“الانتخابات الأمريكية مزورة ومسروقة، وموضع سخرية في العالم… إما أن نصلحها، أو لن يبقى لنا بلد.»
— دونالد ترامب، 6 فبراير 2026
بهذه العبارة المكثفة، التي تجمع بين التحريض والتحذير واستدعاء الخوف على المصير، افتتح دونالد ترامب واحدة من أخطر الموجات السياسية في التاريخ الأمريكي المعاصر، حين لم يعد الجدل يدور حول نتائج انتخابات بعينها، بل حول مشروعية النظام الذي يفرز الحاكم ذاته. ومثل هذه اللحظات، في منطق التاريخ، لا تُقرأ بوصفها حدثًا عابرًا، بل علامة على تحوّل عميق في بنية الحكم والعمران السياسي.
فالدول، من حيث أطوارها واستقرارها واستمرارها، لا تعود أساسًا إلى الأشخاص الذين يحكمونها فقط، بل إلى المجتمع الذي يُنزل فيه النظام ليضبط الانتقال السلمي للسلطة، أو على الأقل انتقالها بأقل الخسائر الممكنة هادفة المحافظة على وحدة وكيان الدولة. فبقاء الدولة لا يكون بالقوة وحدها، بل بشرعية تَقبل بها الجماعة وتطمئن إليها. ومن منظورنا هذا، فإن التشكيك المستمر في آليات الاختيار والدعوة إلى إعادة صياغتها على نحو جذري، ليس مجرد موقف سياسي، بل تعبير عن أزمة في مفهوم الشرعية ذاته، وعدم استعداد ترامب ومن معه للتنازل عن السلطة، وذلك بمحاولة تغيير قواعد اللعبة السياسية وامتهان كيفية البقاء معتليًا كرسيها.
لقد قدّم ترامب دعوته إلى تغيير قوانين الانتخابات على أنها إصلاح ضروري لإنقاذ الدولة من الفساد والتزوير، مقترحًا تشديد شروط التصويت، والحد من التصويت عبر البريد، وتوسيع سلطة المركز الفيدرالي في الإشراف على الانتخابات، وهي إجراءات يرى فيها أنصاره ضمانًا للنزاهة، بينما يراها خصومه إعادة تعريف للحق السياسي بما يخدم فئة دون أخرى. ويأتي التحفظ من خصومه على خمس نقاط أساسية:
- إعادة تعريف الحقوق السياسية: تشديد شروط التصويت والحد من التصويت عبر البريد قد يقيد حق بعض المواطنين في المشاركة، ويجعل الانتخابات أقل شمولية وأكثر تحيزًا.
- ترّكز السلطة: توسيع سلطة المركز الفيدرالي على الإشراف على الانتخابات قد يُضعف استقلال الولايات ويهدد التوازن التاريخي بين المركز والولايات.
- تهديد نزاهة الانتخابات: هذه الإجراءات قد تُحوّل الانتخابات من عملية نزيهة إلى أداة لصالح فئة معينة، بدل أن تكون وسيلة عادلة لتجديد الشرعية.
- إضعاف الثقة العامة: إعادة صياغة القواعد بدون توافق واسع قد تضعف ثقة المواطنين في نزاهة المؤسسات، وتزيد الانقسامات والاستقطاب السياسي.
- فتح الباب أمام استدامة السلطة: هذه الإجراءات قد تُستخدم لضمان بقاء ترامب أو نفوذ أتباعه رغم انتهاء المدة القانونية، مما يُهدد التداول السلمي للسلطة.
ترامب استعمل الشعبوية كخطاب، فاستهدف كل معارض له، ونعتهم بالتضليل والاستهزاء، وخاصة الصحافيين الذين لا ينتمون له. ولا أصعب من هذه المرحلة التي تمر بها الولايات المتحدة من انقسام بين أبناء شعبها، إذ إن الشعبوية تزرع الكراهية والاستنفار والتباغض بين المواطنين، وقد تصل إلى العنف والبلطجة، بينما الخطابات السياسية الواعية، البعيدة عن الشعبوية، تتباين فيها الأفكار، لكن الشعب يقبل المخالف ويحترمه، فتزداد لحمة البلد.
هذا الانقسام يلوح إلى أزمة شديدة على المستوى الداخلي والخارجي للولايات المتحدة، قد يمتد إلى صخب ولغط. ومع تفاقم أزمتها الاقتصادية وعدم وضوح رؤيتها الاستراتيجية على المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة في علاقاتها الخارجية، غير أنها تمتلك الترسانة الكبرى العسكرية، فقد أصبحت الولايات المتحدة شبه مقطوعة حتى عن أوروبا، أقرب حليف لها. في الأفق يلوح لنا وكأننا نقترب من أسوأ سيناريو سيشهده العالم: بداية نهاية الحضارة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث ستتفاقم فيها الصراعات الداخلية لتصل إلى حروب أهلية، وعندها حتمية الانقسامات الجغرافية.
إن الديمقراطية، في أصل معناها لم تُنشأ لتقديس الصندوق بل لضمان الاختيار الحر وتحديد مدة الحاكم ومنع بقائه بالقهر أو الالتفاف، فإذا انتُزع هذا المعنى، بقي الشكل وبطل الجوهر، وصارت الطقوس السياسية بلا روح، الذي هو نقض لأهم أصل من أصول النظام الديمقراطي، الذي جوهره نظامٌ مسؤولٌ يختار الحاكم ويقيّد سلطانه بمدة معلومة وقانونٍ نافذ شفاف وتداولٍ سلميٍّ للسلطة ملزم، يمنع استبدادها واستدامتها. فإذا انحلّ هذا المعنى وانهدم هذا الوعي، لم تعد الولاية ثمرة اختيارٍ حرٍّ ترضاه الجماعة، بل صارت غلبةً مقنّعة تُلبس لبوس الشرعية.
وختامًا، يحق لنا أن نتساءل: هل هو هروب إلى الأمام من القيادة الأمريكية بعد فضائح أبستين، أم نتيجة الفشل في إيران حتى اللحظة، أم مجرد تشويش على الأزمة الداخلية، أم هو خليط من كل ذلك، بحثًا عن التفرد بالسلطة تحت عصى البلطجة؟ هل الخطوات المحمومة هذه تعبير عن خوف عميق من تفكك الجمهوريين من حول ترامب وإدارته، وفقدان القاعدة الشعبية التي منحته الشرعية والمكانة؟
إن الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح مزعوم، بل بمحاولة تثبيت سلطة متزعزعة وفرض إرادة فردية على نظام سياسي كامل، داخليًا وعالميًا. وإذا تحقق ذلك، فإن ما نراه اليوم من ضوضاء سياسية قد يكون مقدمة لتفكك النظام الديمقراطي ذاته، وفتح الباب لفوضى المؤسسات — كما يتضح من سياسات إدارة الهجرة —، واستمرار السلطة بلا قيود ولا رقابة سوى القوة والغلبة، حيث تُسحق الحرية والاختيار السلمي للفرد، ويصبح نقد السلطة رهينة الخوف والتهديد، فيموت عهد الحرية.
