ترجمة وتحرير: نون بوست
في سوريا، حيث عملتُ خلال سنوات إرهاب بشار الأسد، كان الناس يُقتادون غالبًا قبل الفجر إلى زنازين التعذيب على يد رجال ملثمين. كان التوقيت مقصودًا، إذ يُربكهم في أكثر لحظاتهم ضعفًا، ليجعل التعذيب الذي سيتعرضون له أشد إيلامًا. كانت الشهادات التي سجلتها من الناجين تكاد دائمًا تحتوي على العبارة نفسها: “صباح اليوم الذي جاؤوا فيه من أجلي”. قالت لي امرأة شابة، وقد حطمتها الاغتصابات والعنف، لاحقًا إن حياتها انقسمت إلى قسمين: ما قبل أن يأتي الملثمون من أجلها، وما بعده.
في العراق، عوقب كل من انتقد صدام حسين – حتى في الخارج، ولو بشكل عابر – بوحشية على يد زعيمٍ متعطشٍ للانتقام، مصممٍ على سحق أي صوتٍ للمعارضة.
وفي مصر عام 2016، تم اختطاف جوليو ريجيني، الأكاديمي الإيطالي البالغ من العمر 28 عامًا، والذي كان يقوم بأبحاث في شؤون النقابات العمالية، وتعرض للضرب والتعذيب حتى الموت، ويُعتقد أن ذلك تم على يد الأجهزة الأمنية لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. حتى والدته وجدت صعوبة في التعرف على جثمانه المشوّه.
خلال تغطيتي لحرب الشيشان الثانية، التقيتُ الصحفية آنا بوليتكوفسكايا التي كانت تهاجم سياسات فلاديمير بوتين، موثقةً الانتهاكات الحقوقية خلال الحملات العسكرية الروسية. تم إطلاق رصاصة في رأسها يوم عيد ميلاد بوتين، لتصبح بمثابة رسالة تحذير لبقية الباحثين عن الحقيقة: الصمت أو الموت.
في الضفة الغربية وغزة، يقتل الجنود الإسرائيليون الملثمون وغير الملثمين، الأطباء والصحفيين والمدرسين والنشطاء والأكاديميين الفلسطينيين، ليس بسبب ما فعلوه، بل بسبب هويتهم.
بعد عقود من توثيق إرهاب الدولة، أعرف كيف يبدأ الأمر. تبدأ الحكومات باستخدام كلمات مثل الأمن، والنظام، والردع. كل مبرر لسلوك بنيامين نتنياهو في غزة يُصاغ تحت عنوان “الأمن”. يتلقى عملاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية تدريبًا على لغة النظام، حيث تتحول ممارسة العنف إلى إجراء روتيني.
ماذا يحدث حين تتبنى الدول الديمقراطية أساليب الأنظمة التي كانت تدينها في السابق؟ الإرهاب ليس فقط رجالًا ملثمين واعتقالات تعسفية. إنه يعمل أيضًا من خلال الخوف. تُصاغ السياسات لجعل الناس أكثر امتثالًا وخضوعًا. وكما حذّر المؤرخ تيموثي سنايدر في كتابه الصادر عام 2017 “عن الطغيان“، هكذا تنزلق المجتمعات إلى الخطر: يطيع الناس مسبقًا.
في الولايات المتحدة خلال عهد دونالد ترامب، شاهدتُ رؤساء تنفيذيين وأكاديميين وصحفيين ومسؤولين حكوميين يسمحون للخوف بأن يتغلب على النزاهة والسلطة الأخلاقية. لقد رأيت هذا النمط من قبل. يبدأ بادعاءات أن بعض الأشخاص يشكلون خطرًا، وأن الضمانات القانونية العادية لا ينبغي أن تنطبق عليهم، وينتهي بمجتمع متدهور – أكثر امتثالًا، وأكثر تشككًا، وأكثر قسوة. إرهاب الدولة نادرًا ما يُعلن عنه. ومن خلال خبرتي، فإن الأمر يصبح طبيعيًا بشكل تدريجي، ويتسرب بهدوء إلى آليات الحكم.
لا تدعي الأنظمة الاستبدادية شرعية أخلاقية حقيقية، بل تمارس عنفا صريحا. لم يعتذر صدام حسين حين قتل 182 ألف كردي خلال حملة الأنفال. ولم يعتذر السيسي حين قُتل نحو ألف من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميداني رابعة والنهضة بوسط القاهرة. ولم يعترف حافظ الأسد يومًا بعشرات الآلاف الذين قُتلوا في حماة عام 1982. (حتى اليوم، لا تزال الأعداد الدقيقة مجهولة. شيّد النظام فنادق فوق المقابر الجماعية مستهينا بأرواح الأبرياء).
أما الديمقراطيات فتعمل بطريقة مختلفة تمامًا، وغالبًا ما تكون أفعالها فوق القانون. يتم اللجوء إلى الدساتير وإعادة العمل بقوانين غامضة لتبرير السياسات العدوانية، وتتحدث الحكومات عن “إجراءات ضرورية”. تشير الأنظمة الديمقراطية إلى أن المحاكم ما زالت تعمل، والصحافة ما زالت تتمتع بقدر من الحرية، والانتخابات ما زالت تُجرى، حتى مع تفكك كل هذه المؤسسات. هكذا تبدأ الديمقراطيات في التشبه بالأنظمة التي كانت تدينها في السابق. إنه تحول خفي ومدمّر.
الأدوات مألوفة. تم تعيين صحفية متوافقة مع المصالح السياسية للرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي لقيادة شبكة سي بي إس، التي كانت في يوم من الأيام من أكثر الشبكات احترامًا في الولايات المتحدة. في الجامعات، تشمل المراقبة الآن تصوير الطلاب الذين يشاركون أو يقودون مظاهرات مؤيدة لفلسطين، والذين يُعتبرون من مثيري الشغب. أخبرني أحد الطلاب في إحدى جامعات رابطة اللبلاب أن البعض يتم تحذيرهم سرًا من أنهم لن يجدوا عملًا في وول ستريت أو في أفضل مكاتب المحاماة أو في المؤسسات الحكومية إذا استمرواعلى هذا النهج. يتم اختطاف طلاب ناشطين آخرين من منازلهم، ويُحتجزون بشكل غير قانوني، ويُهدَّدون بالترحيل.
ويواجه عمداء الجامعات تهديدات بقطع التمويل ما لم يفرضوا لوائح تقيد الحرية الأكاديمية. في جامعة نورث وسترن بشيكاغو، أُجبر الطلاب على إكمال دورة تدريبية حول معاداة السامية قبل أن يتمكنوا من التسجيل في الدروس، وقد صفوها بأنها غير دقيقة ومنحازة لصالح إسرائيل.
ويُطلب من الأساتذة بشكل غير مباشر أن يلتزموا بالخط المرسوم. ويُعاقب الصحفيون من خلال لغة مصاغة بعناية كسياسة تحريرية، ثم يتم اعتقال بعضهم. أولئك الذين يقاومون يُوصمون على نحو متصاعد بأنهم أعداء للدولة.
تكتيكات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية ليست جديدة. لقد استُخدمت منذ فترة طويلة ضد الراديكاليين السياسيين الراديكاليين والمسلمين والسود والمهاجرين. ما تغير هو وضوحها، وقبولها بشكل متزايد. تطبق الوكالة اليوم أنماط إرهاب الدولة التي وثقتُها لعقود: الاعتقال التعسفي، الأدلة السرية، الشرطة المسلحة، وتجريم المعارضة. كل ذلك يُبرَّر من قبل حُماة الشرعية: البيت الأبيض، والكنيست، ومكتب رئيس الوزراء.
شيئًا فشيئًا، تُوضع القوائم. لقد عادت اختبارات الولاء التي تذكّرنا بعصر “الخوف من الشيوعية“. يواجه المواطنون مزدوجو الجنسية ضغوطًا لاختيار بلد “الولاء”. يتحول تطبيق قوانين الهجرة من إجراء قانوني إلى عملية مطاردة “للمجرمين”، ويُعاقب النشطاء والمنظمات غير الحكومية والعاملون في المجال الإنساني. وفي غزة، تُبلَّغ منظمات مثل “أطباء بلا حدود” أنه ما لم تقدم قوائم بأسماء موظفيها العاملين في مجال الرعاية الصحية – وهو ما يعرّضهم لخطر جسيم – فلن يُسمح لها بمواصلة العمل.
الأمم المتحدة، التي تأسست لمنع ويلات الحرب، أصبحت عاجزة، ثم تم تهميشها والسخرية منها.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا روسيا أو كوريا الشمالية، لكن الديمقراطيات تتآكل. المراحل المبكرة لا تبدأ فقط بانتشار الحرس الوطني في الشوارع، بل أيضا بالجدل القانوني حول تعريفات المصطلحات، وخضوع القضاة للسلطة، وتلقي الكونغرس الأموال من جماعات الضغط القوية، ثم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية. تُستخدم المعلومات المضللة كسلاح، ويغض مسؤولون صالحون الطرف عن التجاوزات خوفًا من فقدان وظائفهم أو تأشيراتهم أو عقود النشر أو مكانتهم الاجتماعية.
أكثر ما يثير الرعب هو ما يحدث للمجتمع، وأيضًا للأفراد، حيث يصبح الخوف داخليًا، ونبدأ بمراقبة أفكارنا ذاتيا. نتساءل إن كان القانون قادرا على حمايتنا إذا جاءوا للبحث عنا يومًا ما.
المفارقة الحقيقية هي أن إرهاب الدولة لا يجعل الدولة أكثر أمنًا. حين تتبنى الدول الديمقراطية أساليب الطغاة، فإنها تصبح أضعف، وتتآكل مصداقيتها العالمية، وتضحّي بالشرعية التي كانت تميزها عن الأنظمة التي تدّعي معارضتها.
أعرف إرهاب الدولة حينما أراه. لا يقتصر الأمر على الحرس الثوري الإيراني أو جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أو جهاز الأمن المصري. إنهم محامون بالبدلات الرسمية وبيروقراطيون على المكاتب وصحفيون يصوغون رواية تُحرّف الحقيقة. إنهم عملاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية يحطمون نوافذ السيارات ويطلقون النار على مواطنين غير مسلحين. إنها الحدوشد المُسلحة، وفصل العائلات، والترحيل دون إجراءات قانونية. إنه تحويل الخوف إلى سياسة، وإلى هدف.
من الضروري أن نصغي إلى جميع من عاشوا هذه التجربة. إن مئات الشهادات التي جمعتها على مرّ السنين من ضحايا القمع هي إشارة إنذار مبكر لا يمكننا تجاهلها.
المصدر: الغارديان