تحلّ الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير/شباط 2011 في اليمن، والبلاد غارقة في واحدة من أطول وأعقد الحروب في تاريخها الحديث، تتنازعها سلطات أمر واقع متعددة، وتثقلها الأجندات الإقليمية، وتتآكل فيها فكرة الدولة لصالح الشبكات المسلحة والهويات الصغيرة.
في هذا السياق المضطرب، تبدو استعادة فبراير اليوم فعلًا سياسيًا في حد ذاته؛ فبين من يحمّلها مسؤولية الانهيار، ومن يراها لحظة الوعي الأهم في التاريخ اليمني المعاصر، تتصارع السرديات على معنى تلك الثورة وحدود أثرها.
على مدى 15 عامًا، انتقلت اليمن من نظام واحد متكلس إلى مشهد متشظٍ تتقاطع فيه مشاريع متعارضة؛ ثورة شبابية واسعة، ثم مبادرة خليجية وحوار وطني شامل، فانتكاسة تمثلت في انقلاب مسلح على المسار الانتقالي، تلاه تدخل إقليمي واسع وحرب مفتوحة أعادت تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية.
ومع أن موازين القوى على الأرض تبدلت مرارًا، فإن الأسئلة الكبرى التي فجّرتها فبراير ظلت حاضرة: من يملك الدولة؟ ولمن توزَّع السلطة والثروة؟ وكيف يمكن تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا على الغلبة والقوة؟
رغم محاولات طمسها أو شيطنتها، لم تخرج ثورة فبراير من النقاش العام؛ بل عادت في كل منعطف حاد كمرجع أخلاقي وسياسي، تُستدعى بوصفها لحظةَ كسرٍ للخوف، وبدايةَ تشكّل وعي جديد لدى الأجيال التي عاصرتها والأجيال التي جاءت بعدها.
ثورة لم تكتمل لكن وعيها لم يتوقف
يرى معاوية الحمادي، أحد شباب ثورة فبراير، في حديثه لـ”نون بوست” أن تلك اللحظة لم تكن احتجاجًا عابرًا على نظام سياسي بعينه، بقدر ما كانت تحوّلًا عميقًا في وعي المجتمع اليمني، عبّر خلالها ملايين اليمنيين عن تطلعهم إلى دولة عادلة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وتقطع مع منظومة الاستبداد والتوريث.
يرتبط استحضار الحمادي للبدايات بشعور واسع بالحرية واستعادة الصوت العام بعد عقود من الإقصاء، غير أن هذا الشعور اصطدم لاحقًا بتعقيدات الواقع السياسي، وإجهاض المسار الانتقالي، والانقلاب عليه، ما جعل المشاعر المرتبطة بفبراير اليوم أكثر تركيبا، تجمع بين الاعتزاز بالتجربة والألم على مآلاتها.
يؤكد الحمادي أن تقييم ما تحقق من أهداف فبراير في ظل حرب مستمرة وتدخلات إقليمية وصعود قوى الثورة المضادة أمر إشكالي بطبيعته؛ إذ لا يمكن إخضاع تجربة ثورية أُجهضت قبل اكتمالها لمعايير تقليدية للنجاح أو الفشل.
وبرأيه، ما تزال ثورة فبراير حاضرة في وعي قطاع واسع من الشباب بوصفها مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا؛ إذ ينظر إليها البعض كثورة أُجهضت في منتصف الطريق، بينما يتعامل معها آخرون كنقطة انطلاق لمشروع وطني لم يكتمل بعد، لكن لم تُطوَ صفحته بعد.
تعز تحتفي
جانب من صور الألعاب النارية التي زينت سماء مدينة #تعز مساء اليوم احتفاءً بالذكرى الـ 15 لثورة 11 فبراير #الهدهد pic.twitter.com/ekKECxX1r7— عبدالرقيب الهدياني Raqeeb Al-hudiany (@alrkeb) February 10, 2026
يخلص الحمادي إلى أن قيم فبراير لم تختفِ، بل جرى محاصرتها وتشويهها، لكنها لا تزال فاعلة في الخطاب العام، لأن الأسباب التي دفعت إلى اندلاعها ما زالت قائمة، ولأن فكرة الدولة المدنية ما زالت حاضرة بقوة في وعي الأجيال الجديدة.
لحظة مصالحة مع الوطن رغم تعثر المسار
بالنسبة للصحفية أحلام الصبري، إحدى المشاركات في ثورة فبراير، بدأ كل شيء من شاشة التلفاز؛ متابعة مكثفة لثورات تونس ومصر، وسؤال متكرر عمّا إذا كان يمكن لليمن أن يكسر بدوره حلقة الحكم الطويل ومشروع التوريث. هذا السؤال كان مدخلها للمشاركة في الاحتجاجات منذ أيامها الأولى في صنعاء.
تصف الصبري فبراير في حديثها لـ “نون بوست” بأنها لحظة مصالحة مع فكرة الوطن؛ إذ ولّد الحضور في الساحات شعورًا عميقًا بالانتماء لم تعرفه من قبل، وتؤكد أن مشاعرها تجاه الثورة لم تتغير بعد أكثر من عقد، رغم إدراكها لأخطاء المرحلة الانتقالية، وعلى رأسها توقف الاحتجاجات بعد المبادرة الخليجية وترك المجال للأحزاب لإعادة رسم المشهد السياسي على طريقتها.
عمليًا، ترى الصبري أن من أبرز ما حققته الثورة إفشال مشروع التوريث، إلى جانب مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي شارك في صياغتها شباب فبراير، بينما تعذر الحكم على بقية الأهداف المتعلقة بالديمقراطية وبناء الدولة بسبب الانقلاب الذي عطّل المسار الوطني وأدخل البلاد في حرب طويلة.
وتشير إلى انقسام الشباب اليوم بين من يستحضر فبراير بامتنان واستعداد لمراجعة الأخطاء، ومن يحملها، أو يحمل من رفع شعارها، مسؤولية ما أعقبها من انقلاب وحرب وتشرد؛ غير أن كلا الموقفين يعكس – في رأيها – عمق الأثر الذي تركته تلك اللحظة في الوجدان العام.
إن محاولات تشويه ثورة فبراير أو وصفها بالنكبة تتجاهل سياقها الحقيقي وأهدافها النبيلة.
فالثورات لا تُقاس فقط بما أعقبها من صراعات، بل بما حملته من وعي جديد وكسرٍ لحاجز الخوف، وإحياء لفكرة أن الشعب قادر على المطالبة بحقوقه بوسائل سلمية وحضارية.#فبراير_مجيد pic.twitter.com/eMXdMibCRa— أيوب الداعري (@AyoubALdaeri) February 10, 2026
رغم ذلك، تصر الصبري على أن قيم وأفكار فبراير ما تزال حية لدى قطاع واسع من الجيل الجديد، ممن يشاركون في المعركة الوطنية فكريًا أو ميدانيًا، ويتمسكون بحلم يمن موحد وعادل رغم ثقل الكلفة وتعقيد الواقع.
جيل لم يعش الساحات: الحلم كوراثة سياسية
يمثّل صهيب المياحي نموذج الجيل الذي لم يعش تجربة الساحات مباشرة بحكم العمر، لكنه نشأ في ظل خطاب فبراير وأحلامها. يقول صهيب في حديثه لـ”نون بوست” إن ثورة 11 فبراير بالنسبة له ليست مجرد محطة في كتاب التاريخ، بل حلم تربت عليه الأجيال اللاحقة، وجزء من الوعي السياسي والاجتماعي تشكّل في البيت والمدرسة والفضاء العام.
ورغم الحرب الطويلة وما خلفته من مآسٍ، يؤمن أن الثورة ما تزال فعلًا مستمرًا وحلمًا حيًا، وأنه لو عاد يوم فبراير “لخرج إليه بكل ولاء مطلق”، لأن الإيمان بالقيم التي حملتها تلك اللحظة لم يتغير.
يرى صهيب أن كل تغيير إيجابي، مهما كان صغيرًا، يعكس جزءًا من قيم فبراير؛ فالثورة في نظره ليست محصورة في عدد السنوات أو في التجارب المباشرة في الساحات، بل هي فكرة متجذرة في الوعي تتجدد مع الظروف والتحديات.
ثورة 11 فبراير لم تكن حدثًا عابرًا، بل مسارًا وطنيًا جامعًا أعاد توجيه اليمن نحو الدولة المدنية والعدالة والشراكة السياسية.#فبراير_اليمن_الاتحادي pic.twitter.com/2QQiotmyms
— Marwa Aden (@MarwaAden2) February 10, 2026
من جهته، يقرّ أسامة السبئي بأنه لم يكن من شباب الساحات لصغر سنه حينها، لكنه كان – كما يقول – لـ”نون بوست” منخرطًا في تلك الأحلام والأشواق والطموحات بحكم العائلة والمحيط، وما زال يرى أن المجتمع يعيش حتى اليوم جدل الثورة ومخاضاتها.
يعتبر أسامة أن مخرجات الحوار الوطني، التي رسمت مستقبلًا أجمل لليمن، تُعد إحدى أهم نتائج فبراير وترجمة لطموح الشباب، إلا أن الحرب أوقفت مسيرتها، ويرى أن أي نهاية مسؤولة للصراع لن تكون ممكنة إلا بالعودة بشكل أو بآخر إلى ذلك المسار الوطني، وإن اختلفت التفاصيل والأدوات.
بالنسبة له، لا يتوقف النضال الوطني بتوقف الساحات؛ فالشباب اليوم قادرون على المشاركة في الفعل الثوري والنضالي في السلم كما في الحرب، عبر أشكال متعددة من العمل السياسي والمجتمعي، مشددًا على ضرورة الوفاء لتضحيات فبراير والتضحيات المستمرة منذ 15 عامًا.
حين خرج الشباب في فبراير، لم يكونوا فقط يطالبون بإسقاط رأس السلطة؛كما قد يفهم من الشعار الذي كان يردد ، الحقيقة كانوا يحاولون سدّ هذا الفراغ التاريخي الذي احدثه نظام صالح ، عبر استعادة المعنى الأخلاقي للدولة.
ولهذا بدا وعي الساحات متقدما على وعي الأحزاب…
— Tawfik Alhamidi (توفيق الحميدي ) (@TawfikAlhamidi) February 10, 2026
ويختم بالتأكيد على أن النضال الشعبي فعل تراكمي، وأن الأجيال تُقاس ببصمتها على المدى الطويل لا بقدرتها على تجاوز التحديات اللحظية فقط.
كسر الخوف وفتح الباب للدولة المدنية
نائب رئيس مجلس شباب الثورة بمأرب، عفيف العباب، يرى في حديثه لـ”نون بوست” أن فبراير مثّلت نقطة تحوّل في المشهد السياسي حيث كسرت معادلة الخوف قبل أن تغيّر معادلة السلطة، وفتحت المجال لفكرة الدولة المدنية والتعدد السياسي.
في نظره، الدرس الأهم للشباب الذين لم يشاركوا في الثورة هو أن التغيير مسار طويل الأمد، وأن الوعي والتنظيم أهم من الحشود العددية؛ فالثورة من دون مشروع وطني واضح ومتماسك معرضة دومًا للاختطاف من قوى أكثر جاهزية وتنظيمًا.
يشير العباب إلى أن قيم الثورة – العدالة، الشراكة، ورفض الاستبداد – ما تزال قابلة للتفعيل في أي لحظة، لكن المشكلة تكمن في غياب الأدوات السياسية الفعّالة لترجمتها إلى برامج واقعية وسياسات عمومية.
أما التحديات التي تواجه الجيل الجديد، فيلخصها العباب في الإحباط المتراكم، وهيمنة النخب التقليدية، والاقتصاد المنهك، وتحويل السياسة إلى صراع نفوذ بعيد عن هموم الناس، إضافة إلى غياب منصات تمثيلية حقيقية تتيح للشباب التأثير في صناعة القرار.
فبراير.. السهم الذي لا يرتد!
من قلب الوجع خرجنا، وبشعلة الحرية تزيّنا. فبراير لم يكن يوماً عابراً، بل كان إعصاراً اقتلع جذور الكهنوت.
فبراير انتفاضة شعبية: هدير الملايين الذي لم يعرف الخوف، وزلزالٌ دكّ حصون الاستبداد. pic.twitter.com/6bBIp445Jk— هدهد سليمان Hoodhood Suleiman (@H_solym) February 10, 2026
ويؤكد العباب أن استعادة الثقة بين الشباب والسياسيين تحتاج إلى صدق وشفافية في القرار، وإتاحة الفرص للوجوه الجديدة، والاعتراف بالأخطاء بدل تبريرها، وربط الخطاب السياسي بقضايا المواطنين اليومية، لا بالشعارات الكبرى فقط.
بين ذاكرة الثورة وذاكرة الحرب
مر اليمن في العقدين الأخيرين بتجارب مفصلية شكلت وعي أجيالها بشكل متفاوت، فبين ثورة 11 فبراير 2011 التي أثارت شعورًا جماعيًا بالأمل والتغيير، والحرب المستمرة التي أعادت تشكيل الحياة اليومية بكل مأساويّاتها، تتقاطع ذاكرة المجتمع بين لحظتين مركزيتين؛ لحظة التغيير السياسي والاجتماعي التي حملتها الثورة، ولحظة الصراع والتهجير والانهيار التي فرضتها الحرب.
حيث يرى الكاتب والباحث نبيل البكيري في حديثه لـ”نون بوست” أن ثورة 11 فبراير كانت حدثًا مفصليًا في تاريخ اليمن المعاصر، ليس فقط بسبب ما أسقطته سياسيًا، بل لما أحدثته من تأثير عميق في وعي جيل الشباب الذي عاصرها، سواء من تبنّاها أو من عارضها.
برأيه، لعبت الثورة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الوعي السياسي وتسييس المشهد اليمني على نحو غير مسبوق؛ إذ أسهمت في خلق خطاب عالي السقف من حيث الرؤى والتوجهات، ودَفعت بالسياسة إلى العمق اليومي لحياة الشباب.
يلفت البكيري إلى أن حضور الثورة أو خفوتها في الفضاء العام يخضع للمزاج السياسي العام وتحولاته؛ فتارة تتراجع إلى الخلف تحت ثقل الحرب والاستقطاب، وتارة تعود للظهور بقوة حين تستدعيها الأزمات كمرجع أخلاقي ورمزي.
بهذا المعنى، تعيش رمزية فبراير – كما يصفها – حالة مراوحة بين الصعود والهبوط دون أن تفقد معناها الجوهري كلحظة انكسار في بنية السلطة التقليدية، وكمحاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة.
ويشير البكيري إلى اختلاف ذاكرة الأجيال؛ فجيل الثورة يرى في فبراير جزءًا من تاريخه ونضاله وحضوره العام، بينما تشكّلت ذاكرة جيل الحرب حول جبهات القتال والتهجير والانهيار الاقتصادي بوصفها تجربته المركزية.
مع ذلك، لا يرى في هذا الاختلاف عائقًا بنيويًا، بل يعتبر أن الجيلين امتداد لبعضهما، تجمعهما مساحة واسعة من الوعي السياسي المشترك تجاه سؤال اليمن ومستقبله، وإن اختلفت المدخلات والخبرات.
يخلص البكيري إلى أن فبراير ستظل لحظة فارقة في تاريخ اليمن، سواء لدى أنصارها أو خصومها، وحدثًا لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه في أي قراءة جادة لمسار الدولة والمجتمع.
فبراير والحوار الوطني كفرصة لبناء عقد جديد
بعد ثورة 11 فبراير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، انطلقت فعاليات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في صنعاء بين مارس 2013 ويناير 2014، بمشاركة واسعة من القوى السياسية والمجتمعية بما فيها النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني حيث كان الهدف وضع خارطة طريق سياسية ودستورية للتغيير وبناء دولة حديثة تقوم على اللامركزية والمواطنة المتساوية.
وهو ما تؤكده وكيلة وزارة الشباب والرياضة – قطاع المرأة، نادية عبد الله الأخرم، أن الثورة شكلت محطة مفصلية في تاريخ اليمن، إذ نجحت في جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بما فيها الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني، على طاولة حوار وطني غير مسبوق شارك فيه قرابة 500 عضو، وأسفر عن إعداد مسودة دستور جديد ورؤية للتحول من الدولة المركزية إلى اللامركزية باعتبارها أساسًا للاستقرار والتنمية.
ترى نادية أن الخطأ الجسيم في مسار الحوار تمثل في السماح بدخول جماعة الحوثي وهي تحتفظ بسلاحها، ما أدى إلى الانقلاب على الدولة وإجهاض مخرجات فبراير والحوار لاحقًا، مؤكدة أن ما حدث لا يُحمّل للثورة بقدر ما يرتبط بقوى السلاح والتحالفات التي قادت الثورة المضادة.
مع ذلك، تعتقد أن الفرصة لا تزال قائمة لإعادة بناء مشروع وطني جامع، خاصة بعد أن أظهرت التجربة فشل المشاريع الطائفية والمناطقية والانفصالية، وأن لا حل لليمن إلا عبر مشروع شامل يقوم على المساواة، وإعادة توزيع السلطة والثروة، والحفاظ على وحدة البلاد وهويتها الجمهورية.
فبراير حلم “استعادة الوطن” والجمهورية الثالثة
من جهته يرى مجدي نقيب، عضو مؤتمر الحوار الوطني سابقًا، أن الحديث عن 11 فبراير لا يتعلق بمجرد استعادة تاريخ في ذاكرة وطن مثقل بالأحداث، بل باستدعاء لحظة فارقة تجلت فيها الروح الحقيقية لليمن كحلم لجيلٍ تجرأ على تخيّل وطن مختلف، وطن لا يُختزل في زعيم أو حزب أو طائفة، بل يقوم على أسس المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية، ويتسع لجميع أبنائه دون استثناء.
يشرح نقيب في حديثه لـ”نون بوست” أن خروج اليمنيين إلى الساحات لم يكن بوصفهم أرقامًا في حشود، بل كقصص فردية وضمائر حيّة توحدت في سردية كبرى عنوانها “استعادة الوطن”، معتبرًا أن الثورة لم تكن رد فعل غاضبًا على الفساد والاستبداد فقط، بل فعلًا إبداعيًا ومحاولة لرسم مستقبل لم يكن يُرى إلا في الأحلام.
يرى نقيب أن الساحات شهدت ذوبانًا غير مسبوق للفوارق المناطقية والطائفية والحزبية؛ حيث لم تكن هناك سوى هوية واحدة هي “اليمني الذي يحلم بغدٍ أفضل”، ويعتبر أن تلك اللحظة جسّدت ما يمكن تسميته بـ”الجمهورية الثالثة” التي وُلدت في الوعي الجمعي قبل أن تُكتب في النصوص والدساتير.
وحول تعثر المسارات لاحقًا، يقرّ بأن قوى معادية للحلم انقضّت عليه ونجحت مؤقتًا في إدخال البلاد في نفق الصراع، لكنه يؤكد أن هذه القوى، رغم استيلائها على السلطة في مراحل مختلفة، فشلت ولن تنجح في سرقة الفكرة أو إطفاء الشعلة التي أوقدتها الثورة في وعي جيل كامل.
في ختام رؤيته، يشدد نقيب على أن 11 فبراير ليست حدثًا انتهى ليُحتفل به أو يُرثى، بل بوصلة أخلاقية ووطنية ومخزون أمل لا ينضب، ستظل حاضرة في كل محاولة جدية للبحث عن دولة عادلة وحرية وكرامة، باعتبارها قدرًا لا يمكن إلغاؤه مهما طال الطريق.
من حافة الدولة الفاشلة إلى فرصة الانتقال السلمي
عشية 2011، كان اليمن يواجه أزمة حكم عميقة تمثلت في تآكل شرعية الدولة، وضعف مؤسساتها، واحتكار القرار العام خارج الأطر الرسمية، ما جعل البلاد عرضة للانزلاق نحو الفشل. ومع تصاعد الاحتقان الاجتماعي، برز مسار الانتقال السياسي السلمي كخيار لتجنب الانهيار الشامل، بدعم إقليمي ودولي، ومحاولة لإعادة بناء الدولة على أسس الشراكة والمواطنة. غير أن هشاشة البنية المؤسسية، ومقاومة قوى النفوذ للتغيير، أدت إلى إجهاض هذا المسار قبل اكتماله.
وفي هذا السياق، يقول د. متعب بازياد، نائب مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء، في حديثه لـ”نون بوست” إن البلاد كانت تقف على حافة الدولة الفاشلة نتيجة انسداد الأفق السياسي، وتآكل شرعية الحكم، واحتكار القرار العام داخل دائرة ضيقة، إلى جانب غياب أي إنجازات تنموية أو ديمقراطية حقيقية، ما أدى إلى احتقان اجتماعي واسع واستحالة الإصلاح من داخل منظومة الحكم.
في هذه اللحظة الحرجة، جاءت ثورة فبراير، بحسب بازياد، كحركة تصحيح سلمي أعادت الأمل لمختلف فئات المجتمع، وفتحت الطريق أمام مشروع وطني جامع تمثّل في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي شاركت فيه كل القوى السياسية والاجتماعية، وجرى دعمه إقليميًا ودوليًا ضمن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية باعتبارها خارطة طريق لبناء دولة حديثة تمثل جميع اليمنيين.
لكن بحسب قول بازياد، هذا المشروع التوافقي تعرض للإجهاض عبر انقلاب عسكري ذي طابع طائفي، استدعى تدخلًا إقليميًا واسعًا وفتح الباب أمام حرب تهدد ليس فقط مستقبل اليمن بل أمن واستقرار المنطقة بأكملها، مع ذلك، يقول بازياد أن فبراير نجحت في وضع اليمن على مسار انتقال سياسي سلمي، وأن فشل هذا المسار لا يلغي سلامة الفكرة، بل يكشف حجم مقاومة المنظومة القديمة لأي تغيير حقيقي.
ويدعو اليمنيين، لا سيما الجيل الجديد، إلى قراءة تاريخ ثوراتهم – من سبتمبر وأكتوبر إلى فبراير – بوصفها حلقات في مسار نضالي واحد، وفهم اللحظة الراهنة في ضوء هذا التراكم، مؤكدًا أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة، وأن وعي القوى الوطنية وتنظيمها سيظل العامل الحاسم في رسم مستقبل يليق بتطلعات المجتمع.
الثورة غيّرت العقول أكثر مما غيّرت الدولة
من جهته يقدّم السياسي المستقل نجيب الكمالي، في حديثه لـ”نون بوست” مقاربة تضع يدها على التحول في الوعي أكثر من التحول في بنية السلطة حيث يرى أن شعور كثير من الشباب اليوم باللامبالاة أو الإحباط تجاه فبراير لا يعني أن الثورة كانت خطأ، بل هو شعور طبيعي أمام التضحيات الكبيرة وسرقة النتائج السياسية من قبل قوى تقليدية ومسلحة، ودخول البلد في حرب بدل الانتقال الديمقراطي، وتدهور الوضع المعيشي بدلاً من تحسنه.
يذكّر الكمالي بأن الشباب خرجوا يطالبون بالكرامة والدولة والعدالة والفرص، لكن ما حصل على الأرض كان صراعات سلطة وحروبًا وفقرًا وهجرة؛ ولذلك فإن الإحباط – في رأيه – ليس من الثورة نفسها، بل من المسار الذي سُرق.
ويشير إلى أن النتائج السياسية والاقتصادية المباشرة للثورة كانت محدودة جدًا، لكن على مستوى أعمق كانت فبراير محطة مهمة لأنها كسرت حاجز الخوف ووفرت وعيًا سياسيًا واجتماعيًا غير مسبوق، وأنشأت جيلًا يسأل ويحاسب وأسقطت فكرة الحاكم المقدس.
يؤكد الكمالي أن الثورة غيّرت العقول لكنها لم تغيّر الدولة، وهذا يجعل أثرها طويل المدى وليس فوريًا؛ فالتغيير الذي يبدأ من الوعي يستغرق وقتًا قبل أن ينعكس في البُنى والمؤسسات.
ويضيف أن فبراير زرعت قيمًا أساسية يجب أن تبقى راسخة لدى الشباب، مثل المواطنة بدل المناطقية، والسلمية بدل العنف، والحق في النقد والاحتجاج، والحلم بدولة مدنية، ومشاركة الشباب والنساء في المجال العام، معتبرًا أن هذه القيم هي الرأسمال الحقيقي للثورة الذي يستمر أثره رغم تعثر المسار السياسي.
وحول دور الشباب المستقل في التغيير اليوم، يرى الكمالي أن التغيير الواقعي يمر عبر العمل المجتمعي، ودعم الأطفال والشباب، والتوعية، والإعلام، وصناعة السردية، في ظل انسداد السياسة التقليدية، وأن الحفاظ على روح فبراير يتم اليوم في هذه المساحات بقدر ما يتم في ميدان السياسة.
