في حلقة جديدة ضمن مسار تحويل منظومة السجن إلى أداة قتل رسمية تُشرعن الانتقام وتُقنّنه، بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تجهيز مسار خاص لإعدام الأسرى الفلسطينيين ضمن أحد أخطر التشريعات في تاريخ سجون الاحتلال.
وكشفت القناة الـ 13 الإسرائيلية في فبراير/شباط 2026 عن مسار سرّي أُطلق عليه داخليًا اسم “الممر الأخضر”، يتضمن تدريب حراس على تنفيذ الإعدام شنقًا باستخدام ثلاثة مفاتيح تُدار في الوقت نفسه حتى لا يُعرف أي منهم نفذ عملية القتل.
هذه التسريبات جاءت بينما يتقدم في الكنيست مشروع قانون لشرعنة قتل الأسرى الفلسطينيين عبر الإعدام، فما أبرز ما كشف عنه هذا المخطط حتى الآن وإلى أي مرحلة وصلت عملية إقراره؟
ما بنية “المشروع”؟
مشروع القانون الذي يناقشه الكنيست هو تعديل تشريعي يفرض حكم الإعدام الإجباري على الفلسطينيين الذين “يُدانون بقتل إسرائيليين”، ووفقًا للتقارير، سيُطبّق القانون أولًا على أسرى من كتائب “نخبة” حركة حماس ممن شاركوا في عملية طوفان الأقصى ثم يُوسّع ليشمل كل من يقتل إسرائيليين.
ويميز القانون بين مسارين:
- المسار العسكري: يطبق على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أمام المحاكم العسكرية ويشمل كل عمل تسبب بموت إسرائيلي، حتى لو كان القتل غير مقصود.
- المسار المدني: يطبق على الإسرائيليين اليهود أمام ما تسمى المحاكم المدنية داخل “إسرائيل” وفي شرق القدس، ويقيّد الإعدام بشروطٍ انتقائية مرتبطة بالهوية.
ما آليات تنفيذه؟
تنص النسخة المقدمة لما تسمى لجنة الأمن القومي الإسرائيلي على ما يلي:
- تُجرى المحاكمات أمام قضاة عسكريين
- الإعدام يتم شنقًا
- يجري خلال 90 يومًا من الحكم النهائي
- يُمكن إصدار الحكم دون طلب المدعي العام
- لا توجد إمكانية للاستئناف
- يُمنع العفو أو تخفيف “العقوبة”
- سيُحتجز المحكوم عليهم بالإعدام في عزلة تامة
- لن يُسمح بالزيارات إلا “للموظفين” المصرح لهم
وكان الكنيست نشر عبر منصة “إكس” في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أن تطبيق الإعدام سيكون عبر حقنة سامة، لكن كشفت صحيفة هآرتس أن المشروع ينص على تنفيذه شنقا.
ووفق خطة التنفيذ المسربة، ستُنشأ وحدة خاصة في السجون مكلّفة بتنفيذ الإعدامات. والحراس الذين يشاركون في العملية يحصلون على تدريب في دولة آسيوية لم يذكر اسمها، وينص القانون على منحهم حصانة كاملة لإخفاء الجريمة وعدم الكشف عن هوياتهم.

إلى أين وصل مشروع القانون؟
مرّ القانون حتى الآن بعدة مراحل.
- في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 صوّت الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع القانون بأغلبية 39 مقابل 16، ما أتاح إحالته إلى لجنة الأمن القومي لمراجعته.
- بعدها بدأت اللجنة سلسلة جلسات مطولة في يناير/كانون الثاني 2026، حيث أُدخلت تعديلات أهمها تغيير وسيلة التنفيذ من الحقنة إلى الحبل وتشديد السرية.
- يتوقع أن يُطرح القانون للقراءة الثانية والثالثة في فبراير/شباط أو مارس/آذار 2026، وقد وعد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بعقد جلسات “ماراثونية” لإقراره سريعًا.
ويبدو أن الحكومة الائتلافية اليمينية المتطرفة تملك الأصوات الكافية لتمريره، لا سيما بعد دعم رئيس لجنة الأمن القومي زفيكا فوغيل الذي قال إن إعدام الفلسطينيين “ضرورة دفاعية”، وفق زعمه.
لماذا يحرص بن غفير على تمريره؟
قبل هذا التشريع، كانت “إسرائيل” تعتمد السجن المؤبد ضد الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات فدائية؛ وفي بعض الحالات يُحكم عليهم بأكثر من مؤبد، إذ ألغت عقوبة الإعدام عام 1954 ولم تنفذ حكمًا منذ إعدام النازي أدولف أيخمان عام 1962. وبالتالي فإن إعادته تُعد تحوّلًا جذريًا.
يسوّق بن غفير ومعسكره القانون باعتباره “ردعًا” للفلسطينيين، ويزعمون أنّ أحكام المؤبد تتيح تحرير الأسرى في صفقة تبادل محتملة، بينما جوهره توسيع سياسة الانتقام والقتل داخل السجون. ولذلك، يرى مراقبون أن مشروع القانون يُستخدم لتعزيز شعبية الأحزاب اليمينية، خاصة حزب القوة اليهودية بزعامة بن غفير.
فقد أظهرت استطلاعات رأي إسرائيلية أن أغلبية من الإسرائيليين تؤيد تطبيق الإعدام على الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات فدائية، وتستند هذه المواقف إلى خطاب تحريض إعلامي وسياسي. ومع ذلك، تعارض بعض الأوساط الأمنية هذا التوجه.
حتى داخل أجهزة أمن الاحتلال كـ”الشاباك” ظهر سجال لا يمسّ جوهر القانون العنصري، بل يركّز على ارتداداته على إدارة الاحتلال للضفة وغزة؛ إذ تخشى بعض الدوائر أن يدفع الإعدام إلى مزيد من عمليات أسر الإسرائيليين لاستخدامهم كورقة ضغط.
ما الأهداف الحقيقية للمشروع؟
خبراء القانون الدولي يرون أن الهدف الحقيقي هو فرض مزيد من الترويع على الشعب الفلسطيني وترسيخ نظام الفصل العنصري؛ إذ إن القانون لا يستهدف اليهود المتهمين بأعمال مماثلة، بل يقتصر على العرب، فالمادة المقترحة تنص صراحة على أن الإعدام يفرض فقط عندما يكون المقتول إسرائيليًا يهوديًا، ولا يسري إذا كان القتيل غير يهودي أو من جنسيات أخرى.
بل إن أحد المبادرين إلى القانون، عضو الكنيست زفيكا فوغيل، صرّح بأن “اليهود الذين يرتكبون عمليات قتل بدافع قومي لن يواجهوا الإعدام”.
وكشف تقرير لـ”عدالة” أن أعضاء الكنيست صرّحوا خلال النقاش بأن “الإعدام لن يطبق على اليهود” وأنه يشكل “وسيلة للانتقام من العرب”.
ويمنح القانون حماية مطلقة للعسكريين والمحققين الذين ينفذون الحكم، ويحظر نشر تفاصيل التنفيذ أو أسماء المشاركين فيه، وهو ما يفتح الباب للانتهاكات دون مساءلة.
وتشير قراءات حقوقية إلى أن تشريع الإعدام يندرج ضمن سياق واسع من سياسات الاحتلال اليمينية المتطرفة ويشكل خطوة تالية لمحاولات حرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والإنسانية، بدءًا من تهجيرهم من أحيائهم وصولًا إلى تصفيتهم داخل السجون، لذا فإن مقاومة هذا القانون لا تُعد معركة قانونية فقط، بل جزءا من مواجهة شاملة ضد مشروع الاحتلال والاستيطان.
ما رأي القانون الدولي؟
من الناحية القانونية، يشكل تشريع الإعدام انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي التي تحظر المعاملة القاسية واللاإنسانية، فالإعدام شنقًا يُعد شكلًا من أشكال التعذيب بحسب الأمم المتحدة.
كما أن جعل الحكم إلزاميًا يلغي سلطة القاضي ويمنع مراعاة الظروف المخففة، وهو ما يعارض أحكام المحكمة العليا الإسرائيلية نفسها التي سبق أن حذرت من استخدام “عقوبة الإعدام”.
من الناحية الإنسانية، يخشى أن يؤدي تفعيل هذا القانون إلى إعدام أشخاص أدينوا بناءً على اعترافات انتزعت تحت التعذيب أو في محاكمات عسكرية تفتقر للشفافية، إذ تبلغ نسبة “الإدانة” في المحاكم العسكرية الإسرائيلية أكثر من 99٪، وغالبًا ما تجرى المحاكمات باللغة العبرية دون ترجمة مناسبة. إذن فالخطر كبير بقتل أبرياء أو معتقلين أطفال، خصوصًا مع غياب رقابة مستقلة على إجراءات التحقيق والحكم.
ودعا خبراء الأمم المتحدة في حقوق الإنسان “إسرائيل” إلى سحب المشروع، معتبرين أن فرض الإعدام وجعله إجباريا يشكلان انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
منظمة العفو الدولية قالت إن المشروع يرسخ نظام الفصل ويعمق التمييز ضد الفلسطينيين، وشددت على أنه سيُطبّق حصريًا على العرب باعتبار أن القانون المدني يسمح للقاضي بتفادي الإعدام عندما يكون المتهم يهوديًا.
أما “عدالة” فاعتبرت أن القانون جريمة حرب بموجب القانون الدولي لأنه يعاقب أشخاصًا على أساس انتمائهم القومي ويخرق الحماية التي توفرها اتفاقية جنيف الرابعة للسكان الواقعين تحت الاحتلال. فيما اعتبرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين مشروع القانون محاولة لتحطيم الروح المعنوية للأسرى وعائلاتهم.
وهكذا، فإن المناقشة حول مشروع القانون في “إسرائيل” لا تدور فقط حول “عقوبة” أشد، بل حول هندسة “تشريعية” تُخفّف ضمانات المحاكمة، وتُقفل أبواب الاستئناف والعفو، وتستحدث مسارًا تنفيذياً سريعًا وسريًا، بما يجعل حياة الأسير رهينة قرار سياسي يلبس ثوب القانون.