في صباح العاشر من فبراير/شباط 2026، بينما لا تزال غزة تلملم أشلاء شهدائها تحت وطأة “وقف إطلاق النار” الهش الذي هندسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استيقظ الفلسطينيون على خبر قد يبدو للوهلة الأولى “نجدة إسلامية”، لكنه في جوهره يحمل بذور “نكبة إدارية” جديدة.
فإندونيسيا، العملاق الإسلامي الذي طالما تغنى بدعم حركات التحرر، أعلنت رسميًا عن جاهزية 8 آلاف جندي للانتشار في قطاع غزة ضمن ما تسمى “قوة حفظ السلام”، والتي يعتبرها الفلسطينيون “حصان طروادة” يهدف لتثبيت أمن الاحتلال لا حماية الضحايا.
وخاصة أن ما ترشح بشأن القوة وشروط إنشائها ونطاق عملها، يثبت أن جنودها لن يكونوا دروعًا بشرية لحماية أطفال غزة من القنابل، بل “شرطة مرور” لتنظيم حركة السير داخل سجن كبير تصممه “تل أبيب” وواشنطن لعزل أهالي قطاع غزة.
اهتمام مبكر.. ما أبرز الإشارات والمحطات؟
كانت إندونيسيا أكثر الدول تحمسا واستعجالا لإرسال جنودها واستقبال مئات الجرحى الفلسطينيين حتى قالت هيئة البث العبرية إن أول جنود ضمن القوة الدولية سيصلون من جاكرتا.
يظهر الإنفوجراف التالي خطا زمنيا لبداية هذا “الاهتمام” المبكر وحتى الإعلان عن المساهمة بـ 8 آلاف جندي.

لم يتوقف الأمر عند هذه الإعلانات المتسارعة، بل جاءت تصريحات الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو لتكمل الدائرة وتوضح توجهاته القادمة وتلقي الضوء على أسباب هذا “الاهتمام”.
في سبتمبر/أيلول 2025، وقف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وألقى خطابًا وصفته الصحافة العبرية بـ “التاريخي”. لم يكتفِ بعرض إرسال جنود، بل أطلق جملة كانت بمثابة كلمة السر للدخول إلى النادي الغربي: “يجب علينا ضمان أمن إسرائيل، وحينها فقط يمكننا الحصول على سلام حقيقي لا مكان فيه للكراهية”.
وختم خطابه بكلمة “شالوم” (سلام)، في رسالة ولاء معمدة باللغة العبرية، موجهة لآذان ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وخلال اجتماع القمة في نيويورك، أثنى ترامب على رئيس إندونيسيا ووصف خطابه في الجمعية العامة بـ”الرائع”، مضيفا: “أحسنت بضربك على الطاولة”، وذلك عند حديثه عن “أمن إسرائيل”.
لم يتوقف الأمر عند الخطابات. تكشف التقارير الاستخباراتية وتسريبات الصحافة العبرية (يديعوت أحرونوت وتايمز أوف إسرائيل) عن فصل أكثر ظلمة. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، جرت ترتيبات سرية لزيارة تاريخية كان سيجريها برابوو سوبيانتو إلى “تل أبيب”.
بل إن نتنياهو طلب من المحكمة تأجيل جلسة محاكمته في قضايا الفساد بحجة “زيارة سياسية طارئة وبالغة الأهمية”. تشير المصادر إلى أن برابوو أعطى “الضوء الأخضر” للزيارة، التي كانت ستشمل لقاءات أمنية وتوقيع تفاهمات حول دور إندونيسيا في “اليوم التالي” للحرب.
لكن تسريب الخبر للصحافة الإسرائيلية أثار ذعرًا في قصر “مرديكا” في جاكرتا، خوفًا من ردة فعل الشارع الإسلامي الغاضب. تراجعت جاكرتا تكتيكيًا، ونفت الخارجية الإندونيسية الخبر جملة وتفصيلًا.
ما دوافع إندونيسيا؟
1- نيل عضوية منظمة التعاون والتنمية
تسعى إندونيسيا باستماتة للانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، “نادي الدول الغنية” الذي يفتح أبواب الاستثمارات والتصنيف الائتماني المرتفع.
لكن قواعد المنظمة صارمة: انضمام أي عضو جديد يتطلب إجماع كافة الأعضاء الحاليين. و”إسرائيل”، العضو في المنظمة، تملك حق النقض (الفيتو).
لقد استخدمت “تل أبيب” هذه الورقة بابتزاز سياسي مكشوف. بحسب صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، كانت المنظمة قد بدأت بالفعل إجراءات قبول جاكرتا، لكن “تل أبيب” اعترضت لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين الجانبين.
وذكر موقع الحرة الأمريكي أن وزير الخارجية السابق وزير الجيش الحالي يسرائيل كاتس رفض سحب الاعتراض ما لم يتم التطبيع أولاً.
التسريبات أشارت إلى محادثات جرت بين وزارتي الخارجية الإسرائيلية والإندونيسية ومع الأمين العام للمنظمة ماتيوس كورمان انتهت بتعهد إندونيسيا بتطبيع العلاقات كشرط لرفع الفيتو.
ووفقًا لتحليل “أتلانتيك كاونسل”، عرضت إدارة ترامب حوافز لدعم هذا المسار، من بينها دعم انضمام إندونيسيا إلى المنظمة ومنحها استثناءات تجارية واستثمارية.
2- مصالح تجارية وصفقات مع ترامب
في فبراير/شباط 2026 أكدت رويترز أن برابوو كان يأمل توقيع اتفاق تجاري مع ترامب خلال زيارته إلى واشنطن لحضور الاجتماع الأول لمجلس السلام الخاص بغزة.
كما أن العضوية الدائمة في مجلس السلام تكلف مليار دولار، وهو ما جعل المشاركة الإندونيسية تبدو جزءًا من لعبة مصالح اقتصادية وسياسية أوسع.
بالنسبة لجاكرتا، يمثل هذا المسار فرصة لرفع مكانتها كقوة إقليمية وتوسيع التعاون العسكري والتكنولوجي مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية.
3- البحث عن شرعية دولية وتعزيز النفوذ
ترى صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن الحكومة الإندونيسية تسعى أيضًا إلى تعزيز مكانتها الدولية كوسيط بين العالم الإسلامي والغرب.
فالمشاركة في قوة استقرار غزة تتيح لجاكرتا دورًا في إدارة ملف معقّد يهم المسلمين، وتتيح لها الظهور بمظهر الدولة التي تحمي الفلسطينيين وفي الوقت ذاته تفتح قنوات مع “إسرائيل” والولايات المتحدة.
وبذلك تستخدم جاكرتا لغة “ضمان أمن إسرائيل” وتبني “السلام” لتبرير التقارب، وهو ما عبّر عنه برابوو في خطابه بالأمم المتحدة.
وأوضح جيورا إليراز، من معهد ترومان بالجامعة العبرية أن “لدى إندونيسيا طموحات على الساحة الدولية، وهذا (التطبيع) جزء من تصورها الذاتي بأنها دولة يجب أن تكون فاعلة في مختلف الساحات، بما في ذلك الشرق الأوسط، إذ تسعى للعب دور سياسي نشط”.
واستدرك لموقع القناة 12 العبرية أن “مشاركتها تظل محدودة حتى الآن بسبب غياب العلاقات مع طرفي النزاع في المنطقة؛ إسرائيل وفلسطين”.
لماذا تهتم “إسرائيل” بإندونيسيا؟
1- أكبر دولة إسلامية وسوق ضخم
تمثل إندونيسيا سوقًا ضخمة تضم أكثر من 280 مليون نسمة، وهي أكبر دولة ذات غالبية مسلمة.
وبالنسبة لـ”إسرائيل”، تُعد إندونيسيا القوة المهيمنة داخل منطقة جنوب شرق آسيا، وهناك من يتوقع أنه خلال 20 عاما ستكون واحدة من أكبر خمس اقتصادات في العالم، وهي بالفعل اليوم عضو في مجموعة العشرين، يقول موقع القناة 12 العبرية.
لذلك ترى “تل أبيب” أن فتح العلاقات مع جاكرتا سيمنحها اعترافًا إسلاميًا يخفف عزلتها ويتيح لها فرصًا اقتصادية في مجالات التقنية والزراعة والسياحة.
كما يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن النجاح في إندونيسيا قد يفتح الباب أمام ماليزيا وبروناي ودول مسلمة أخرى.
2- تطبيع يخفف الضغط بعد العدوان
بعد العدوان الإسرائيلي على غزة وما رافقه من اتهامات بارتكاب جرائم حرب، تحتاج “إسرائيل” إلى اختراق سياسي يخفف الضغوط الدولية.
ومن هنا، فإن إعلان مشاركة إندونيسيا في القوة الدولية يسمح بتسويق صورة تعاون إسلامي مع “تل أبيب”، ويمنح الحكومة اليمينية المتطرفة ذريعة للادعاء أن “العالم السني المعتدل” يدعمها.
كما أن نجاح اتفاق تطبيع مع إندونيسيا يمكن أن يساعد على استئناف المفاوضات مع السعودية، التي شهدت تراجعًا بعد المجازر في غزة.
ومن زاوية أولى، يمكن اعتبار عرض إندونيسيا لاستضافة الجرحى وإرسال قوات دولية “خطوة إنسانية تهدف إلى مساعدة ضحايا العدوان”.
لكن القراءة المتأنية تكشف أنها جزء من صفقة أعرض: محاولات إدارة ترامب تسويق “خطة سلام” منحازة، وسعي “إسرائيل” إلى تطبيع علاقات مع أكبر دولة إسلامية لتخفيف عزلتها، وطموح جاكرتا للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية دولية.