أعاد قرار الحكومة المصرية بعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الوزاري، بعد موافقة مجلس النواب (البرلمان) عليه في جلسته المنعقدة يوم الثلاثاء 10 فبراير/شباط، فتح باب واسع من النقاش داخل الأوساط الإعلامية وبين قطاعات من الرأي العام، فالخطوة لم تمر باعتبارها تعديلًا إداريًا عاديًا، بل بدت للكثيرين إشارة سياسية تحمل دلالات تتجاوز فكرة استحداث حقيبة وزارية.
منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 ظل موقع وزير الإعلام حاضرًا بوصفه نقطة خلاف مستمرة، بين من ينظر إليه باعتباره ضرورة وطنية في ظل ما تواجهه الدولة من تحديات داخلية وخارجية، وأداة محكمة لضبط المشهد وتعزيز الرسالة الرسمية، وأخرون يربطون المنصب تاريخيًا بفكرة الوصاية على المجال العام، وأنه قد يتحول إلى أداة لتقييد الحريات والتأثير في استقلالية وسائل الإعلام، وبين هذين التصورين ظل المقعد واحدًا من أكثر المواقع إثارة للانقسام في الحياة السياسية المصرية.
وقد غاب هذا المنصب عن الهيكل الحكومي في عام 2014، عندما قررت حكومة المهندس إبراهيم محلب إلغاء الوزارة، مع الإبقاء على إدارة القطاع من خلال مؤسسات بديلة تمثلت في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام.
وعلى امتداد ما يزيد على سبعين عامًا، عرفت الحقيبة الإعلامية تحولات متعددة في الاسم والاختصاص؛ فمن “الإرشاد القومي” في أعقاب ثورة 1952، إلى “وزارة الإعلام”، ثم “وزارة الدولة للإعلام” في ظل نقاش لا يتوقف حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة في المجال الإعلامي، وحدود العلاقة بين التنظيم والرقابة، والضبط والاستقلالية.
اليوم، ومع عودة الوزارة إلى الواجهة رغم استمرار عمل الهيئات المنظمة، تتجدد الأسئلة ذاتها ولكن في سياق مختلف: ما المبررات التي دفعت إلى استعادة هذا المنصب؟ وكيف ستتوزع الصلاحيات بينها وبين المؤسسات القائمة بالفعل؟ وهل تمثل العودة إعادة تعريف لدور الدولة في إدارة الإعلام أم مجرد إعادة ترتيب للأدوات؟
هل الإعلام المصري بحاجة لوزارة؟
بموجب دستور عام 2014 تشكّلت في مصر بنية مؤسسية لإدارة المجال الإعلامي تقوم على ثلاث هيئات رئيسية، أُنيط بها تنظيم القطاع والإشراف عليه، كلٌّ وفق اختصاصات محددة يفترض أنها ترسم حدود العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام.
الهيئة الأولى هي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية وباستقلال فني ومالي وإداري، إضافة إلى موازنة خاصة، ويتولى المجلس تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي، إلى جانب الصحافة المطبوعة والرقمية وغيرها من الوسائط.
كما ينص الدستور على مسؤوليته عن حماية حرية الصحافة والإعلام، وصون الاستقلال والحياد والتعددية، ومنع الممارسات الاحتكارية، فضلًا عن متابعة مصادر التمويل داخل المؤسسات الصحافية والإعلامية.
أما الهيئة الثانية فهي الهيئة الوطنية للصحافة، وتختص بإدارة المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة، والعمل على تطويرها وتعظيم مواردها وتنمية أصولها بما يضمن استمراريتها وقدرتها على أداء دورها.
وتأتي ثالثًا الهيئة الوطنية للإعلام، المعنية بإدارة وتطوير المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية التابعة للدولة، مع السعي كذلك إلى تنمية أصولها وتحسين كفاءتها.
وفق هذا البناء المؤسسي، تبدو المنظومة مكلفة بالإشراف على مختلف مسارات الإعلام، المقروء والمسموع والمرئي، ومن ثم يبرز تساؤل جوهري حول المغزى من إعادة وزارة الإعلام، طالما أن هذه الهيئات الثلاث تتقاسم – نظريًا – إدارة المشهد بأكمله عبر منافذه المختلفة.
إذًا.. لماذا عادت؟
بحسب بيان المتحدث باسم رئاسة الجمهورية فإن عودة وزارة الإعلام مرة أخرى تأتي ضمن تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتشديد على تبصير الرأي العام بالحقائق، «من خلال إعلام وطني قادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع المصري، وتقديم خطاب مهني مسؤول إليهم، يُشكل وعيًا جمعيًا أمام ما نواجهه من تحديات وما يُنشر من شائعات، ويعزز من ثقافة الحوار البناء، وتنمية القدرة على التفكير السليم، واحترام آراء الآخرين».
في هذا الإطار جاء اختيار ضياء رشوان لتولي الحقيبة، بصفته الشخص المناسب لتلك المهمة، فالرجل يشغل منذ عام 2017 رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية، كما اضطلع بدور منسق الحوار الوطني الذي دعت إليه الرئاسة، وخلال العام الماضي كان من بين المشاركين في تأسيس حزب الجبهة الوطنية، الذي خرج من عباءة اتحاد القبائل العربية برئاسة رجل الأعمال إبراهيم العرجاني.
ويرى مراقبون أن خطوة إعادة الوزارة تعبر عن قناعة لدى دوائر صنع القرار بوجود حاجة إلى آلية أكثر مركزية لإدارة المشهد الإعلامي، خاصة في ظل ما تعتبره الدولة تحديات متسارعة في بيئة الاتصال وتدفق المعلومات.
فبرغم الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت في القطاع خلال السنوات الماضية، وتدشين شركة خاصة لإدارة المشهد الإعلامي برمته ( الشركة المتحدة) مملوكة بشكل أو بأخر لجهاز المخابرات، ظل الأداء الإعلامي محل تقييم ونقاش مستمرين، واعتُبر في أحيان كثيرة من الملفات التي تتطلب إعادة ضبط أو تطوير.
وطالما أعرب السيسي مرارًا عن إعجابه الشديد بتجربة إعلام عبدالناصر، حيث الصوت الواحد والرسالة الواحدة، من خلال الهيمنة على كافة منافذ الوعي العقلي والمجتمعي، وهو النموذج الذي حاول استنساخه مرات عدة منذ توليه السلطة.
ماذا يمكن أن تضيفه؟
في ظل استمرار عمل الهيئات الثلاث المنصوص عليها دستوريًا، تذهب أصوات إلى أن إعادة وزارة الإعلام تعكس توجّهًا نحو تعزيز الطابع المركزي في إدارة المنظومة الإعلامية، ووفق هذا الرأي، فإن استحداث مستوى وزاري جديد قد يعني السعي إلى إحكام القبضة على مختلف المنابر، العامة والخاصة، بما يتيح قدرًا أكبر من توحيد القرار وتوجيه الرسائل تحت إشراف مباشر من القيادة السياسية.
ومن منظور مشابه، يُفهم أن الخطوة قد ترتبط برغبة في بلورة استراتيجية إعلامية أكثر تماسكا، تقوم على تقليل تباين الخطاب في مواجهة الانتقادات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها الدولة، ولا سيما في الملفات السياسية والحقوقية، فبدل من تعدد مراكز المبادرة، يميل هذا التصور إلى ترجيح كفة الصوت الموحد، حتى وإن تعددت أدوات التعبير عنه.
وفي هذا السياق يكتسب اختيار ضياء رشوان دلالة خاصة لدى أصحاب هذا الطرح، بحكم خبرته على رأس الهيئة العامة للاستعلامات، التي اضطلعت لسنوات بدور أساسي في مخاطبة الإعلام الدولي والرد على ما تعتبره الدولة روايات غير دقيقة.
ويرى هؤلاء أن الوزارة قد تتحول، عمليًا، إلى منصة دفاعية تجميلية متقدمة مهمتها الأساسية إدارة صورة الدولة وترميم تشوهاتها والتصدي للحملات الناقدة، في الداخل والخارج على السواء.
بناء على ذلك، تُقرأ العودة لدى قطاع من المراقبين باعتبارها خطوة أقرب إلى إعادة ترتيب أدوات النفوذ والتحكم في المجال الإعلامي، أكثر من كونها مجرد إضافة تنظيمية تستهدف التنسيق بين المؤسسات القائمة.
وزارة الإعلام.. من التوجيه إلى السيطرة
على مدار أكثر من سبعين عامًا، تغيّرت صورة وزارة الإعلام في مصر ووظيفتها في الوعي العام، لتنتقل مع مرور الوقت من مجرد نافذة رسمية لنقل سياسات الدولة وتعزيز الشعور الوطني، إلى أداة ارتبطت بتوسيع نفوذ السلطة على المجالين الثقافي والإعلامي، ومحاولة توجيه الرسائل بما يؤثر في تشكيل الرأي العام.
مثل هذا التحول الوظيفي طيلة العقود السبعة الماضية وضع الوزارة في قلب نقاش لا يتوقف خاصة في بعض المحطات الحرجة التي مرت بها الدولة المصرية والتي لعبت فيها الوزارة دورًا مؤثرًا في توجيه الرأي العام بما هو عكس عقارب المنطقة والحقيقة، أبرزها خلال نكسة يونيو/حزيران 1967 وفي ثورة يناير/كانون الثاني 2011.
تعود جذور الوزارة إلى ما بعد ثورة 23 يوليو 1952، حين تأسست تحت اسم وزارة الإرشاد القومي لتتولى إدارة الخطاب الرسمي داخليًا وخارجيًا، ومع تعاقب العهود، تبدلت الأسماء والهياكل، وانفصلت الثقافة عن الإعلام ثم عادت بعض الاختصاصات وتداخلت، بينما ظل الهدف المعلن هو تنظيم الرسالة العامة وبناء مؤسسات قادرة على التعبير عن توجهات الدولة.
وخلال حقبتي السادات ومبارك ترسخت الوزارة كجهاز مركزي يقود الإذاعة والتلفزيون والصحافة القومية، مع اهتمام متزايد بصورة مصر في الخارج وتطوير أدوات البث، حيث تحولت خلال تلك الفترة إلى “شرطي” في زي مدني منمق يدافع عن سردية الدولة ويروج لها.
بعد ثورة يناير 2011 دخلت الوزارة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار بين الإلغاء والعودة تحت مسمى “وزارة الدولة للإعلام”، وتناوب على إدارتها أكثر من مسؤول في ظل تحولات سياسية حادة. ثم ألغيت مرة أخرى قبل أن تعود حاليًا إلى التشكيل الحكومي برئاسة ضياء رشوان.
في المحصلة، تعيد عودة وزارة الإعلام إلى الواجهة إحياء هواجس قديمة لدى قطاعات من المتابعين، ممن يرون في الخطوة احتمالًا لتكريس مزيد من المركزية والحد من المساحات المتاحة أمام الحريات الإعلامية المنقوصة بطبيعة الحال، ويذهب هؤلاء إلى التساؤل عما إذا كانت إعادة الحقيبة ستعني عمليًا نهاية ما تبقى من استقلال نسبي لبعض المنابر، أم أن ثمة تصورًا مختلفًا قد يتبلور في التطبيق.
في المقابل، يطرح آخرون احتمال أن تفرض التحولات المتسارعة والتحديات الداخلية والخارجية مقاربة جديدة، ربما تدفع نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والإعلام، وتفتح الباب أمام أدوار مغايرة عما ترسخ في الأذهان.
بين هذين الاحتمالين يبقى السؤال معلقًا: هل تمضي الأمور نحو مزيد من الإحكام والسيطرة، أم نحو صيغة توازن مختلفة؟ هذا ما ستكشفه الممارسة العملية للوزارة في الأيام المقبلة.
