بعد اندلاع عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودخول حزب الله في المواجهة باليوم التالي، لم تتعامل “إسرائيل” مع لبنان كجبهة عسكرية فقط، بل كمساحة مباحة لعمليات خطف منظّمة تُدار بعقلية “الذراع الطويلة” خارج أي رادع.
وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل قوات الاحتلال اقتحام الأراضي اللبنانية وتنفيذ مداهمات تستهدف شخصيات بعينها، ثم اختطافهم. فما أحدث حلقات هذا المسار، وما أبرز عمليات الاختطاف التي نفذتها قوات الاحتلال في لبنان منذ بدء العدوان؟
أبرز “عمليات” الاختطاف الإسرائيلية في لبنان
1- اقتحام بري وخطف قيادي بالجماعة الإسلامية
في 9 فبراير/شباط 2026 نفّذت قوات الاحتلال عملية تسلّل برّية إلى قرية الهبارية في منطقة العرقوب شرق قضاء حاصبيا واقتحموا منزل القيادي المحلي في الجماعة الإسلامية عطوِي عطوِي، واعتدوا على أسرته قبل أن يقتادوه إلى داخل فلسطين المحتلة.
أفادت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية أن نحو عشرين جنديًا إسرائيليًا اقتحموا القرية في الثانية بعد منتصف الليل سيرًا على الأقدام، قبل أن يعتقلوا عطوي، وهو ما أقر به جيش الاحتلال سريعا واستخدم رواية جاهزة لتبرير الجريمة زاعما “العثور على أسلحة داخل منزله”.
فيما أعلنت الجماعة الإسلامية أن عملية الخطف “جزء من سلسلة انتهاكات يومية”، مبينة أن “إسرائيل” تهدف إلى ترهيب سكان الجنوب ودفعهم لترك قراهم، ودعت السلطات اللبنانية والدولية إلى التدخل العاجل للإفراج عن جميع المعتقلين.
2- توغل في البترون البحرية واختطاف قبطان
خلال العام الأول للحرب، نفّذت “إسرائيل” عدوانا نوعيا بعيد جغرافيًا عن جبهة الجنوب، كشفت عن تفاصيله صحيفة الغارديان البريطانية.
ففي فجر الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نفّذت وحدة الكوماندوس البحرية الإسرائيلية 13 إنزالًا على شاطئ مدينة البترون الساحلية في شمال لبنان، يبعد حوالى 160 كيلومترًا عن الحدود.

وصل عناصر الكوماندوس على زوارق سريعة إلى شاطئ البترون، واقتحموا شاليهًا قريبًا حيث اختطفوا القبطان اللبناني إماد أمهاز وأعادوه عن طريق البحر. نُقل الرجل إلى داخل فلسطين المحتلة بينما وصفه جيش الاحتلال بأنه مسؤول رفيع في وحدة بحرية تابعة لحزب الله.
السلطات اللبنانية رفضت الرواية الإسرائيلية؛ وقالت إن أمهاز “طالب في علوم الملاحة البحرية” وإن الحادثة “انتهاك صريح” لقرار مجلس الأمن 1701 الذي ينظم الوضع على الحدود.
3- خيوط الاستخبارات.. وملف الطيّار المفقود
في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025 اختفى الضابط المتقاعد في الأمن العام اللبناني أحمد شكر من بلدته نبي شيت في البقاع وسط ظروف غامضة. وأشارت التحقيقات اللبنانية إلى أن اختفاءه تمّ عبر عملية استدراج استخبارية نفذها عملاء أجانب.
وفي منتصف يناير/كانون الثاني 2026، وضع القضاء العسكري يده على الملفّ، وقال إنه أثبت تورّط جهاز “الموساد” الإسرائيلي بخطفه ونقله إلى داخل “إسرائيل”، على أيدي شبكة محترفة من العملاء خطّطت للعملية ونفّذتها بدقة عالية على الأراضي اللبنانية.
وأحال القاضي كلود غانمُ موقوفا إلى قاضية التحقيق العسكري الأول غادة بو علوان، وأصدر مذكرات توقيف غيابية بحق باقي 4 آخرين مدعى عليهم، بوصفهم متوارين عن الأنظار وفارّين من العدالة.
وقد تزامن اختفاؤه مع تجدد الحديث عن مصير الطيار الإسرائيلي رون آراد الذي فُقد عام 1986، إذ قالت تقارير إن أحد أقارب شكر شارك في احتجاز الطيار المذكور.
أعداد الأسرى اللبنانيين بسجون الاحتلال
تؤكد المصادر اللبنانية أن حالات الخطف الإسرائيلية ليست معزولة بل تمثل نمطًا متصاعدًا، إذ يوجد أكثر من 20 لبنانيًا في السجون الإسرائيلية خُطفوا منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم نحو عشرة بعد الهدنة.
وبعد اختطاف عطوي، قالت وسائل إعلام لبنانية إن العدد ارتفع إلى 24 معتقلاً منذ بدء العدوان الإسرائيلي.
كما أكد النائب من حزب الله، حسين الحاج حسن، أن “إسرائيل” تعتقل أكثر من 20 أسيرًا لبنانيًا، بينهم مدنيون خُطفوا من منازلهم بعد وقف إطلاق النار، وأن هذا الملف يُناقش ضمن آليات مراقبة الهدنة.
الأسرى الباقون يتنوعون بين قيادات ميدانية وعناصر من حزب الله ومدنيين، وبعضهم كُشف عنه إعلاميًا مثل أمهاز وشكر وعطوي، بينما لا يزال آخرون مجهولي المصير.
وترفض سلطات الاحتلال نشر قوائم بهم أو السماح للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم وتستغل ملفهم كورقة ابتزاز سياسي وأمني.
الأهداف الكامنة وراء سياسة الاختطاف
1- جمع المعلومات الاستخبارية: نقلت مصادر إسرائيلية أن الهدف من اختطاف عطوي حيًّا هو الحصول على معلومات استخبارية حول طبيعة التعاون بين الجماعة الإسلامية وحزب الله وكيفية تنفيذ عملياتها.
أما في حالة أحمد شكر، فيتضح أن البعد الاستخباراتي متجذر في محاولات حل لغز الطيار الإسرائيلي رون آراد، ما يفسر حجم التعقيد والتكتم على العملية.
2- استعراض القوة والسيطرة: في حادثة أمهاز، تبدو الرسالة مزدوجة: ضرب ما تعتبره “إسرائيل” ذراعًا بحريًا لحزب الله، وفي الوقت نفسه استعراض لقدرتها على تنفيذ عمليات عبر البحر في العمق اللبناني.
إذ تخدم هذه الاختطافات أجندة سياسية داخلية لدى حكومة الاحتلال اليمينية؛ فهي تسمح لها بتسجيل “إنجازات” في مواجهة حزب الله وتصدير صورة بأن الجيش قادر على العمل بحرية في كل مكان.
3- الضغط والترهيب: تتجاوز دوافع قوات الاحتلال، الردع التقليدي ليصل إلى استخدام الأسرى كأدوات ضغط على الأحزاب اللبنانية المناوئة والمدنيين على حد سواء.
إذ يرى بعض المحللين أن هذه العمليات تستهدف أيضًا إحباط معنويات السكان في جنوب لبنان، إذ يربطون بين تزايد عمليات الخطف وبين دعوات إسرائيلية علنية لترحيل سكان القرى الحدودية.
تكشف هذه الوقائع الثلاث أن “إسرائيل” لا تتعامل مع الهدنة كالتزام يوقف العدوان، بل كغطاء لإدارة حرب منخفضة الكلفة: اقتحام بيوت ليلًا، خطف أشخاص من منازلهم، نقلهم قسرًا إلى الداخل المحتل، وإيداعهم السجون دون معرفة مصيرهم.