لم تكن الثورة الشبابية الشعبية في اليمن، المندلعة في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011، سوى امتداد لثورات الربيع العربي التي بدأت في تونس ضد أنظمة الحكم الديكتاتورية، وعلى الرغم من أن “السلمية” كانت السمة المشتركة بين الثوار العرب، إلا أن أنظمة الحكم البائدة في بعض الدول حاولت أن تُدخل بلدانها في أتون النزاعات المسلحة الدامية بهدف تشويه تلك الثورات. وفي الحالة اليمنية، كان أحد أبرز أهداف الثورة إزاحة الحكم العائلي للرئيس علي عبد الله صالح، بعد سيطرة مطلقة حكم فيها البلاد طيلة 33 عاماً. وقد أفضت الثورة إلى انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيساً توافقياً، وتشكيل حكومة توافقية في إطار مرحلة انتقالية شملت انعقاد حوار وطني جمع المكونات القبلية والسياسية في البلاد.
لكن نتائج هذا الحوار لم تُطبَّق بفعل ما يصفه خصومه بتخريب النظام اليمني السابق، على الرغم من أن الدولة الجديدة منحت قانونًا قضى بتقديم حصانة قانونية وقضائية للرئيس صالح ورموز نظام حكمه، ضمنت عدم ملاحقتهم جنائيًاK وهو الأمر الذي تم استغلاله لاحقًا عبر تحالف صالح مع جماعة الحوثي، التي انقلبت على الدولة اليمنية في 21 سبتمبر/أيلول 2014، حيث لاحقت الجماعة الرئيس هادي ووضعت حكومته تحت الإقامة الجبرية، لتدخل اليمن بعدها في نفق مظلم تُسفك فيه الدماء ويتبدد فيه حلم الشباب الثائر بدولة مدنية قائمة على أسس العدل والمساواة.
وعقب مرور خمسة عشر عامًا على اندلاع ثورة فبراير، يرى سياسيون تحدثوا لـ”نون بوست” أن رموز نظام صالح قد عادوا إلى واجهة حكم اليمن عبر تعيين طارق، نجل شقيق صالح، عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، وهو المتهم بإجهاض ثورة فبراير وبتحالفه مع جماعة الحوثي. لكن ثمة آخرين يرون، في أحاديثهم مع “نون بوست”، أنه لا مستقبل سياسي لأقارب صالح ورموز نظام حكمه. وبين الرأيين يُثار النقاش حول كيفية النظر إلى مستقبل الثورة الشبابية في ظل استمرار عودة رموز نظام صالح إلى واجهة الأحداث السياسية في اليمن.
ثورة مضادة
في حديثه مع “نون بوست”، يرى أحمد الزرقة، مدير قناة بلقيس الفضائية، أن ثورة 11 فبراير، كفكرة وحركة شعبية، حققت هدفها في لحظتها التاريخية؛ إذ أزاحت علي عبد الله صالح وعائلته عن واجهة الحكم، وفتحت أفقًا لبناء دولة تقوم على المواطنة والقانون، غير أن ما تلا ذلك اتسم بمفارقة قاتلة؛ فبدلًا من تفكيك شبكة الحكم وإرساء عدالة انتقالية تردع الارتداد، جرى إنتاج تسوية سياسية منحت صالح حصانة، ووفّرت له عمليًا مظلة إفلات من العقاب. وعندما يأمن الفاعل السياسي العقوبة، يصبح تعطيل التغيير خيارًا منخفض الكلفة، بل مغريًا.
ويستعرض الزرقة الأحداث التي أعقبت ثورة 11 فبراير عبر مسار أسماه بـ”إعاقة الانتقال”، من خلال تفخيخ التسوية، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتسميم الحياة السياسية، وإعادة توظيف النفوذ القديم داخل ترتيبات جديدة. ومع تصاعد منطق الانتقام والتصفية، يرى الزرقة أن صالح سلك طريقًا انتهى إلى خسارته حياته نفسها؛ لكنه، قبل ذلك، ساهم في خلق شروط الفوضى التي التهمت الجميع، وأطلقت سلسلة ارتدادات ما تزال اليمن تدفع ثمنها حتى اليوم.
View this post on Instagram
ويلفت الزرقة الى أن وجود طارق صالح في مجلس القيادة الرئاسي ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة ضمن مسار متعدد الرؤوس جرى شقّه تدريجيًا، بدعم أطراف سياسية داخلية وبمساندة قوى إقليمية ودولية، في إطار موجة “ثورات مضادة” استهدفت تقويض منجز 11 فبراير، وإعادة ترتيب المجال السياسي على قاعدة الغلبة لا التوافق الوطني.
وضمن هذا السياق، تحولت البلاد إلى ساحة تصفية حسابات، واختُزلت الدولة إلى تفاهمات نفوذ، وهو ما مهّد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لانهيار الانتقال وتنامي القوى المسلحة، وفي مقدمتها الحوثيون.
فشل إقليمي ودولي
كانت دولة الإمارات داعمة لطارق صالح، ومولت قواته المرابطة في الساحل الغربي ضد جماعة الحوثي، كما موّلت وسائل الإعلام التابعة له. وحينما طردت الحكومة الشرعية اليمنية الإمارات عقب الخلاف السعودي الإماراتي الأخير على اليمن، اتجه طارق نحو السعودية لتتكفل الأخيرة بتمويل قواته ووسائل إعلامه كبديل عن التمويل الإماراتي.
وفي هذا الصدد، يشير الزرقة إلى أن وجود طارق صالح اليوم في مجلس القيادة الرئاسي يمثّل دليلًا واضحًا على أن المشغّل الخارجي ما يزال يبحث عن إعادة تموضع أسرة صالح داخل معادلة الحكم، رغم أن مجمل الأحداث أثبتت أن هذه الأسرة لم تكن، في أي مرحلة، صالحة لإدارة الدولة أو حراسة الجمهورية.
View this post on Instagram
إذ يلفت الزرقة أن ما حرّك عائلة صالح تاريخيًا لم يكن مشروعًا وطنيًا ولا التزامًا بمبادئ الثورة أو الانتماء للجمهورية، بل شبكة مصالح وأطماع ضيّقة تتبدل بتبدل موازين القوة، ولو لم يكن الأمر كذلك، يقول الزرقة لما وجدنا طارق صالح يتحول، في مرحلة مفصلية، إلى شريك تابع للحوثيين، قبل أن ينتقل مباشرة—بعد انتهاء الدور المرسوم له ولعمه—للعمل تحت إشراف ضباط دولة الإمارات وأجهزتها الاستخبارية، فهذا الانتقال بحسب الزرقة لم يرافقه أي تقدير للمخاطر التي دُفعت اليمن نحوها، ولا اكتراث بما ترتّب على تلك السياسات من تهديد لوحدة البلاد وسلامتها الإقليمية، وتعميق منطق التشظي والولاءات المتصارعة.
ويرى الزرقة أن اليوم، لا يبدو أن هناك حرجًا سياسيًا أو أخلاقيًا لدى طارق صالح في تبديل موقعه وولائه وفقًا للجهة القادرة على الدفع أكثر، أو تلك التي تضمن له البقاء في موقع السلطة، وهذه السهولة في التحول ليست سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تعبير عن نمط حكم شبكي يقوم على الارتهان للخارج، واستبدال المشروع الوطني بعقود حماية ورعاية.
ومن هذه الزاوية، يؤكد الزرقة لـ”نون بوست” أن وجود طارق صالح في مجلس القيادة لا يمكن قراءته بوصفه خطوة نحو الاستقرار أو استعادة الدولة، بل كعلامة إضافية على فشل القوى الإقليمية والدولية في دعم مسار وطني حقيقي، وإصرارها بدلًا من ذلك على إعادة تدوير وجوه ونماذج أثبتت التجربة أنها كانت جزءًا من المشكلة، لا من الحل.
صعوبات العودة
صالح الصريمي، رئيس مركز الإعلام الحقوقي في ساحة التغيير بصنعاء إبان الأيام الأولى لثورة 11 فبراير، يرى أن من وقف ضد ثورة 11 فبراير، سواء في الداخل أو الخارج، فقد عارضها لأنه شعر بأنها تهدد مصالحه، لا سيما أن حكومة باسندوه شهدت إصلاحات حقيقية، من بينها إلغاء عدد من الاتفاقيات الاستثمارية المجحفة بحق اليمن أو تعديلها، إضافة إلى خطوات إصلاحية أخرى مست مراكز النفوذ. ولهذه الأسباب وغيرها، كان من الطبيعي أن يكون لثورة 2011 خصوم داخليون وخارجيون عملوا على إفشالها أو الالتفاف عليها.
وفي حديثه مع “نون بوست”، يستبعد الصحفي الصريمي عودة أسرة صالح إلى حكم اليمن، لا سيما أن اليمن، من وجهة نظره، يتجه – نظريًا على الأقل – نحو نظام حكم لامركزي. ويرى الصريمي أنه إذا كانت هناك عودة محتملة لعائلة صالح ورموز نظام حكمه المخلوع، فقد تكون في إطار إقليم من الأقاليم، وحتى في هذا الإقليم سيواجهون صعوبات كبيرة قد لا تسمح لهم بالعودة. أما العودة لحكم اليمن بالكامل، فلا يعتقد الصريمي أن ذلك ممكن أو قابل للتحقق في ظل المعطيات الحالية.
ثمة من يرى أن المرحلة الحالية تحتم على اليمنيين توحيد صفوفهم في سبيل إنهاء الانقلاب الحوثي ضد الدولة اليمنية. ومن بين المتبنين لهذا الرأي عبدالكريم ثعيل، رئيس مجلس معتقلي الثورة الشبابية 11 فبراير، إذ يشير في حديثه مع “نون بوست” إلى ضرورة تحقيق مصالحة وطنية بين القوى السياسية والسياسيين وقيادات الدولة، بما فيهم أقارب صالح ورموز نظام حكمه، ومع الجميع وبين الجميع، بما لا يسقط حق الضحايا في التعويض والعدالة الانتقالية وفقًا لرأيه.
وبين دعوات المصالحة الشاملة، والتحذير من إعادة إنتاج الحكم العائلي، والتشديد على أولوية استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة اليمنيين على بلورة مشروع وطني جامع يتجاوز إرث الصراع، ويوازن بين العدالة والواقعية السياسية، ويضع أسس دولة قادرة على الصمود بعيدًا عن الوصاية والانقسام.