إزالة الألغام في دول أخرى ويهدد بأن يحدث الأمر نفسه في سوريا.
- غياب خرائط دقيقة لحقول الألغام، يزيد من خطورة العمل ويطيل أمده، خاصة مع اعتماد بعض الجماعات المسلحة على عبوات ناسفة بدائية يصعب كشفها.
- استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، ووجود مخلفات شديدة الانفجار كالذخائر العنقودية، يضاعف من مخاطر العمل على فرق إزالة الألغام.
- الظروف الجغرافية والمناخية تُعد عائقًا آخر؛ إذ تُعيق التضاريس الجبلية والعواصف الرملية سير العمل، كما أن الحرائق الطبيعية قد تفجر الألغام وتزيد الخطر.
- غياب الكثير من العناصر المحلية المدربة على كشف الألغام وتفكيكها، وضعف الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، خصوصاً في المناطق الريفية الواسعة.
وبالمحصلة، يهدد إرث الألغام والذخائر غير المنفجرة مستقبل سوريا بعد الحرب، فيما يبقي تأخير الاستجابة ملايين السوريين أسرى لهذا الإرث القاتل.