خرج وزيرا المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش والجيش يسرائيل كاتس ليعلنا -في خطوة إسرائيلية لتسهيل التغلغل الاستيطاني- عمّا أسمياه “ثورة” في الضفة الغربية، بتدشين قرارات تهدف إلى “دفن فكرة الدولة الفلسطينية”.
وأعلن الوزيران إقرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، قرارات جديدة تهدف إلى ترسيخ الاستيطان بالضفة عبر تغيير الواقع القانوني والمدني فيها وإنهاء ما سموه القوانين الباقية من الحقبة الأردنية، فما أبرز القرارات وما تأثيراتها على الفلسطينيين؟
بنية القرارات وتفاصيلها
1. كشف أسماء المالكين لتسهيل نهب الأرض
أخطر ما أُقر هو رفع السرية عن سجلات الأراضي بالضفة الغربية؛ فبعد عقود من حجب الأسماء أُتيح للمستوطنين والشركات الاستيطانية ووسطاء السمسرة معرفة المالكين في خطوة للبدء بابتزازهم وملاحقتهم وتهديدهم، كما ألغت قانونا أردنيا يعود إلى عام 1967 يحظر بيع الأراضي لغير العرب.
بموجب هذه الخطوة يستطيع المستوطنون شراء الأراضي بصفة شخصية بدلًا من الاعتماد على شركات مسجلة، كما أُلغيت الحاجة للحصول على موافقة مسبقة من ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية لإجراء الصفقات العقارية.
كما قررت إعادة تفعيل “لجنة استملاك الأراضي”، المعطلة منذ نحو عقدين، لتشتري دولة الاحتلال أراضي “استراتيجية” لصالح مشاريع استيطانية.
2. انتزاع التخطيط وتصفية بروتوكول 1997
قررت حكومة الاحتلال السيطرة بالكامل على صلاحيات التخطيط والبناء في الحي اليهودي بمدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي ونقلها من بلدية الخليل – التي تخضع للسلطة الفلسطينية – إلى ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
حتى هذا الإعلان كان أي تعديل بنائي يحتاج موافقة البلدية الفلسطينية والإدارة المدنية الإسرائيلية معًا، أما الآن فستصدر الموافقات من المؤسسة الأمنية الاحتلالية فقط، في خطوة تتيح توسيع المستوطنات في المدينة، وتلغي عمليًا بروتوكول الخليل الموقع عام 1997.
بالإضافة إلى ذلك، أُقر تأسيس سلطة بلدية مستقلة لإدارة قبر راحيل (مسجد بلال بن رباح) في بيت لحم، ونُقل الإشراف عليه من البلدية الفلسطينية إلى الوزارات الإسرائيلية.
3. مناطق “A” و”B”.. قضم أوسلو
القرارات تتجاوز المناطق التي تخضع فعليًا لسيطرة الاحتلال في اتفاق أوسلو (المعروفة بمنطقة ج)، إذ تقضي بقضم مناطق “أ” و”ب” التي تُناط بالسلطة الفلسطينية مدنيًا وأمنيًا تحت عنوان “توسيع صلاحيات الشرطة والسلطات البيئية والإدارية الإسرائيلية”.
وسمحت حكومة الاحتلال بالإشراف على “المخالفات” المتعلقة بالمياه والبيئة والآثار في تلك المناطق، وبمصادرة أراضي وتنفيذ أوامر هدم بحق المباني الفلسطينية التي ترى “تل أبيب” أنها “غير قانونية” أو “تضر بالتراث”، وفق ما جاء في القرارات.
4. تحويل الاستيطان إلى مسارٍ مباشر
حتى 8 فبراير/شباط كان بيع الأراضي في الضفة الغربية للمستوطنين يمر عبر منظومة تصاريح يشارك فيها الجيش والإدارة المدنية الإسرائيلية والقضاء العسكري؛ إذ يشرف الجيش على نقل الأراضي ويصادق عليها.
أما بعد القرار، فإن عملية الشراء ستخضع فقط لغطاء بيروقراطي لتجريد الأرض من حمايتها القانونية، دون الحاجة لموافقة الجيش مما يخلق مسارًا مباشرًا للمستوطنين لسرقة الأراضي، ويقيد دور السلطة الفلسطينية في حماية الممتلكات.

السردية الإسرائيلية والاعتراف بالنوايا
- سموتريتش وصف القرارات بأنها “دفن لفكرة الدولة الفلسطينية”، مبينا أن الإجراءات تهدف إلى “تطبيع الحياة” بالضفة.
- وزير الجيش يسرائيل كاتس اعتبر القرارات بمثابة “مرساة استراتيجية دائمة” لسياسة الاستيطان.
- مجلس المستوطنات بالضفة الغربية (يشع) قال إن هذه القرارات هي الأهم منذ 60 عامًا.
- منظمة “رجافيم”، اليمينية قالت إن إلغاء القانون الأردني والسماح بالهدم في مناطق السلطة “سيجعل سجل الأراضي شفافًا”.
- “يديعوت أحرونوت“: الحكومة تسعى لتطبيق سيادة “إسرائيل” بالضفة قبل الانتخابات المقبلة كونه يصعب التراجع عن هذه القرارات قانونيا.
- موقع i24NEWS: هذه الإجراءات تمثل “ثورة” في الإدارة المدنية، لأنها تكشف سجلات الأراضي وتوسع سلطتنا بمناطق كانت محظورة.
في المقابل، حذرت منظمات يسارية إسرائيلية مثل “السلام الآن” من أن القرارات تشكل انقلابًا قانونيًا يقود إلى مصادرة جماعية للأراضي ويقوض فرص الحل السياسي.
ولفهم هذه الخطوات في سياق مشروع أوسع، يذكر تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن سياسة الحكومة الحالية، تهدف إلى توسيع الاستيطان في منطقة “ج” لقطع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية، ومنع أي إمكانية عملية لقيام دولة فلسطينية.
التقرير نفسه يشير إلى تخطيط حكومة الاحتلال لبناء أكثر من 3,400 وحدة استيطانية في منطقة “E1” بين القدس وأريحا، وهو مشروع وصفه سموتريتش بأنه وسيلة لقتل فكرة الدولة الفلسطينية وتحقيق هدف الوصول إلى “مليون مستوطن” في الضفة.
كما تحدث تقرير لمعهد السياسات الإسرائيلية (IPF) عن “ثورة” إدارية يقودها سموتريتش لفرض ما يسميه سيطرة مدنية إسرائيلية بدل العسكرية في الضفة.
التأثيرات الديموغرافية والسياسية
1. ديموغرافيا تحت الضغط
أرقام السكان تكشف حجم المعركة، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد سكان الأراضي الفلسطينية نحو 5.56 مليون نسمة نهاية 2025؛ منهم 3.43 مليون في الضفة الغربية.
في المقابل، وحسب تقارير فلسطينية رسمية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة نهاية 2024 نحو 770 ألفًا، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية؛ لكن نسبتهم تتزايد مع تسهيلات سرقة الأراضي والممتلكات.
ولذلك يتضح أن جزء من المشروع الاستيطاني يهدف إلى إقامة كتلة استيطانية كبيرة في الضفة ومضاعفة عدد المستوطنين ليصل إلى مليون شخص، كما صرح سموتريتش خلال مناقشة خطة منطقة “E1”.
2. تفتيت الجغرافيا وتكريس السيطرة
قضم “إسرائيل” مناطق “أ” و”ب” يسمح لها بتنفيذ عمليات هدم ومصادرة في 40% من مساحة الضفة التي كانت خاضعة للسلطة الفلسطينية.
مجموعة الأزمات الدولية ترى أن حكومة الاحتلال تعمل على تحويل إدارة الضفة من سلطة عسكرية إلى أخرى مدنية إسرائيلية، وهو ما يجعل إعلان الضم مسألة شكلية فقط.
وتنبه إلى أن المشروع الاستيطاني يدفع الفلسطينيين إلى جيوب معزولة ويجردهم من الموارد، في محاولة لدفعهم للهجرة.
ويؤكد تقرير لـ”معهد واشنطن” أن استمرار الاستيطان يضغط الفلسطينيين كـ”كماشة” ويؤدي إلى نزوح قسري، إذ نفذت المليشيات الاستيطانية 440 اعتداء في النصف الأول من 2025 وحده.
3. أثر اقتصادي واجتماعي
التوسع الاستيطاني يقترن بمصادرة الأراضي الزراعية والموارد المائية، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية في الضفة.
تقرير حديث للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يظهر أن البطالة وصلت إلى 28% في الضفة عام 2025، بينما شهد الناتج المحلي الإجمالي انخفاضًا بنسبة 13% بسبب قيود الاحتلال.
كما أن الهدم المتزايد للمنازل وإغلاق المناطق يحول دون الاستثمار والتنمية، ويعزز الهجرة الداخلية والخارجية، وينذر بتغيرات ديموغرافية قسرية.
وفي ظل غياب ردع دولي واضح، يبدو أن عام 2026 سيشهد صراعًا محتدمًا حول مستقبل الضفة الغربية، بين حكومة إسرائيلية تمضي بخطى ثابتة نحو الضم، وشعب فلسطيني يواجه خطر الإقصاء الديموغرافي والسياسي.