في فبراير/شباط 2026، أُطلق إنذار غير مسبوق في العلاقات الكويتية اللبنانية، بعد أن أدرجت الكويت المعروفة بوقوفها المالي إلى جانب لبنان خلال الأزمات، ثمانية مستشفيات لبنانية خاصة على “قائمة الإرهاب”.
جاء القرار عبر لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن التابعة للخارجية الكويتية، وتحديدًا في إطار اللوائح الخاصة بـ”مكافحة الإرهاب” و”منع انتشار أسلحة الدمار الشامل”.
الوزارات اللبنانية فوجئت بالخطوة، فيما استغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية الأمر للترويج لوجود بنى تحتية لحزب الله داخل القطاع الصحي، وهو ادعاء ظلّ بلا أدلّة. هذا التقرير يجيب عن الأسئلة المركزية حول القرار وخلفياته وتداعياته.
ما تفاصيل الخطوة الكويتية؟
الكويت أصدرت تعميمًا من وزارة الخارجية يضيف ثمانية مستشفيات لبنانية إلى قائمة مكافحة الإرهاب.
والمستشفيات المستهدفة هي:
- مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي في النبطية
- مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل
- مستشفى الأمل في بعلبك
- مستشفى سان جورج في الحدث
- مستشفى دار الحكمة في بعلبك
- مستشفى البتول في الهرمل
- مستشفى الشفاء في خلدة
- ومستشفى الرسول الأعظم قرب مطار بيروت
القرار فرض التجميد الفوري للأموال والموارد الاقتصادية المملوكة للمستشفيات ومنع أي مؤسسة أو فرد في الكويت من تقديم أموال أو خدمات لها.
ما خلفيات القرار؟
وفق صحف كويتية، جاء القرار في سياق تطبيق الكويت قرارات مجلس الأمن “المتعلقة بمحاربة الإرهاب”.
فاللجنة المخولة باتخاذ مثل هذه القرارات هي لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع.
ويمكن للجنة إدراج أي جهة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب من جهات أجنبية أو محلية حال إذا كانت هناك “أسباب معقولة” للاعتقاد بتورط الكيان في “ارتكاب أو تمويل أعمال إرهابية”.
ما علاقة حزب الله؟
مصادر كويتية ربطت الخطوة بوجود شبكات تمويل مرتبطة بحزب الله داخل لبنان تستغل المؤسسات الطبية لغسل الأموال.
فمعظم المستشفيات المدرَجة تقع في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهي مناطق تُعد معاقل للحزب.
وسبق للسلطات الكويتية أن فككت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 شبكة لتمويل الإرهاب استخدمت صيدلية داخل مستشفى خاص غطاءً لتهريب الأدوية وتحويل الأموال إلى منظمة محظورة.

وسبق أن فرضت عقوبات على جمعية القرض الحسن المرتبطة بحزب الله في يونيو/حزيران 2025، ما يعكس مسارًا تصاعديًا في مكافحة قنوات التمويل.
كما أن بعض تلك المستشفيات مثل مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل يدار من اللجنة الصحية الإسلامية التابعة لحزب الله. وتتهم الكويت حزب الله بالمسؤولية عن شبكات تمويل وتنظيم خلايا داخل أراضيها.
ماذا يعني القرار للكويت ولبنان؟
داخل الكويت، يتعيّن على البنوك والشركات تجميد جميع الأصول التي تملكها أو تديرها تلك المستشفيات ومنع تحويل الأموال أو تقديم الخدمات لها.
إذ تحظر المادة 23 من اللائحة على أي شخص داخل الكويت أو مواطن كويتي في الخارج تقديم موارد مالية أو خدمات للمؤسسات المدرجة، بينما تُلزم المادة 24 الجهات المنفذة بالإبلاغ عن التجميد خلال 24 ساعة.
لا يشمل التجميد الفوائد المتراكمة على الحسابات المجمدة. هذا يعني عمليًا أن التبرعات أو العقود مع هذه المستشفيات من جهات كويتية ستتوقف، كما سيواجه اللبنانيون العاملون في الكويت صعوبات في تحويل أموال إلى هذه المستشفيات.
أما في لبنان، فهذه المستشفيات تمثل مرافق أساسية في مناطق مهمّشة، ويؤدي تجميد مواردها إلى مزيد من الضغط على نظام صحي متصدع.
ويُخشى أن يؤدي القرار إلى عرقلة تحويلات المغتربين والتبرعات الخليجية التي تعتمد عليها بعض المستشفيات، وقد يدفع مؤسسات مصرفية لبنانية إلى قطع العلاقات معها خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الكويتية.
كيف كان رد لبنان؟
وزارة الصحة اللبنانية عبّرت عن دهشتها الكبيرة من القرار وقالت إنها لم تتلق أي إشعار مسبق، مضيفة أن المستشفيات المعنية مسجلة قانونيا وتعدّ جزءًا أساسيًا من النظام الصحي اللبناني وتقدم العلاج لجميع المواطنين دون تمييز.
الوزارة أعلنت أنها ستتواصل مع السلطات الكويتية لتقديم “الحقائق الصحيحة” وحماية النظام الصحي، مبينة أن إدراج المستشفيات في القائمة “غير مسبوق وغير منسجم مع دعم الكويت التاريخي للبنان”.
في سياق متصل، ذكرت الوزارة أن الكويت لطالما كانت شريكًا أساسيًا في المشروعات الصحية وأن القرار يمثل سابقة تتطلب التوضيح.
الوزارة شددت أيضًا على أن المستشفيات المعنية خارج أي ارتباط سياسي وأن أي اتهام يجب أن يكون عبر قنوات قضائية شفافة.
كيف استغل الإعلام الإسرائيلي الخطوة؟
استخدمت وسائل إعلام عبرية هذا القرار كأداة دعائية. موقع “تايمز أوف إسرائيل” نقل أن المستشفيات تقع في “معاقل حزب الله”، وذكّر بأن منطقة بنت جبيل التي تضم مستشفى صلاح غندور كانت هدفًا لقصف إسرائيلي خلال حرب 2024.
موقع i24NEWS أشار إلى أن بعض المستشفيات تقع في ضاحية بيروت الجنوبية وأن مناطق جنوبية شهدت قصفًا إسرائيليًا، لكنه أقر بأن التعميم الكويتي لم يذكر حزب الله.
الإعلام الإسرائيلي حاول تصوير القرار كدليل على أن حزب الله يستخدم المستشفيات “لأغراض عسكرية”، وهو الادعاء نفسه الذي استخدمته “تل أبيب” لتبرير استهداف منشآت طبية في 2024.
على سبيل المثال، ادعت “إسرائيل” وجود مخبأ للنقود والذهب تابع لحزب الله تحت مستشفى الساحل في بيروت عام 2024 لكن هذا الادعاء لم يثبت، كما أن هذا المستشفى لم يُدرج في القائمة الكويتية.
ما الخطوات القانونية المتاحة للطرفين؟
بحسب اللائحة الكويتية، يمكن إدراج المؤسسات على القائمة بناءً على طلب من دولة أخرى أو بمبادرة من اللجنة نفسها.
لا ينص القانون الكويتي على مسار واضح للتظلم، لكن المؤسسات المدرجة يمكنها مخاطبة السلطات الكويتية عبر سفاراتها لتقديم الأدلة التي تُثبت قانونيتها.

في المقابل، تُلزم اللائحة الجهات الكويتية التي تنفذ التجميد بإبلاغ اللجنة خلال 24 ساعة.
قد يفتح هذا الباب أمام مراجعة لاحقة إذا أثبتت لبنان أن المستشفيات لا صلة لها بأي أنشطة عسكرية. ويمكن للبنان أيضًا اللجوء إلى مجلس التعاون الخليجي أو جامعة الدول العربية لطلب وساطة سياسية.
هل هناك أبعاد إقليمية أوسع؟
يُنظر إلى الخطوة الكويتية ضمن اتجاه خليجي أوسع لتضييق الخناق المالي على حزب الله. منذ 2016 صنّفت دول الخليج الحزب “منظمة إرهابية”، وفرضت على مؤسساته وأذرعه الخدمية عقوبات.
كما كثّفت أجهزة الأمن الخليجية ملاحقة الخلايا المرتبطة به؛ فالكويت فككت شبكة تمويل في أكتوبر/تشرين الأول 2025 استخدمت صيدلية مستشفى كواجهة لتهريب الأدوية وتحويل الأموال، واعتقلت 18 شخصًا يشتبه في صلتهم المالية بحزب الله في الشهر التالي.
إضافة إلى ذلك، تزامن القرار مع اتهامات إسرائيلية بأن حزب الله يستخدم المستشفيات لأغراض عسكرية، وهو ما حاولت “تل أبيب” ترويجه قبل قصف منشآت طبية.
إلى أين يمكن أن تتجه الأمور؟
إذا لم تقدّم الكويت أدلة واضحة على تورط المستشفيات بأنشطة عسكرية، فقد يتحول القرار إلى عامل توتر سياسي بينها وبين لبنان، خاصة أن العلاقات الثنائية تمتاز غالبًا بالتعاون المالي.
في المقابل، قد تعمل الكويت على استغلال الخطوة لزيادة الضغط على حزب الله ودفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات ضد مؤسساته المالية.