رصدت منصات ومنظمات حقوقية خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا لافتًا في وتيرة الإجراءات القمعية بحق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر، وهو تصعيد يتجاوز – من حيث الانتشار والقرارات – ما درجت عليه الممارسات في فترات سابقة، في ظل تنامي المخاوف من الآثار المحتملة لهذه التحركات على أوضاع عشرات الآلاف من الأفراد، وعلى ما قد يترتب عليها من مخاطر تمس سلامتهم الجسدية واستقرارهم القانوني والمعيشي.
وبحسب ما وثقته جهات متابعة، فقد حازت الجنسيتان السودانية والسورية النصيب الأكبر من هذه الحملات، التي امتدت إلى عدد من المحافظات ولم تقتصر على العاصمة كما كان شائعًا في السابق، ما يشير إلى احتمال تبلور نمط من الإجراءات يتجاوز الطابع الفردي أو الظرفي، ليعكس سياسة أكثر انتظامًا قد تُفضي عمليًا إلى صور من الإبعاد القسري غير المعلن.
ويأتي هذا التطور في سياق تحولات تشريعية ومؤسسية مهمة شهدها ملف اللجوء في مصر عقب صدور قانون اللجوء رقم 165 لسنة 2024، والذي نقل الاختصاصات الرئيسية في إدارة شؤون اللاجئين من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى جهات حكومية وطنية تتمتع بصلاحيات واسعة، ما أحدث موجة من الانتقادات والتحذيرات من قبل فاعلين حقوقيين وممثلين عن مجتمعات اللاجئين، الذين أعربوا عن خشيتهم من انعكاساته المحتملة على ضمانات الحماية والإجراءات الواجبة.
ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف مصر ما يزيد على 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين ينتمون إلى 61 جنسية، في المقابل، تطرح الحكومة المصرية تقديرات مختلفة لحجم الأجانب المقيمين على أراضيها، تصل لنحو 9 ملايين شخص، بحسب تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، بكلفة سنوية تتجاوز 10 مليار دولار، وهي أعباء تقول الحكومة إنها تتحملها في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
حملة اعتقالات مشددة
تصف الحقوقية السودانية مروة حجازي، وهي متطوعة متعاونة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر في أعمال حصر المحتجزين ومتابعة أوضاعهم، الحملات الأمنية الأخيرة التي تنفذها وزارة الداخلية في مناطق تجمع غير المصريين بأنها «غير مسبوقة».
وفي تصريحات صحفية، تشير حجازي إلى أن هذه الحملات اتسمت بطابع عشوائي طال كبار السن والمرضى والأطفال، موضحة أن ما كان يُنظر إليه سابقًا كإجراءات موسمية أو محدودة تحول في الآونة الأخيرة إلى ملاحقة مستمرة تستهدف السودانيين والسوريين وجنسيات أخرى، وترى أن هذه الممارسات تتعارض مع التزامات الحماية الدولية، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
ومن واقع معايشتها اليومية وجولاتها على أقسام الشرطة في محافظة الإسكندرية، حيث يُحتجز عدد من اللاجئين، توضح الناشطة السودانية أن وتيرة الحملات التي تستهدف السودانيين والسوريين – بمن فيهم حاملو بطاقات المفوضية – قد تضاعفت خلال الفترة الأخيرة، وتضيف: “كانت هذه الإجراءات تحدث كل عام ولكن بوتيرة أخف، أما الآن فهناك حالات قبض عشوائي”.
وتتابع: “هناك اعتقالات واسعة في أكثر من عشرة أقسام شرطة بالإسكندرية، والوضع بالغ السوء، لأن الغالبية يحملون بطاقات المفوضية وينتظرون مواعيد التجديد، أقوم يوميًا بزيارة الأقسام لمتابعة المحتجزين ورفع تقارير لمحامي المفوضية، لكن – للأسف – لا يظهر دور فعّال للسفارة أو للمفوضية”.
وبحسب حجازي، فإن تدخل المفوضية يقتصر عادة على إيفاد محامٍ لمرافقة المحتجزين أمام النيابة، إلا أنها تنتقد تعقيد مسار إخلاء السبيل الإداري، موضحة أن المحتجز يُعرض على النيابة ثم يصدر قرار بإخلاء سبيله مع توصية بمراجعة الجهات المختصة، مثل مصلحة الهجرة والجوازات والأمن الوطني.
بعد ذلك يُعاد إلى قسم الشرطة، ثم يُنقل في اليوم التالي بين هذه الجهات، مرورًا بالسفارة ومنطقة العباسية، قبل أن يعود مجددًا إلى القسم. وتقول: “هناك أشخاص عالقون في هذه الحلقة منذ ثمانية إلى عشرة أيام”
وتؤكد الحقوقية أن الاحتجاز لا يقتصر على البالغين، بل يمتد إلى الأطفال أيضًا. وتضيف: “قبل أيام أُبلغت باحتجاز أطفال دون السادسة عشرة رغم حيازتهم إقامات سارية، وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها أن يُحتجز لاجئ يُبرز إقامة سارية ومع ذلك يتم اقتياده”.
ويتفق مع هذا الطرح طارق، وهو شاب سوري يقيم في مدينة السادس من أكتوبر منذ أكثر من عشرة أعوام، ويقول في حديثه لـ«نون بوست» إن وتيرة حملات التفتيش التي تستهدف السوريين والسودانيين على وجه الخصوص في الأماكن العامة تصاعدت خلال الأيام الأخيرة، إلى حد دفع كثير من المهاجرين إلى التزام منازلهم خشية التعرض للاحتجاز.
ويضيف أنه، رغم حيازته للأوراق الثبوتية المطلوبة، لا يشعر بالأمان من احتمالية التعرض للتنكيل أو الترحيل، لا سيما في ظل ما يصفه بتعقيدات واضحة في إجراءات منح الإقامات والبطاقات المؤقتة، ويرى أن هذه التعقيدات تضع نسبة كبيرة من المقيمين في أوضاع قانونية هشة، بما يجعلهم عرضة للقبض عليهم تحت مظلة تطبيق القانون.
حملة رقمية موازية
بالتوازي مع حملات الاحتجاز على الأرض، برزت حملة رقمية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، رصدتها منصة «صحيح مصر» عبر تحليل التفاعلات والوسوم خلال الفترة من 20 إلى 26 يناير/كانون الثاني الماضي.
ووفق نتائج التحليل، بدا أن النشاط الإلكتروني اتخذ طابعًا منسقًا؛ إذ يرتفع معدل النشر بصورة مفاجئة ليبلغ ذروته خلال وقت قصير، قبل أن ينخفض بالوتيرة نفسها، كما أظهر التحليل وجود شبكة من الحسابات المحددة التي تتقاسم الأدوار، حيث يضطلع بعضها بمهمة التحريك عبر توجيه أعداد كبيرة من الإشارات الموحدة والمكثفة إلى حسابات رسمية مثل وزارة الداخلية ومجلس الوزراء، فيما تتولى حسابات أخرى إعادة نشر الرسائل الصادرة عن هذه المصادر المركزية بما يضمن استمرار حضورها ضمن الموضوعات الأكثر تداولًا.
ويشير مؤشر تحليل المشاعر في أداة TalkWalker إلى أن أكثر من 43% من المنشورات حملت مضامين سلبية تجاه اللاجئين، مقابل نحو 14% فقط اتسمت بنبرة إيجابية، ويكشف فحص المحتوى أن نسبة كبيرة من الخطاب المتداول ركزت على انتقاد أنشطة تجارية يملكها سوريون، مع اتهامات ببيع منتجات غير مطابقة للمواصفات أو بالتسبب في تقليص الفرص الاقتصادية للمواطنين، كما رُصدت تعبيرات تنطوي على خطاب كراهية وعبارات تمييزية استهدفت السوريين والسودانيين على السواء.
وتُظهر سحابة الوسوم أن وسم #ترحيل_جميع_اللاجئين_مطلب_شعبي تصدر المشهد بمتوسط يقارب 1200 منشور يوميًا خلال أيام الرصد، كما تكرر استخدام وسوم أخرى على نطاق واسع، من بينها #مصر_للمصريين_مش_تكية، و#ترحيل_جميع_السوريين_مطلب_شعبي، و#ترحيل_اللاجئين_واجب_وطني**.
أنماط عدة للانتهاكات
اتخذت الانتهاكات وأشكال التضييق التي تعرض لها اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون في مصر خلال الفترة الأخيرة صورًا متعددة، وثّقت جانبًا منها منصة «اللاجئون في مصر» في تقريرها الذي يغطي المدة بين 20 ديسمبر/كانون الأول 2025 و31 يناير/كانون الثاني 2026.
ويشير التقرير إلى أنماط متكررة من الانتهاكات تطال جنسيات مختلفة بما يعكس – بحسب المنصة – توجهًا ممنهجًا لا حوادث فردية، ومن أبرز هذه الأنماط توظيف أزمة تجديد الإقامات والتأخر المزمن في مواعيد التسجيل لدى المفوضية والجهات المختصة كآلية تدفع أعدادًا كبيرة إلى الوقوع في وضع «المخالفة» القانونية، رغم إدراك السلطات لوجود عوائق هيكلية تحول دون تسوية الأوضاع ضمن المدد المحددة.
وبالتوازي، رصد التقرير ممارسات متكررة شملت مصادرة وثائق الحماية، بما فيها بطاقات المفوضية، أثناء احتجاز اللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تجريدهم من صفتهم القانونية ويفتح الباب أمام قرارات إبعاد أو ترحيل خارج أطر الحماية الدولية وضمانات عدم الإعادة القسرية.
كما اتسعت نطاقات التوقيف من المناطق الحدودية إلى داخل المدن، عبر كمائن في الشوارع ووسائل النقل والأحياء السكنية ومقار العمل، بما خلق مناخًا دائمًا من الخوف وفرض قيودًا قاسية على الحركة والحياة اليومية.
وامتد الضغط ليطال البنى المجتمعية ذاتها، مع رصد إغلاقات أو تضييق متزايد على مدارس ومبادرات يقودها لاجئون، خاصة من الفئات الأكثر هشاشة، الأمر الذي حرم قطاعات واسعة من خدمات التعليم والدعم الأساسية.
وعلى الصعيدين السوري والسوداني، يوضح التقرير مسارين متوازيين للتصعيد، ففي الحالة السورية، برز خلال الأشهر الماضية تشديد متدرج في شروط الإقامة ومتطلبات التسوية، من وقف تجديد الإقامات السياحية إلى اشتراط موافقات وإجراءات معقدة ومكلفة، ما دفع أعدادًا كبيرة إلى حالة من «عدم الانتظام القسري» وجعلهم عرضة للتوقيف والاحتجاز في أي وقت.
أما بالنسبة للسودانيين، فقد بلغ التصعيد ذروة جديدة مع نهاية 2025، إذ وثّقت تقارير وتحقيقات استقصائية احتجاز أعداد كبيرة تمهيدًا لنقلهم إلى أسوان وإعادتهم إلى السودان، فيما تشير بيانات المنصة إلى احتجاز مئات الأشخاص خلال أشهر عدة، إضافة إلى أكثر من 1500 حالة احتجاز أعقبها ترحيل منذ أغسطس/آب من العام نفسه، في منحنى تصاعدي تُوّج بحملة وُصفت بأنها الأوسع.
حارس البوابة الأوروبية
ألقى التزامن بين هذه الحملات واتساع نطاق التعاون المصري–الأوروبي في ملفات الهجرة وضبط الحدود بظلال ثقيلة على تفسير ما يجري، إذ يصعب قراءة التصعيد الأخير بمعزل عن هذا السياق، ويشير عدد من المراقبين إلى أن المرحلة الراهنة تعكس تحوّلًا ملموسًا في طريقة إدارة وجود اللاجئين والمهاجرين داخل البلاد، يقابله تراجع ملحوظ في بيئة الحماية المتاحة لهم وفي الضمانات المرتبطة بها.
وبحسب هذه المقاربة، فإن الحملات لا تنفصل عن المكاسب السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تجنيها القاهرة من ترسيخ دورها كشريك رئيسي في الحد من تدفقات الهجرة نحو أوروبا. فقد أُعلن عن حزم تمويلية يتجاوز مجموعها 7 مليار يورو لمصر خلال الفترة من 2024 إلى 2027، يوجَّه جزء منها إلى برامج إدارة الهجرة وتعزيز الرقابة على الحدود، مع تخصيص ما لا يقل عن 200 مليون يورو لمشروعات تتصل بـ”مكافحة الهجرة غير النظامية” و”العودة وإعادة الإدماج”.
وفي هذا الإطار، دأبت تحليلات حقوقية ومنظمات دولية على التحذير من أن نموذج «تفويض» دول العبور أدوار الحراسة بالنيابة عن أوروبا قد يفضي عمليًا إلى تحميل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء مسؤولية مشتركة عن مآلات هذه السياسات، بما في ذلك ما قد يرتبط بها من احتجاز تعسفي، أو أوضاع احتجاز غير إنسانية، أو الإبعاد إلى بلدان تشهد نزاعات مسلحة، مثل السودان.
الدفع قسرًا نحو العودة
لا يُرجع كثير من المتابعين التصعيد الأخير في حملات الترحيل إلى العوائد السياسية والاقتصادية المرتبطة بملف الهجرة فحسب، بل يطرحون جملة من العوامل الأخرى، ومن بين التفسيرات المتداولة، وفق لاجئين تحدثوا إلى «نون بوست»، احتمال وجود ضغط أو تحفيز من جانب الحكومة السودانية لتشجيع رعاياها على العودة، باعتبار ذلك رسالة ذات أبعاد سياسية، ولا سيما بعد الإخفاق الذي وُصف به مسار «العودة الطوعية» في تحقيق النتائج المرجوة.
وفي السياق ذاته، يذهب رأي آخر إلى أن التحسن النسبي في الأوضاع داخل كل من دمشق والخرطوم قد يكون شجع السلطات المصرية على الدفع باتجاه إعادة مواطني هذين البلدين.
ويبرز هذا الطرح في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر، حيث يُحمّل جزء من الخطاب العام المهاجرين أعباء إضافية تتعلق بكلفة الاستضافة، رغم وجود تقديرات مضادة يشير أصحابها إلى إسهامات اقتصادية قدمتها بعض الجاليات، ومن بينها الجالية السورية، في تنشيط قطاعات متنوعة من السوق.
وبعيدًا عن تعدد المبررات المعلنة أو المفترضة، يرى حقوقيون أن الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها في إدارة ملف معقّد كالهجرة يكشف عن فجوات في السياسات العامة، خاصة حين يقترن بتعميمات تطال فئات مختلفة دون تمييز بين من يملكون أوضاعًا قانونية مستقرة ومن يواجهون عراقيل إجرائية، وعليه فإن استمرار هذه السياسات من شأنه تعميق الانتقادات الموجهة إلى سجل مصر في مجال حقوق الإنسان، وزيادة الضغوط الدولية المرتبطة به.