شهدت منطقتنا خلال العقد المنصرم تحولات كبرى، كان من بينها، أو على إثرها، إعادة صياغة الدستور في غير دولة عربية، من مصر إلى تونس ثم أخيرًا سوريا التي استفاقت على تحول دراماتيكي مذهل أواخر 2024.
ولطالما كانت العلاقة بين النص الدستوري والواقع السياسي في المنطقة العربية واحدة من أكثر الإشكالات تعقيدًا، فبينما يفترض بالدستور أن يرسّخ عقدًا اجتماعيًا يُقيد السلطة ويحمي حقوق الناس، إذ به أداة لترسيخ السلطة وإطالة أمد الاستبداد، ويمكن تعديله حين يلزم، خلال 10 دقائق، كما حدث في سوريا عام 2000.
ومع التحولات السياسية الكبرى التي نشهدها، أجد نفسي مهتمًا بتجارب الدستور في منطقتنا، لا سيما وأن 11 بلدًا عربيًا شهد منذ 2011، صياغة دساتير جديدة أو أجرى تعديلات أساسية على الدساتير القائمة أو أصدر إعلانًا أو وثيقة دستورية، وكنتُ أجريتُ حواراً مع البروفيسورة إليزابيث تومسون وهي باحثة أمريكية معروفة، بشأن أبحاثها عن تجارب المنطقة بالخصوص في الشام مطلع القرن العشرين، ولها كتاب “العدالة المعطلة: النضال من أجل حكومة دستورية في الشرق الأوسط”.
وفي هذا الحوار، نستعرض مع ناثان ج. براون (Nathan J. Brown)، الباحث الأمريكي البارز، وأحد أهم المراجع الغربية في فهم النظم الدستورية والسياسية العربية، وصاحب المؤلفات المهمة مثل “دساتير من الورق” و”المشاركة لا المغالبة”، رؤاه حول التعثر الدستوري العربي، ومستقبل التيارات الإسلامية، وتحديات الانتقال السياسي في دول مثل سوريا ومصر وتونس.
من هو ناثان براون؟
باحث أمريكي بارز في قضايا السياسة والحكم في العالم العربي، وأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ونالت أبحاثه العديد من الجوائز المرموقة، وهو زميل أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط، بمؤسسة “كارنيغي”.
حصل براون (68 عامًا) على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة شيكاغو، ودرجتي الماجستير والدكتوراه في السياسة ودراسات الشرق الأدنى من جامعة برينستون، ويُدرّس مساقات حول سياسات الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مساقات عامة في السياسة المقارنة والعلاقات الدولية.
مؤلفاته (الأحدث أولًا):
- المستبدون لا يحصلون دائمًا على ما يريدون، (Autocrats Don’t Always Get What They Want) – 2024 (بالاشتراك مع ستيفن د. شاف، وجوليان والر، وسامر عنبتاوي).
- الدولة والمجتمع في مصر الحديثة رد اعتبار وإعادة نظر، (Lumbering State, Restless Society) – 2021 (بالاشتراك مع شيماء حطب وعمرو عدلي).
- الجدل حول الإسلام بعد إحياء السياسة العربية، (Arguing Islam After the Revival of Arab Politics) – 2016.
- المشاركة لا المغالبة: الحركات الإسلامية والسياسية في العالم العربي، (When Victory Is Not an Option) – 2012.
- بين الدين والسياسة: الإسلاميون في البرلمانات العربية، (Between Religion and Politics) – 2010 (بالاشتراك مع عمرو حمزاوي).
- استئناف فلسطين العربية، (Resuming Arab Palestine) – 2003.
- دساتير من الورق: الدساتير العربية والسلطة السياسية، (Constitutions in a Non-Constitutional World) – 2001.
- القانون في خدمة من؟ القضاء في مصر والخليج، (The Rule of Law in the Arab World) – 1997.
- سياسة الفلاحين في مصر الحديثة، (Peasant Politics in Modern Egypt) – 1990.

اسمح لي أن أبدأ حواري معك بسؤال طرحته على البروفيسورة إليزابيث تومسون، والتي أثنت على أبحاثك في مجال الدساتير في المنطقة خلال إجابتها، وأحب أن أسمع إجابتك على ذات السؤال:
أين يتعثّر مشروع الدستور في المنطقة العربية عادة؟
يمكن للمرء القول إنها تتعثر في النص: فهي تحتوي على ثغرات، وبنود غامضة بشأن الحقوق، وأدوات لإفراغ إجراءات المساءلة من معناها، وما إلى ذلك.
لكن الفروق بين النصوص الدستورية السلطوية والديمقراطية حقيقية ولكن غالبًا ما يُبالغ فيها، وأعتقد أن موضع تعثرها الحقيقي يكمن في السياق السياسي أكثر من النص نفسه، فبدون قدر من التعددية داخل المجتمع وداخل المجال السياسي، من الصعب على أي دستور أن يعمل بطريقة ديمقراطية كاملة.
في كتابك “الدساتير في عالم غير دستوري”، جادلت بأن الأنظمة السلطوية تكتب الدساتير ليس لتقييد السلطة (كما هو دورها الافتراضي)، بل لتكريسها.
اليوم، وبعد موجة من التعديلات الدستورية في المنطقة خلال العقدين الأخيرين، هل تغيرت وظيفة الدستور العربي من “أداة للبقاء” إلى “أداة للإقصاء” المباشر للخصوم؟
أولًا، أود القول إن جميع الدساتير تقريبًا تُكتب لترسيخ السلطة، والدساتير الديمقراطية لا تختلف في هذا الصدد؛ فهي تقيد السلطات بطريقة ما، لكنها تحدد أيضًا تسلسل القيادة، وتمنح التفويض، وتوضح، وتُمكّن، وليس من قبيل المصادفة أن العديد من الدساتير تُكتب في خضم أزمات مالية أو عسكرية، وبالتالي فهي مصممة لدعم الدولة.
لكن ما يميز العالم العربي هو أن جميع الدساتير تقريبًا كتبتها أنظمة قائمة تسعى لترسيخ نفسها، فهي ليست مكتوبة من قبل قوى سياسية متنافسة تسعى لبلورة قواعد للعمل السياسي، ولا يكتبها نخب تحاول بناء دولة (أو إنقاذ واحدة في أزمة)، بل تكتبها أنظمة قائمة تسعى لإجراء تعديل، أو تعزيز، أو تبني توجه أيديولوجي جديد.
للحظة وجيزة بعد عام 2011، كان الأمر مختلفًا: كُتبت الدساتير من قبل قوى سياسية متنافسة تتفاوض (تونس)، أو كنتيجة لصراع غير محسوم (مصر)؛ وتم تعديلها (الأردن، المغرب) من قبل أنظمة قائمة تحاول المساومة مع منتقديها.
لكن ثمار هذه الجهود كانت ضئيلة، ومع ذلك، فإن فترة “عدم اليقين الدستوري” (والتفاؤل في كثير من الأحيان) تركت أثرًا، فالحركات والجهات الفاعلة السياسية أصبحت أكثر ميلًا لصياغة تطلعاتها في قالب دستوري مقارنة بالسابق؛ واللغة الدستورية باتت تُسمع بشكل متكرر في المجال العام.
ما أكبر التحديات التي تواجه عملية صياغة الدساتير في المنطقة العربية، حسب ما خلصت إليه أبحاثك؟
كما أشرت، فإن التحدي الأبرز هو الاستبداد بحد ذاته، فطالما بقيت السلطة محتكرة، لا يمكن أن تكون هناك عملية دستورية تُفضي إلى أي شيء سوى الاستبداد، بل في الواقع، فإن كتابة دستور يسمح بمساءلة ومنافسة حقيقية ستشكل تهديدًا.
لكن أعتقد أن هناك تحديًا ثانيًا أيضًا، حتى لو وُجدت التعددية في الواقع، فإن قبول التعددية كان أقل وضوحًا بكثير، أو حيثما بدا أنها ظهرت – على سبيل المثال في مصر عام 2011 – سرعان ما انهارت تحت وطأة انعدام ثقة عميق.
كيف تنظر للمادة الثانية من الدستور (المصري وغيره في باقي الدساتير، التي تعد الإسلام دين الدولة والشريعة المصدر الأساس في التشريع) هل هي مادة ذات تأثير قانوني حقيقي، أم أنها مجرد نص فلكلوري؟
ومن واقع أبحاثك، هل تستحق الجدل والصراع الذي تصنعه هذه المادة في كل مرة يجلس الخبراء لصياغة دستور جديد في المنطقة العربية؟
كانت الآثار القانونية لهذه البنود محدودة، أعتقد أن هناك نصوصًا تتعلق بالدين يمكن أن تكون لها آثار (على سبيل المثال، تلك التي تضع قانون الأسرة على أساس ديني) لكن هذه البنود ليست من بينها، ولكي يكون لها تأثير حقيقي، يجب أن تكون البنود (1) أكثر تحديدًا، أو (2) تُعين سلطة لتحديد أي تفسير للشريعة هو الملزم. فالمعنى القانوني يتحدد بأسئلة “مَن” بقدر ما يتحدد بأسئلة “ماذا”.
ومع ذلك، لا أستخف بهذه البنود، لأنها تجذب الانتباه والنقاش، وتشكل نقاط ارتكاز للحجج الدستورية. من الصعب فهم الانخراط الأعمق في صياغة الدستور على مدى العقدين الماضيين دون إدراك الطريقة التي ارتبط بها الدين بالنص الدستوري.
هل اطلعت على تجربة ونص الإعلان الدستوري السوري الجديد 2025، ما رأيك بالتجربة والنص؟ وما رسالتك لسوريا بخصوص دستورها الدائم؟
رسالة الوثيقة هي: “سوريا لديها رئيس، وهو سيشرف على الانتقال”.
أما الرسالة التي أود تقديمها فهي: “ستدفعون ثمنًا على المدى الطويل إذا نظرتم إلى الدستور كمكان لتسجيل هيمنتكم، بدلًا من اعتباره ساحة لمجتمع منقسم بعمق ومصدوم لإيجاد طرق لإعادة بناء نظامه السياسي”.
في كتابك “المشاركة لا المغالبة“، طرحت فكرة أن الحركات الإسلامية تشارك لتبقى لا لتحكم. اليوم بعد عقد من الصراع الصفري، هل أصبح “البقاء” نفسه خيارًا مستحيلًا؟ وهل انتهى نموذج “جماعة الإخوان المسلمين” التنظيمي بشكله التقليدي؟
إنه يمثل نهاية المشروع السياسي للجماعة، على الأقل في المستقبل المنظور. وأعني بذلك الفكرة القائلة بأن الطريقة المثلى للسعي وراء هدف الجماعة هي من خلال العملية السياسية. ونعم، يصبح البقاء هدفًا بحد ذاته. فالبعض داخل الحركة – التي يبلغ عمرها الآن قرنًا من الزمان – يرون أن رسالتهم طويلة الأمد، وبالتالي فإن الحفاظ على التنظيم يصبح إنجازًا مهمًا، خاصة في سياق القمع الشديد.
هل ترى أن الدولة العربية سمحت للإسلاميين بالوصول إلى السلطة يومًا دون أن تحتفظ بحق سحبها متى شاءت؟
أعتقد أن السؤال يخلط بين الدولة والنظام -وهذا ما تفعله العديد من الأنظمة-، فهي ترى أن الحفاظ عليها مساوٍ للحفاظ على الدولة نفسها، وهذا ما يجعل من الصعب قبول أي تداول للسلطة، سواء مع الإسلاميين أو غيرهم.
هل تجربة الإسلاميين في الحكم (في مصر وتونس) كان فشلًا في “الأيديولوجيا” أم فشلًا في “الإدارة” والبيروقراطية؟ وهل من رسائل بهذا الخصوص لسوريا اليوم؟
بمعنى ما، ونظرًا لتاريخ هذه المجتمعات، والتشكيل السياسي، والتحديات، فإن النجاح كان سيشكل مفاجأة إلى حد ما، كانت هناك حسابات خاطئة بالتأكيد، لكنني لا أعتقد أنها كانت حكرًا على الإسلاميين.
إن الوضع في سوريا مختلف تمامًا – فهو مجتمع يتعافى من أكثر من عقد من العنف المروع والنزوح؛ ومجتمع أصبحت فيه الخلافات السياسية عسكرية. هذا وضع مختلف لدرجة أنني سأبحث عن دروس في مكان آخر – في المجتمعات الخارجة من صراعات أهلية مماثلة.
لماذا تبدو عمليات الانتقال السياسي في العالم العربي أكثر تعثرًا مقارنة بمناطق أخرى من العالم، أمريكا اللاتينية أو شرق أوروبا مثلًا؟ وما سبب هذا التعثر برأيك؟
لا أعتقد أنها أكثر هشاشة وطويلة الأمد. قد تكمن المشكلة في كلمة “انتقال” (transition) نفسها – فهي توحي بوجود بداية ونهاية واضحتين. فالسياسة لم تبدأ عند نقطة محددة ولن تنتهي أبدًا، وما بدا وكأنه انتقال محدد بدقة في بعض السياقات (مثل روسيا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات) يبدو مختلفًا جدًا اليوم.
هل لا تزال مفردات مثل “التحول الديمقراطي” صالحة للاستخدام، أم يجب علينا ابتكار قاموس سياسي جديد لوصف ما يحدث في المنطقة؟
أعتقد أننا إذا فهمنا السياسة فقط كتحرك نحو الديمقراطية أو ابتعاد عنها، فإننا نغفل معظم ما يجري، لدينا مفردات غنية حول السياسة لا ينبغي اختزالها في البعد الوحيد المتمثل في درجة الديمقراطية.
كيف يمكن للمجتمع المدني السوري اليوم، -وربما ينطبق هذا على المجتمع المدني في مصر وتونس وغيرها أيضًا- توسيع هوامش الحرية لديه، وتوسيع تمثيله من غير أن يصطدم مع السلطة؟
بالطبع ستدخل في مواجهة؛ وقد يكون الهدف هو إدارة هذه المواجهة والعمل على وضع قواعد سياسية لحماية قدر من النقاش. لا يوجد طريق سحري لمثل هذه النتيجة، لكن أي ‘مجتمع مدني’ ليست له جذور عميقة في المجتمع، من المرجح أن يسهل احتواؤه.
هل ترى أن طبيعة “المجتمع المدني” في المنطقة تغيّرت؟ مثلًا هل انتقلنا من مرحلة “المطالبة بالحقوق” إلى مرحلة “استراتيجيات النجاة”؟
أعتقد أن التغيير الأكبر قد يكمن في الطريقة التي أصبحت بها “اللاسمية” أكثر قوة، في حين تخضع السياسة الرسمية لرقابة صارمة للغاية، قد تكون هناك مساحة ضئيلة للتنظيم العمالي أو الحزبي في بعض البلدان، ولكن هناك نقاشات أكثر تطورًا تدور خارج تلك القنوات، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في المحادثات الشخصية. هذا انطباع، وليس نتيجة بحثية، لكنني أجد ببساطة أن القليل من الأنظمة تسيطر على عقول رعاياها حتى لو كانت تسيطر على جميع الأدوات القانونية.
اسمح لي بهذا السؤال الختامي أيضًا، بصفتك باحثًا غربيًا، كيف تتعامل مع تهمة “الاستشراق” أو فرض نظريات غربية على واقع عربي معقد؟
كيف تضمن أنك “تسمع” المنطقة بدلًا من أن “تُحاضر” عليها؟ وهل تعتقد أن هناك أسئلة لا يطرحها الباحثون العرب عن دولهم؟
لم يسبق أن وُجهت إليّ تهمة “الاستشراق”، وسيقع عبء الإثبات على المُتّهِم إذا ما وُجهت إليّ تهمة كهذه. ولست معنيًا باستباقها.
ما أحاول فعله هو بالضبط ما تقترحه: الاستماع. وهذا يعني أمرين: الاستماع إلى الناس الذين أدرسهم، والاستماع إلى أولئك الذين يدرسونهم (زملائي الأكاديميين) بغض النظر عن لغتهم أو جنسيتهم أو تخصصهم. أنا أنشر كتاباتي لا لإلقاء المحاضرات بل للتفاعل والمشاركة – وأسعد عندما أتلقى ردًا جادًا من زملائي؛ وأكون أكثر سعادة عندما أتلقى ردًا جادًا ممن أدرسهم (سواء كانوا إسلاميين كويتيين أو قضاة مصريين).
أعتقد أن التمييز بين باحثين عرب “يدرسون أنفسهم” وباحثين غربيين “يحاضرون عليهم” هو تمييز ليس خاطئًا، ولكنه تضاءل بشكل كبير خلال مسيرتي المهنية. فالمثقفون منفتحون بشكل متزايد على بناء مجتمعات معرفية عالمية بدلًا من مجتمعات وطنية. وهم جريئون في أسئلتهم.
للأسف، هناك الآن عاملان سياسيان فاعلان قد يقوضان هذا الاتجاه الإيجابي للغاية: القيود المفروضة على أبحاث العلوم الاجتماعية في العالم العربي؛ والقيود المفروضة على السفر، لاسيما من قبل القيادة الأمريكية الحالية.
هذا الحوار هو الثالث من سلسلة حوارات مكتوبة أجريها مع باحثين ومفكرين غربيين، كانت لهم نتاجات أكاديمية أو فكرية قيّمة في قضايا تمسّ منطقتنا العربية أو تستكشف العلاقات العربية الغربية، وتهدف بشكل أساسي لفهم ما يدور في العقل الغربي عن منطقتنا، الحوار الأول كان مع الباحث دانيال زغبي والثاني مع البروفيسورة إليزابيث تومسون.