في السنوات الأخيرة، درج القول إن الفلسطينيين من الشعوب الأكثر تعلمًا، وكانت الأرقام والإحصائيات تعزز هذا القول، وبينما يفتخر الفلسطيني بذلك، باغتته الإبادة الإسرائيلية، وخلالها كان التعليم هدفًا في مرمى نيران الاحتلال، فدمر المدارس والجامعات، وقتل أعدادًا كبيرة من الأكاديميين، وها هو المجتمع المتعلم في قطاع غزة يعاني غياب المدارس الحقيقية منذ عامين ونصف تقريبًا.
تقول أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إنه في عام 2023، أي عام بدء الحرب، كانت نسبة الأمية بين الأفراد (15 سنة فأكثر) في قطاع غزة 1.9%، ووصلت نسبة معرفة القراءة والكتابة في الفئة العمرية 15 – 19 عامًا إلى 99.2%، أما اليوم فنصف الطلبة في المرحلة الأساسية لا يجدون مدارس تستوعبهم، بالإضافة إلى ظروف الحياة التي تجعل مواصلة التعلم أمرًا صعبًا.
يحاول قطاع التعليم أن يتعافى تدريجيًا، بخطوات بطيئة ومحدودة. بدأت المحاولات بالتعليم الإلكتروني، وشيئًا فشيئًا ظهرت النقاط التعليمية، حتى لو كانت في خيمةٍ مهترئة يجلس الطلبة فيها على الأرض. ومع بداية العام الدراسي الحالي، انتظم التعليم الوجاهي ولكن بشكل محدود نظرًا للظروف القاهرة التي خلقتها وفاقمتها حرب الإبادة.
بين المدرسة والسوق
الطالب في الصف العاشر، نائل صبيح، اضطر للعمل بعد استشهاد والده في مايو الماضي، ويقول: “أنا أكبر إخوتي، قررت أن أتحمل المسؤولية وأساعد أمي في توفير احتياجات الأسرة، رأيت أنسب عمل لي هو بيع السكاكر والعصائر وما شابه”. ويضيف: “ينقسم وقتي بين المدرسة والعمل، ثلاثة أيام في الأسبوع للدوام المدرسي، وثلاثة للعمل، أما يوم الجمعة فأخصصه للدراسة”.
ويتابع: “كنت أحب الدراسة كثيرا، لكن حاليا تغير كل شيء، فبعد كل ما عشناه من ظروف صعبة لا طاقة لي بها ولا أجد ما يشجعني على بذل الجهد فيها، وأتعب كثيرا بسبب بُعد البيت والمدرسة، أقضي ساعة في الذهاب ومثلها في الإياب، أمشي المسافة الطويلة لعدم وجود وسائل مواصلات”.
ويوضح أن من أكبر المعيقات بالنسبة له عدم قدرته على توفير نسخًا ورقية من “الرزم التعليمية”، ولا حتى نسخة إلكترونية كونه لا يملك هاتفًا، ما يحدّ من قدرته على المشاركة الصفية، الأمر الذي يجعله يُفضّل التعليم الإلكتروني على الوجاهي.
يومان دراسيان في الأسبوع بلا كتب؛ هذه هي فرصة صبيح من التعليم، يشعر أنه لا يُحصّل شيئا ولا يستفيد من المنهاج، ويضرب لنا مثالاً، قائلًا: “اليوم شرح لنا مدرس الرياضيات درسًا ونصف في حصة واحدة، لم أفهم شيئا، أنتظر أن يأتي يوم الخميس لأستخدم هاتف أمي ربما أجد شرحًا واضحًا”.
الأمر لا يقف عند المنهاج والشرح، فأبسط التفاصيل تسبب ضيقًا للطلبة، منها عدم وجود مقصف وغياب المصروف اليومي وعدم كفايته في ظل ارتفاع الأسعار، بحسب صبيح. ويستذكر بأسى: “قبل الحرب، لم يكن معدلي الدراسي يقلّ عن 95%، أما اليوم فخسرت نحو 10%”.
أما العمل فمعاناة تأخذ أغلب وقت الطالب صبيح وتصرفه عن دراسته بشكل إجباري، إذ يوضح أنه ينطلق للسوق مبكرًا، يأخذ جولة بين البضائع لينتقي أكثرها ربحًا، فيشتريها ويبدأ في بيعها، ولا يعود بيته قبل الخامسة أو السادسة مساء.
يؤكد صبيح أن هذا التعب لم يغير قناعته بأهمية العلم، لذا يستعين بالدروس الخارجية، يدفع لأجلها مالًا إضافيًا غير رسوم المدرسة، ويتمسك بمدرسته المخصصة للمتفوقين، رغم بعدها عن بيته، لكونها تساعد خريجيها في الحصول على منح للدراسة الجامعية. ويتبدد كل تعب هذا الطالب المثابر حين يرى سعادة أمه وضحكات إخوته الصغار كلما قدّم لهم شيئا اشتراه مما جناه.
بعد الفقد
طفلٌ فقد والده قبل أشهر، بدا متقبلًا للأمر كما كانت تظن والدته، لكن الآثار النفسية الصعبة ظهرت في نتائج الاختبارات الشهرية، تقول والدته: “بعد استشهاد زوجي، نبهتني معلمات ابني إلى شروده الدائم، ظننت الأمر مجرد أثر عادي لحزنه على أبيه”.
وتضيف الأم التي نمتنع عن ذكر اسمها حفاظًا على خصوصية طفلها: “فهمت جدية المشكلة عندما ظهرت نتائج الاختبارات، حصل على درجة أو اثنتين فقط في أغلبها”. وتتابع: “استعنت بأخصائية نفسية، بعدما تحدثَتْ إليه أخبرتني أنه يمر بصدمة نتيجة استشهاد والده، بدأت الجلسات العلاجية، وها هو التحسن يظهر تدريجيًا”.
وتلفت إلى أنه ليس المُتأثر الوحيد، فأخته الأصغر كانت تحصل على معدل 100%، تراجع مستواها وفقدت الكثير من الدرجات مؤخرا. وتبيّن: “أنا على قناعة مطلقة بأن العلم هو ما سينفع أبنائي في المستقبل، لا أدخر مالا ولا جهدا في سبيل الدراسة، أعمل لأوفر احتياجاتهم، أما الجانب النفسي فلا أعرف كيف سأتدبر أمره، لم أتخيل أن ينحدر تحصيل أبنائي بهذا الشكل لأسباب نفسية”.
تعبت مريم عجور من البحث عن مدرسة لبناتها الثلاث، تريدها مدرسة قريبة وبتكلفة مقبولة وتقدم تعليمًا جيدًا، أفضل خيار وجدته يكلفها 30 دولارًا شهريًا، لكنه يبعد عن بيتها كثيرًا، فتضطر لمرافقة البنات في طريق الذهاب والعودة.
ولأنها موظفة، تمشي مع بناتها نحو المدرسة صباحًا قبل أن تنطلق لعملها، وفي منتصف النهار تقطع العمل لتعيدهن من المدرسة إلى البيت وتقول: “كل ما أريده إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد التراجع الكبير في التحصيل العلمي عند بناتي رغم ذكائهن الشديد”.
وتضيف: “كنت قد عثرت على مدرسة أقرب برسوم غير مرتفعة، لكن التدريس فيها سريع ويقتصر على الأساسيات، بينما أنا أريد مكانًا يشبه المدرسة حقّا، لذا واصلت البحث ونقلتهن إلى مكان جديد”.
مشكلة عجور لا تقتصر على المواد التعليمية فقط، فهي تؤمن أن للمدرسة دور أكبر من ذلك. وتوضح: “المعلومات الدينية الأساسية، وتحفيظ القرآن، وبناء الشخصية، وتكوين العلاقات، وأمور أخرى كثيرة تحدث في المدرسة”.
وتبين: “مهما حاولت أن أهتم بتلك الجوانب المفقودة لا أستطيع، فأنا موظفة، وعندي طفلة رضيعة، والحياة أصبحت شاقة وتستغرق وقتًا في كل شيء”.
مكانة التعليم محفوظة
الوكيل المساعد للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم بقطاع غزة د. محمود مطر يقول في حوار مع “نون بوست”: “طالما كان للتعليم مكانة خاصة عند الفلسطينيين، قبل الحرب كانت تتضح هذه المكانة من ارتفاع نسبة التعليم مقابل الأمية، أما اليوم فتتضح من الاهتمام والرغبة القوية بالالتحاق بالمدارس وسعي الطلبة وأولياء أمورهم لحجز أماكن فيها، ففور افتتاح الوزارة مدرسة جديدة، يتسابق عشرات الآلاف للانضمام لها، لكن سعتها لا تسمح باستقبال أكثر من ألف أو ألفي طالب، يحدث هذا رغم تعذّر مواصلة التعليم لنسبة كبيرة منهم بسبب الواقع الصعب”.
ويضيف: “تلقّى قطاع التعليم ضربات كارثية، فقدنا في عداد الشهداء أكثر من 21 ألف طالب وطالبة في سن التعليم المدرسي، و1200 من العاملين في قطاع التعليم ما بين معلمين ومشرفين وإداريين ومدراء مدارس، وسجلنا آلاف الإصابات، والكثير من حالات الإعاقة، بالإضافة للضرر النفسي الكبير الذي يجعل الحاجة ماسّة لبرامج الدعم النفسي”.
ويشير إلى أن أضرارًا كبيرة طالت البنية التحتية للقطاع التعليمي، إذ إن 98% من المدارس تعرضت لأضرار، وحوالي 82% من المدارس خرجت فعليًا عن الخدمة بحيث لا يمكن استخدامها لأغراض تعليمية إلا بعد تدخلات جوهرية لترميمها أو إعادة بنائها، أما النسبة المتبقية 18% فهي الآن مشغولة بالنازحين، أي أنه من الصعب حاليا استخدام هذه المدارس لأغراض تعليمية إلا بعد حل مشكلة النازحين.
أمام هذا الواقع، اجتهدت الوزارة في إعادة إدخال العملية التعليمية في مسارها، فافتتحت مدارس ونقاط تعليمية، يتم التعليم فيها لعدة مجموعات في مواعيد مختلفة، وقلّصت أيام الدوام، واختصرت المناهج.
يبين مطر أنه يوجد حاليًا 730 مدرسة ونقطة تعليمية معتمدة لدى الوزارة، تضم حوالي 300 ألف طالب، يتم تسجيل الطلاب عبر نظام محوسب تحت إشراف الوزارة، التي تنسق وتتابع النقاط والعمل داخلها وما يتعلق بها من إجراءات.
ويوضح: “تغيَّر شكل المدرسة في الوقت الحالي، عدد الغرف الصفية التي استطعنا تشغيلها بعد إخلاء النازحين منها وإعادتها قليل جدا، أنشأنا مدارس من الخشب، والصفيح، والشوادر، والخيام الجاهزة، وفي كثير منها يجلس الطلبة على الأرض، ولا يجد المعلمون سبورة يكتبون الدروس عليها، وفي مثل هذه المدارس لا مكان لمرافق أخرى مثل المختبرات، إنها تفتقد المكونات الأساسية كالأثاث وخطوط الكهرباء والإنترنت، وهذا يشكل تحديا كبيرا أمام قطاع التعليم”.
بينما يواجه التعليم هذه التحديات الكبيرة، فالأولوية الحالية بالنسبة للوزارة هي زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم وإعادة التعليم الوجاهي إلى مستواه السابق، بحسب مطر.
ويقول مطر إن الوزارة أجرت تدخلات في المناهج الدراسية من خلال إقرار الرزم التعليمية التي تم اختصار المناهج فيها ليتمكن الطالب من إكمال المراحل الدراسية الأعلى بشكل لا يشكل عبئا أكاديميا عليه في سنواته القادمة، وتتفاوت نسبة التقليص من مبحث لآخر بحيث تناسب الفترة الدراسية المتاحة دون أن تمسّ جوهر المنهاج.
ويضيف أن فترات التدريس أيضا طالها التقليص، تعمل المدارس بنظام التدوير، بمعنى أن الغرفة الصفية يتم إشغالها لست مجموعات من الطلبة، في حين كانت قبل الحرب لمجموعة واحدة أو اثنتين في بعض الأحيان.
ويتابع: “قبل الحرب، كانت نسبة المتسربين من التعليم أقل من 2%، وتزيد اليوم عن 50%، تراجعت أعداد الطلبة لأقل من النصف، حوالي 300 ألف طالب وطالبة مسجلون في المدارس والنقاط التعليمية المعتمدة من الوزارة، فيما العدد السابق للحرب كان 625 ألفًا، والطلبة الملتحقون بالتعليم الوجاهي يتغيبون لفترات، وتتواصل المدرسة مع أولياء الأمور، وتهتم عبر المرشدين التربويين والمعلمين بحالات التغيب للتعرف على الأسباب”.
يعزو مطر هذا التراجع إلى أسباب تتعلق بالطلبة وظروفهم الشخصية مثل النزوح، وأخرى مرتبطة بعدم وجود مدارس كافية لاستيعاب الجميع، لذا تبذل الوزارة جهودا كبيرة لتوفير مساحات جديدة. ويهدف المسؤولون إلى تحسين نسب الالتحاق لترتفع إلى 80% قبل بداية العام الدراسي القادم.
أطفال غزة يعودون للدراسة بعد عامين من الحرب.. فصول بلا مقاعد ومعاناة يومية وسط ظروف قاسية. pic.twitter.com/c5tMrIPXKk
— نون بوست (@NoonPost) January 19, 2026
من الأسباب الشخصية التي منعت الكثير من الطلبة من الالتحاق بالتعليم الوجاهي، الوضع المادي وصعوبة توفير مستلزمات الدراسة، أو استشهاد أولياء الأمور، أو صعوبة المتابعة الإلكترونية سواء بسبب الكهرباء والإنترنت أو لأن الأجداد المسؤولين عن أحفادهم الأيتام غير قادرين على التعامل مع التكنولوجيا، عدا عن أزمة المواصلات التي تجبر الطلبة على المشي لمسافات طويلة ذهابًا وإيابًا لمدارسهم، بالإضافة إلى اتجاه الكثير منهم للعمل لإعالة أسرهم.
ويوضح: “عمالة الأطفال من إفرازات هذه الحرب نتيجة للظروف التي يمرّ فيها الأهالي، وهي إحدى التحديات التي تؤثر على انتظام الطلبة، لكن تقليص ساعات وأيام الدوام تخفف هذه المشكلة، فالطالب يقضي في المدرسة ثلاث ساعات في ثلاثة أيام أسبوعيًا، ما يسمح له بمواصلة العمل إلى جانب الدراسة”.
بسبب كل ما سبق، لا يمكن وصف الانقطاع عن التعليم حاليا بأنه “تسرّب”، لذا تحاول الوزارة الوصول للمتخلفين عن التعليم ومعرفة أسباب عدم التحاقهم به وتوجيههم نحو المدارس والنقاط الأقرب إلى أماكن سكنهم.
وفيما يتعلق بالطلبة الذين لم يلتحقوا بالتعليم الوجاهي أو الإلكتروني، يذكر مطر: “خصصنا لهم برامج استدراكية تشمل برنامجًا إلكترونيًا عبر منصة (تيمز) وآخر وجاهي، تستهدف هذه البرامج الطلاب الذين فاتهم عام أو عامين بسبب الحرب، وتعمل على مساعدتهم على استدراك ما فاتهم، ونعدّ خطة لاستدراك العام الدراسي لفئات أخرى من الطلاب مع بداية العام الدراسي القادم”.
ولأن المعلمين ركن أساسي في العملية التعليمية، يقول مطر: “يعاني المعلمون ظروفا صعبة بما في ذلك الإصابات والنزوح، مما يمثل تحديات كبيرة أمامهم، إلا أنهم يواصلون أداء رسالتهم التعليمية بإخلاص وولاء، العديد منهم أطلقوا مبادرات فردية خلال الحرب لتحويل خيامهم إلى مراكز تعليمية دون مقابل مالي، مما يعكس تفانيهم في خدمة الطلاب والمجتمع”.
وبالتطرق إلى التعليم العالي، يوضح مطر: “يواجه التعليم العالي تحديات كبيرة نتيجة الظروف الحالية، بما في ذلك فقدان الطلاب والأكاديميين وتدمير الجامعات، لذا استعانت الجامعات بالدراسة الإلكترونية، ما سمح للعديد من الطلاب بإكمال تعليمهم. ومع ذلك، لا تزال هناك صعوبات، خاصة في الكليات العلمية، مثل نقص المختبرات في كليات العلوم والطب، الأمر الذي يعيق التطبيق العملي ويؤثر على جودة التعليم”.
