بعد انقطاع دام 6 أعوام، وصلت أول شحنة نفط فنزويلية إلى “إسرائيل” عقب إطاحة الولايات المتحدة بنيكولاس مادورو رئيس الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية وسيطرتها على الصادرات الفنزويلية من هذه المادة.
وقالت وكالة بلومبيرغ الأمريكية في 10 فبراير/شباط 2026 إن هذه الشحنة – التي تنقلها شركة بازان الإسرائيلية، كبرى شركات التكرير في حيفا – يتم التكتم عليها إعلاميًا انسجامًا مع سياسة “تل أبيب” في إخفاء مصادر النفط الذي تستخدمه لتغذية آلتها العسكرية.
هذا التقرير يستعرض التفاصيل الكامنة خلف الشحنة، ويرصد شبكة الإمدادات النفطية لـ”إسرائيل”، ويبحث في استفادة “تل أبيب” من الانقلاب الأمريكي في كاراكاس، مع إبراز الجانب السياسي والاقتصادي لهذه الصفقة.
ما تفاصيل الشحنة الأخيرة؟
بحسب بلومبيرغ وما نقلته مواقع مختلفة، فإن شحنة الخام الفنزويلي المرسلة إلى مصافي بازان في حيفا هي الأولى منذ منتصف 2020.
في ذلك العام استوردت “إسرائيل” نحو 470 ألف برميل من النفط الفنزويلي، ثم انقطعت الإمدادات نتيجة العقوبات الأمريكية على فنزويلا.
العقد الحالي لم يُعلن رسميًا، كما رفضت وزارة الطاقة الإسرائيلية التعليق على هوية المورد، بما يعكس سياسة التعتيم التي تنتهجها “تل أبيب” لإخفاء مصادر تمويل حربها.
الشحنة تأتي في إطار اتفاقات بيع أبرمتها واشنطن مع الحكومة الانتقالية التي عيّنتها بعد اعتقال مادورو، وتتضمن تصدير ملايين البراميل من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
ما حجم استهلاك “إسرائيل”؟
وفقًا لبيانات CEIC Data، بلغ استهلاك “إسرائيل” من النفط الخام 206.941 ألف برميل يوميًا في ديسمبر/كانون الأول 2024، منخفضًا من 218.151 ألف برميل يوميًا في 2023.
هذا الرقم يعكس حجم الطلب على مشتقات الوقود لتشغيل الآلة العسكرية والصناعية في ظل الحصار والعدوان على غزة.
ومع انقطاع الإمدادات المحلية ومع عدم وجود إنتاج يذكر، تعتمد “إسرائيل” على الواردات بنسبة تقارب 100 %.
البنية التحتية للتكرير تعتمد على مصفاتين رئيسيتين:
- مصفاة حيفا (مجموعة بازان): بطاقة تكريرية تصل إلى حوالي 197 ألف برميل يومياً.
- مصفاة “أشدود” (باز للنفط): بطاقة تكريرية تبلغ حوالي 100 ألف برميل يومياً.

ما مصادر الإمداد الرئيسة؟
1- أذربيجان وكازاخستان: تقرير لمنظمة Oil Change International عن الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 يبين أنهما زودتا “تل أبيب” بنحو 70 % من النفط الخام المستورد.
بيانات رويترز لعام 2025 تشير إلى أن واردات الخام الأذربيجاني عبر ميناء جيهان التركي بلغت 94 ألف برميل يوميًا، أي 46.4 % من إجمالي واردات “إسرائيل”.
تقرير لصحيفة الغارديان يستند إلى بيانات ملاحية أشار إلى أن نحو 1.44 مليون طن من النفط الأذربيجاني نُقلت إلى “إسرائيل” منذ أكتوبر 2023 عبر خط الأنابيب باكو–جيهان. كما وصلها 600 ألف طن من خليط خام كازاخستان/روسيا.
2- روسيا: رغم العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا، حافظت روسيا على موقعها كثاني أكبر مورد للنفط إلى “إسرائيل”، بحصة تبلغ حوالي 28%.
وتعتمد “إسرائيل” على النفط الروسي لتشغيل مصافيها التي تتطلب خامات أثقل من الخام الأذري الخفيف.
3- الولايات المتحدة: المورد الوحيد لوقود الطائرات العسكري JP‑8 المخصص لسلاح الجو الإسرائيلي، ما يؤكد تورطها المباشر بتمويل العدوان على غزة.
4- البرازيل وغرب إفريقيا ودول أوروبية
-
البرازيل: أصبحت مورداً متزايد الأهمية للخام في عامي 2023 و2024، لكن الإمدادات تراجعت إلى الصفر بفعل استمرار العدوان على غزة.
-
الغابون ونيجيريا: توفران إمدادات إضافية للخام من غرب إفريقيا.
- اليونان وإيطاليا وقبرص: ترسل منتجات مكررة أخرى إلى “إسرائيل”.

ما الأرقام والمصادر الحقيقية؟
تتجنب وزارة الطاقة الإسرائيلية الحديث عن مصدر النفط المستورد، وتستخدم الناقلات المتجهة إلى “إسرائيل” تقنيات متقدمة للإخفاء:
- التلاعب بنظام AIS: ترسل السفن بيانات موقع مزيفة (Spoofing) لتظهر وكأنها راسية في موانئ محايدة بينما هي في الواقع تفرغ حمولتها في حيفا أو عسقلان، كما تتحايل برفع أعلام دول أخرى.
- النقل من سفينة إلى أخرى (STS): يتم نقل النفط من الناقلات الكبيرة القادمة من فنزويلا أو روسيا إلى سفن أصغر في مناطق مثل قبالة سواحل اليونان أو قبرص، لقطع سلسلة التتبع الرقمي وإخفاء المصدر الأصلي.
هذا النهج يهدف إلى تفادي الضغط الشعبي والدولي على الموردين، خاصة بعد أن قضت محكمة العدل الدولية بأن حكومة الاحتلال ترتكب جريمة الإبادة الجماعية في غزة.
ما مكاسب “إسرائيل” النفطية؟
1- بوليصة تأمين: وصول النفط من فنزويلا يعني أن الشحنات تعبر المحيط الأطلسي ومضيق جبل طارق، وهي مسارات بعيدة تماماً عن تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر أو التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز.
فمن خلال استبدال الاعتماد على موردين محاطين بالمخاطر (مثل الطريق عبر تركيا) بشريك جديد في نصف الكرة الغربي يمتلك احتياطيات هائلة وتوجهاً سياسياً موالياً، تعيد “إسرائيل” رسم خارطة أمنها القومي.
هذا يمنح “إسرائيل”، “بوليصة تأمين” استراتيجية في حال اندلاع نزاع إقليمي يغلق ممرات الطاقة التقليدية في الشرق الأوسط.
2- نوعية مطلوبة: الخام الفنزويلي (Merey 16) يتميز بكثافته العالية ومحتواه الكبريتي المرتفع. وهو بديل أفضل لمصفاة بازان من تكرير الخامات الخفيفة باهظة الثمن.
3- هامش ربح: تُباع خامات فنزويلا عادة بخصم كبير مقارنة بأسعار برنت أو الخام الأذري الخفيف. في الاتفاق الأمريكي مع الإدارة المؤقتة في ذلك البلد (لتصدير 30 إلى 50 مليون برميل من الخام إلى الولايات المتحدة بقيمة ملياري دولار)، بلغ الخصم نحو 22 دولارًا تحت سعر برنت.
4- التخلص من الضغوط: ترى “تل أبيب” في السيطرة الأمريكية على فنزويلا فرصة ذهبية تسمح لها بالاستفادة من النفط الرخيص دون التعرض لضغوط سياسية، مستفيدة من التعتيم الإعلامي وتسهيلات واشنطن.
هذا يعني أن “إسرائيل” الحليف الأول للويلات المتحدة، يمكنها الحصول على خام ثقيل بأسعار متدنية، وهو ما يخفف فاتورة الواردات ويمكّنها من مواصلة حربها رغم مقاطعات بعض الأسواق.