على وقع أمطار استثنائية، انقلبت سهول المغرب الشمالية منذ 30 يناير/كانون الثاني 2026 إلى بحيرات عارمة وأجبرت السلطات على إجلاء عشرات الآلاف، إذ تحولت مدينة القصر الكبير والبلدات المجاورة إلى مدن أشباح بعدما اجتاحها فيضان نهر لوكوس وأنهار السدود بالمنطقة فيما تتواصل المخاطر خلال فبراير/شباط.
هذه الموجة غير المسبوقة أنهت سنوات الجفاف لكنها كشفت هشاشة البنية التحتية وعجز إدارة الكوارث. فما أسباب الكارثة، وما تداعياتها على السكان والاقتصاد، وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للسيطرة على الأزمة؟
أسباب الكارثة الجديدة
1- أمطار تاريخية وسهول منبسطة
تتميز منطقة الغرب بشبكة أودية متعرجة وسهول منخفضة، وهي تُعد سلة المغرب الزراعية. مع هطول أمطار شتوية كثيفة بلغت 215% أكثر من العام الماضي و54% فوق المتوسط التاريخي، غرقت التربة وأصبحت غير قادرة على تصريف المياه.
وتفتقر المنطقة إلى ميل طبيعي يسمح بتصريف المياه، وهو ما يجعلها تغرق بعد أسابيع من الأمطار الغزيرة. كما أن النمو العمراني السريع زاد العبء على شبكات الصرف، بينما أضعفت إزالة الغابات حواجز طبيعية كانت تقلل من سرعة جريان المياه.
كما أن ارتفاع مستويات الأنهار، خاصة نهر لوكوس في إقليم العرائش ونهر سبو في إقليم القنيطرة، جعل المنطقة عرضة لفيضانات واسعة، خصوصًا أنّ سهول الغرب ذات انحدار ضعيف وتصريف بطيء.
2- سدود ممتلئة وتفريغ اضطراري
أدت الأمطار المتواصلة إلى ارتفاع مخزون السدود إلى مستويات قياسية، إذ تجاوزت قدرة سد واد المخازن 146% من سعته المعتادة.
شهدت الأسابيع السابقة تدفقات استثنائية؛ فقد سجل السد 972.9 مليون متر مكعب من المياه بين سبتمبر/أيلول 2025 و4 فبراير/شباط 2026، منها 716.8 مليون متر مكعب خلال أسبوعين.
هذه الكمية تجاوزت متوسط التدفقات السنوية بنسبة 184%، فاضطر المسؤولون إلى فتح بوابات الطوارئ لتفريغ المياه الزائدة، وهي إجراءات اعتيادية لكنها ساهمت بزيادة منسوب الأنهار وأسهمت في الفيضانات.
3- التغير المتسارع للمناخ
أشار تقرير لمنصة Fanack Water إلى أن التدفقات غير المسبوقة نحو السد ناتجة عن أمطار غير عادية ومحدودية قدرة السدود على استيعاب مثل هذه الكميات الكبيرة، ما دفع السلطات إلى ضخ المياه بعيدًا عن السد وبسرعة أقل بكثير من تدفق الوادي.
إذ كانت التدفقات القادمة نحو السد تتجاوز 2000 متر مكعب في الثانية بينما لم يتجاوز التصريف 600 متر مكعب في الثانية.
وأبرز التقرير أن استمرار مثل هذه الظروف يستدعي تحديث سياسات إدارة المياه ومراجعة خطة التصريف الاحترازي. وهذا التحول من الجفاف إلى الفيضانات يمثل أحد أوجه التغير المناخي في شمال إفريقيا بالسنوات الأخيرة. وتشير تقارير إلى أن المغرب سجل 150 ملم من الأمطار خلال ستة أشهر، أي بزيادة 32.5% على المعدل.
وقد حذرت الهيئة الوطنية للأرصاد من استمرار الأمطار والعواصف الثلجية، ما يضع البلاد أمام تحدي إدارة ندرة المياه ووفرتها المفرطة في الوقت ذاته. واعتبر خبراء أن هذه الأمطار أنهت رسميًا سبع سنوات من الجفاف ورفعت معدل الملء الوطني للسدود إلى نحو 62% مقارنة بـ27% قبل عام.
المناطق المتضررة والإجلاءات
العرائش: القصر الكبير والمدن المحيطة
تُعد مدينة القصر الكبير في إقليم العرائش بؤرة الكارثة، إذ غمرت مياه نهر لوكوس معظم أحيائها. أعلنت السلطات أن 85% من سكان المدينة غادروها، مع إجلاء أكثر من 81 ألف شخص من الإقليم.
وأظهرت الصور المدينة شبه خالية، فيما جرى قطع الكهرباء عن بعض الأحياء كإجراء وقائي. كما نقلت مراكز استقبال في طنجة وتطوان النازحين، فيما وفرت السلطات خيامًا وأغذية ومساعدات طبية.
القنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان
امتدت الفيضانات إلى إقليم القنيطرة، حيث اضطرت السلطات إلى إقامة مخيمات إيواء لنحو 45,194 شخصًا، أي حوالى تسعة آلاف أسرة. قدمت فرق الإغاثة بطانيات وأغطية وأغذية، كما خصصت فرق بيطرية لرعاية المواشي وتوزيع الأعلاف.
في سيدي قاسم، استمرت عزلة قرى عدة على مدى أكثر من ثمانية أيام، ونفد الغذاء والعلف في بعض المناطق، مما أدى إلى موت بعض المواشي. أما في سيدي سليمان، فقد تحدث ناشطون عن تدمير محاصيل زراعية ودخول المياه إلى المنازل.
أقاليم أخرى وحوادث منفصلة
في إقليم تطوان شمالي المغرب، تسببت سيول مفاجئة في مقتل أربعة أشخاص بينهم أطفال، وفُقد خامس بعد أن جرفت مياه وادي رميلات سيارة كانت تقلهم.
المأساة أثارت المخاوف حول أخطار السيول في المناطق الجبلية، ودعت السلطات إلى التحقيق في ظروف الحادث.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
خسائر زراعية واستمرار العزلة
غمرت مياه الفيضانات مساحات شاسعة من حقول القمح والخضر في منطقة الغرب، وتحدثت تقارير محلية عن فقدان محاصيل كاملة وخسارة موسم كامل في بعض القرى.
كما أدى تفريغ السدود إلى غمر أراضٍ جديدة، ما سيؤثر في إنتاج الحبوب والقطاعات الحيوانية. إضافة إلى ذلك، أغلقت الأسواق الأسبوعية في بعض القرى لأسبوعين متتاليين، ما أثر على دخل المزارعين وصغار التجار.
ارتفاع النزوح وفقدان الممتلكات
تجاوز عدد النازحين 154,309 شخصًا بحلول 8 فبراير/شباط، منهم 112,695 في العرائش، و23,174 في القنيطرة، و14,079 في سيدي قاسم، و4,361 في سيدي سليمان.
هذا الرقم الضخم يعكس حجم الكارثة ويثير تساؤلات حول قدرة السلطات على توفير خدمات أساسية للمهجرين لفترة طويلة. ولا تزال بعض القرى معزولة، ما يُصعِّب عمليات الإغاثة ويزيد الضغط النفسي على السكان.
تأثير على البنية التحتية والخدمات
تضررت الطرق والجسور وشبكات الكهرباء، كما انقطعت خدمات الماء في بعض الأحياء، واضطرت فرق الصيانة إلى تنفيذ أكثر من 345 تدخلاً لإعادة فتح الطرق وإصلاح الأنابيب والكابلات في إقليم تاونات.
كما جرى تسجيل أكثر من 30 عملية لإصلاح خطوط الكهرباء واستبدال أعمدة وأسلاك، ما يبين هشاشة البنية التحتية في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
انعكاسات على الأمن الغذائي
تسببت الفيضانات في غمر حقول القمح والخضر وتدمير المحاصيل، ما يهدد الأمن الغذائي في منطقة الغرب.
انقطاع الطرق والجسور وتعليق الأسواق الأسبوعية لعدة أسابيع أضر بسلاسل التوريد ومنع وصول المواد الغذائية والمنتجات الزراعية إلى الأسواق، الأمر الذي أضر بدخل المزارعين وصغار التجار وأدى إلى نقص في الإمدادات.
ومع تعطل النقل وارتفاع الطلب المحلي جراء نزوح أكثر من 154 ألف شخص، يتوقع أن يواجه المغرب تحديات إضافية للحفاظ على استقرار أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر المقبلة.
استجابة السلطات والإجراءات
- عمليات الإجلاء والخدمات اللوجستية: شاركت وحدات من الجيش، والدرك، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية في الإجلاء، وشملت الإجراءات توفير حافلات لنقل السكان، وتخصيص مراكز استقبال في المناطق الآمنة، وتوزيع آلاف الخيام والبطانيات. كما تم توفير وجبات غذائية، ومياه شرب، ورعاية طبية، إضافة إلى وحدات بيطرية لرعاية المواشي وتوزيع الأعلاف، خصوصًا في مخيمات القنيطرة.
- إدارة السدود وإطلاق المياه: سارعت وكالة حوض سبو إلى فتح بوابات سد إدريس الأول في إقليم سيدي قاسم لتخفيف الضغط، حيث بلغ منسوب السد 84.64% مقارنة بـ24.85% في نفس الفترة العام الماضي.
- برامج دعم المزارعين والبنية التحتية: أعلنت وزارة الفلاحة البدء في توزيع علف طارئ للمزارعين المتضررين قرب القصر الكبير لمواجهة نفوق المواشي ونقص الأعلاف، كما يجري العمل على إمداد أصحاب الحقول المحاصرين بالمياه الصالحة للشرب عبر شاحنات الصهاريج. في إقليم تاونات، نفذت السلطات أكثر من 700 عملية طوارئ شملت ترميم الطرق وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه وإقامة مراكز استقبال.
لكن رأت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) أن هذه الخطوات غير كافية ودعت الحكومة إلى إعلان المناطق المتضررة مناطق كوارث، معتبرةً أن الإمكانيات المحلية غير كافية وأن تعويضات التأمين متوقفة على هذه الخطوة.
وطالبت بتفعيل صندوق التضامن ضد الكوارث وتوفير خطط إعادة إسكان للمتضررين، مشيرةً إلى أن الفيضانات كشفت عن “نقص التخطيط وضعف البنية التحتية”. كما طالبت بإعادة تقييم سياسات إدارة الأنهار والسدود وفرض شفافية أكبر في نشر المعلومات.
وعلى الرغم من أن أمطار الشتاء جلبت للمغرب مخزونًا مائيًا يخفف من أزمة الجفاف المتفاقمة، فقد كشفت هشاشة البنية التحتية وضعف الاستعداد للكوارث في ظل توقعات بفيضانات إضافية خلال فبراير.