عرفتُ محمد سمير ندا قارئًا نهمًا يُبصر المعنى المتواري خلف النصوص العميقة، يفتّش عنها ويُظهرها بطريقة أكاديمية نقدية بارعة. ثم بدأتُ بالقراءة له، فبدت لي تجربته امتدادًا طبيعيًا لذلك الشغف الأول بالقراءة. روايته صلاة القلق، الأشهر في مسيرته، والحائزة على جائزة البوكر العربية لعام 2025، تقدّم عالمًا مشحونًا بالقلق والمآسي في نجع المناسي العالم الذي وصفه القرّاء كما وصفه الكاتب نفسه بأنه صورة مصغّرة عن العالم العربي الكبير، بكل اضطراباته وأسئلته وهواجسه المؤجّلة.
كاتبٌ نشأ بين بلدان عربية مختلفة، تركت أثرها الواضح في وعيه العام وفي تكوينه الثقافي الجامع، و قارئ عرف البلاد من كتّابها قبل أن يعرفها من خرائطها، وشارك الشعوب همومها بالكلمة والجملة والاقتباس. هو كاتبٌ يرى في القراءة وقودًا للكتابة، وفي الأدب مساحة لفهم الإنسان العربي في ضعفه وقوّته وانكساره وأمله.
في هذا الحوار مع “نون بوست”، يتحدث الروائي محمد سمير ندا عند بداياته مع القراءة والكتابة، وأثر التنوّع الثقافي في تشكيل رؤيته، عن علاقة الرواية بالواقع، وحدود دور الكاتب بين الإضاءة على مواضع الوجع وترك مهمة البحث عن الحلول للقارئ. كما يفتح الحوار مساحة لتأمّلاته في الشأن العربي عامة وفي التجربة الثقافية السورية خاصة، حيث يرى بالتجربة السورية كتّابًا قاتلوا بأقلامهم بغية إحلال السلام وتوحيد الصف.
بداية نود التعرف عليك عن قرب، ما أبرز المحطات التي شكّلت مسارك الأدبي، وكيف أثرت خبرتك كروائي وصحفي في تكوين رؤيتك للأدب والعالم العربي؟
البداية كانت من خلال مكتبة الوالد، واللقاءات الأسبوعية التي جرت العادة على أن تتم في بيتنا في مدينة بنها، الفضول كان الدافع الأول للقراءة، ثم ترسخت القراء كعادة يومية بسبب المتعة التي حققتها لي القراءة. هي مهرب يمنح المرء الفرصة لأن يعيش أكثر من حياة واحدة.
بدأت في الكتابة عما أعجب به من قراءاتي منذ سنوات، عرفني الناس قارئًا شغوفًا يكتب القراءات الانطباعية، وأغلي الكتاب الذي بات بعضهم من أقرب أصدقائي اليوم، عرفوني لأول مرة عقب كتابتي عن أحد أعمالهم.
القراءة هي وقود الكاتب، ولا أقدر على استيعاب فكرة مباهاة بعض الكتاب بابتعادهم عن القراء منذ فترة، فعن نفسي؛ القراءات هي ما تطور محاولاتي الكتابية، ومن دون الاطلاع على الحراك الأدبي العربي، أعتقد أن كتابتي كانت لتتأثر بذلك سلبًا. أتصور أنني سوف أتوقف يومًا عن الكتابة، يشغلني تحديد موعد التوقف كثيرًا، لكني في ذات الوقت، لا أتصور أن أتوقف يومًا عن القراءة مهما شخت، طالما كنت قادرًا على ذلك.
كيف أثّرت تجربتك المصرية واحتكاكك بالثقافات العربية المتنوعة على أسلوبك الروائي، وعلى فهمك للتحديات والواقع العربي المعاصر؟
قبل إدمان القراءة، عشت في طفولتي بين ثلاثة بلدان، وأعتقد اليوم أن هذه الخبرات الحياتية المبكرة -وإن لم أدرك ذلك في حينه- قد أسهمت في تطور فكرة انفتاحي على الآخر في العموم، ثم مع استقرار القراءة في حياتي كعادة يومية، تكوّن لدي فضول واهتمام بالاطلاع على الأدب العربي من المحيط إلى الخليج، حرصت أن أقرأ لأهم الكتاب العرب الذين لا نسمع بهم كثيرًا في مصر، ثم صرت متابعًا شغوفًا وربما دؤوبًا يحرص على مراقبة كل جديد، ورصد التطور في المشهد الروائي العربي، من هنا أدركت أن الخلافات بين الشعوب العربية تكون على مستوى القمة، وليس على أرض الواقع، إذ إن توارد الهموم و المخاوف بيننا متشابه حد التطابق، الهم العربي شمل وجامع لكل البلدان العربية، وكم هو مثير للسخرية المريرة إدراك أن العرب وقتما توحدوا وراء فكرة ما، كانت الفكرة هي وحدة الهم والخوف والقلق.
مما سبق، أعتقد أن استفادتي من سعة الاطلاع على الأدب العربي كان لها دور كبير في كتابتي، وألقت بظل ضخم على ما أحاول تمريره من خلال الكتابة. من الضروري لكل كاتب أن يكون مطلعًا على ما يستجد في الرواية العربية لمختلف مشاربها.
في روايتك الأخيرة “صلاة القلق” الحائزة على جائزة البوكر، نجد “نجع المناسي” يبدو وكأنه يعكس واقع مجتمعاتنا العربية المحاصرة. كيف ترى علاقة الرواية بالواقع، وإلى أي مدى يمكن للأدب كشف الحقيقة الغائبة خلف التكهنات والسرد الرسمي؟
كما ورد في إجابتي عن السؤال السابق، كان نجع المناسي مجسمًا صغيرًا للعالم العربي بأسره، على الأقل هذا ما حاولته، ولا قدرة لدي أن أقطع بنجاح محاولتي هذه، حتى لو فزت بعشر جوائز، الزمن وحده سيقرر مصير هذا النص. المهم، الرواية تظل انعكاسًا للواقع غير المعلن، فالروائي لا ينقل الواقع من خلال ما يراه في نشرات الأخبار، بل من خلال المعايشة والمشاهدة والالتقاط، وظيفة الأدب أن يسلط الضوء على موضع الهم والوجع، والروائي ليس معنيًّا بإيجاد الحلول، إنما عليه أن يضيء المواقع المطورة عن أعين القراء، وأن يحدد مطارح الوجع فوق الأرض وفق رؤيته الشخصية، أما إيجاد الحلول، فهو ما يكلف به الكاتب قرّاءه، من خلال الإضافة إلى وعيه الخاص، سواءً الوعي الفردي لقارئ واحد، أو الوعي الجمعي لآلاف القرّاء، تحفيز الوعي ومن ثم العقل على التفكّر، فالتفاعل، هو وسيلة الكاتب لإحداث التغيير فوق الأرض، ومنهجه لعلاج الأمراض المجتمعية المتفشية.
في “صلاة القلق”، شخصيات مثل خليل الخوجة والأخرس الذي سُلب منه صوته، تحمل رمزية واضحة للصراع بين الفرد والسلطة. إلى أي مدى كانت مستوحاة من الواقع، وكيف تعاملت مع هذه الرمزية في النص؟
هذا الصراع حاضر منذ عرف الناس الكتابة فنقلوه إلينا، الواقع امتداد للتاريخ، والحاضر أشبه بعملية زراعة لأفكار وأحلام وسلوكيات يحصد أبناؤنا ثمارها في المستقبل، والغاية من عرض وتناول هذه الصراعات، حسب رأيي، يمكن في تحذير الزارع (رجال اليوم) إلى ما هم زارعين، ولو كان أبناء الحاضر قد تغذوا على ثمر فاسد، فمن الحتمي أن ينتبهوا فلا يكررون زراعة البذور ذاتها، فلو كان لديهم أمل في مصير وحياة هما أفضل لأبنائهم، فعليهم التنبّه، والتفكير، قبل غرس شتلاتهم.
كيف ترى دور المثقف العربي في زمن الانقسامات السياسية والاجتماعية المتصاعدة؟
يتوجّب على الروائي ألا يمارس دور الواعظ، وألا يعتلي منابر السياسة، وظيفته – حسب قناعتي – هي أن يسلط الضوء على الحقيقة، ثم يترك للقارئ حرية الاختيار، من الضروري أن يتوارى صوت الكاتب وراء نصه، ولو نجح في عرض الحقائق من دون انحياز، فهو بذلك يسهم، ولو بقدر طفيف، في توحيد أفكار الفرق المتصارعة.
عندما تكتب رواية عن الأثر النفسي المدمر للحروب، وكيف يعود المقاتل من الجبهة وقد خسر الكثير من نفسه، فأنت بذلك تحرض القراء كلهم، على كراهية الحروب، هذا هو، على سبيل المثال، دور الكاتب في توحيد الصف ونبذ الفرقة.
بالنسبة لسوريا بعد انتهاء حقبة النظام السابق الذي فرض رقابة صارمة وقمعًا على الفكر والثقافة، كيف تراها كميدان للإبداع والتجريب الثقافي، وما المسؤولية التي يتحملها المثقف السوري في إعادة بناء خطاب يجمع ولا يفرق؟
الفرصة سانحة الآن، ولطالما كانت الفرص في أوطان العرب سانحة، لكننا معشر العرب مشهورون بإضاعة أسهل الفرص، وهو ما لا أتمناه بطبيعة الحال لسوريا اليوم. على المثقف السوري ألا يجنح إلى تصفية حسابات، وألا يشرع في الانحياز إلى فريق على حساب آخر، لتكون سوريا الوطن هي القضية والشغل الشاغل، لقد عانت سوريا من الانقسام، ومن لا يقدر اليوم على الحياد، فعليه أن يتوقف عن الكتابة حتى يهدأ، لقد خرج الكثيرون في سوريا من الحقبة السابقة بجروح ورضوض وخسارات فادحة، لذلك لن أطلب منهم ألا يتألموا، لكني أرجو ألا يتأثر أحدهم بهمه الخاص على حساب الهم العام والجامع لهذا البلد الحبيب.
ككاتب مصري يكتب في الفضاء العربي الأوسع، كيف ترى مساهمة الأدب والثقافة السورية في إثراء المشهد العربي، وما الدروس أو الإلهام الذي يمكن أن يستقله الكتاب من التجربة السورية الغنية بالألم والأمل؟
الأدب السوري حيّ نابض ومتجدد، عندما نقرأ لخالد خليفة وفواز حداد وريما بالي وفادي عزام وممدوح عزام وخليل صويلح ومها حسن ومصطفى خليفة وخيري الذهبي وسمر يزبك ومازن عرفة، ماذا ترى؟ هؤلاء وغيرهم جنود قاتلوا بأقلامهم بغية إحلال السلام في سوريا، وفي سبيل توحيد الصف السوري، كانوا وما زالوا سفراء فوق العادة لبلدهم، الصبر والمقاومة السلمية من خلال الكتابة، والإصرار على ترك الجرح نازفًا حتى يطيب جرح الوطن، كلها دروس ملهمة شاهدناها في الأدب السوري في العقدين الأخيرين، والأمر ذاته ينطبق على الأدب العراقي منذ أكثر من أربعين سنة.
الكتابة ابنة الوجع، والروائي المخلص لوطنه يحرص على تحرير آلامه فوق الورق، مطلقًا عشرات النداءات ومرسلاً عشرات الرسائل إلى الأطياف كافة.
في مواجهة القيود أو التحديات الاجتماعية والسياسية كيف يمكن للكاتب أن يحافظ على صدق النص وحرية التعبير؟ هل تعتقد أن القيود أحيانًا يمكن أن تولّد أشكالًا جديدة للإبداع أم أن الحرية المطلقة هي شرط أساسي لنصوص قوية وفعّالة؟
ثمّة من نُطلق عليه الرقيب الذاتي للكاتب، وهو أمر له علاقة بإجابتي عن السؤال الأسبق، ستظل القيود العامة حاضرة، ولكن من الحتمي أن يكتب الروائي في منأى عن الخوف، وألا يخاف من سلطة رقابية قدر خوفه من رقيبه الذاتي، الأمر قد يبدو معقدًا للوهلة الأولى، ولكن، حسب رأيي، هو أمر بسيط لا يشترط سوى تصالح الكاتب مع نفسه، وأمانته في عرض حكايته. الحرية المطلقة سلاح ذو حدين، فلو لم يكوّن كل كاتب رقيبه الذاتي الذي هو بالأساس صوت ضميره، فلسوف نسقط في دوامة من الكتابات التي قد تؤذي المجتمع وتلحق به الضرر.
لو افترضنا أن الكتّاب جميعًا يتحركون في ظل رقابة ذاتية من ضمائرهم، فسوف يكون مطلب الحرية الكاملة عادلاً ومنطقيًا ولا تراجع عنه، ولو افترضنا غير ذلك، فبكل أسف، قد تتكاثر لدينا كتابات محرضة توسع مساحة الشقاق، ولا تئدها.
ما العوامل التي تراها ضرورية لضمان أن تبقى الكتابة صادقة مبتكرة ومسؤولة أمام القارئ والمجتمع ؟
يمكنني أن أقول: سعة الاطلاع، غزارة القراءة، الحيادية والتصالح مع النفس ومع الآخر، ثم الضمير الإنساني الخاص بكل من أمسك قلمًا وتأهب للكتابة.
