في وقت متأخر مساء الأربعاء 10 فبراير/شباط 2026، أجرى الرئيس رجب طيب أردوغان تعديلًا وزاريًا طال انتظاره، إذ عين المدعي العام في إسطنبول أكين جورليك ليحل محل وزير العدل يلماز تونش، فيما عيّن والي أرضروم مصطفى تشيفتشي ليحل محل وزير الداخلية علي يرلي كايا.
وهذا أول تعديل وزاري بعد الانتخابات الصعبة التي خاضها الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية في أيار/ مايو 2023، ولكنها مكنت العدالة والتنمية مع الحركة القومية من تشكيل الحكومة التي تولى فيها علي يرلي كايا للمرة الأولى منصب وزير الداخلية، التي شهدت خلال فترة توليه تركيزًا على مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات وضبط الهجرة غير النظامية، وتعرض خلالها اللاجئون السوريون لتشديدات أمنية قاسية وتعرض العشرات للترحيل قبل سقوط نظام الأسد.
وكان حزب العدالة والتنمية عقب اجتيازه انتخابات 2023 يرغب بالتوجه نحو إجراء إصلاحات تشريعية وتعزيز الرقابة القضائية، ما جعل استقلال القضاء في قلب النقاش والصراع السياسي، وذلك بسبب التحقيقات التي طالت سياسيين ورؤساء بلديات من المعارضة.
وأثارت التعيينات الجديدة موجة من الترحيب والمعارضة في آن، نظرًا لخلفية الرجلين وإرثهما.. فمن هما، وما ردود الفعل على التعديل الوزاري الجديد؟
من هو مصطفى تشيفتشي.. وزير الداخلية الجديد؟
كان لقب “الوزير الحافظ” هو أول رد فعل شعبي على تعيين مصطفى تشيفتشي وزيرًا للداخلية، إذ امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهاته وهو يتلو القرآن، ولاسيما مشاركته العام الفائت في المسابقة التي نظمتها مديرية الشؤون الدينية للحفّاظ في أرزينجان وحصوله على المركز الأول فيها.
وقال تشيفتشي عن حفظه للقرآن الكريم: “في عام 1983، أتممتُ حفظ القرآن الكريم في مركز هافزان نورانية التابع لمديرية الشؤون الدينية في قونية، تحت إشراف المرحوم إسماعيل كيتنجي. مرت منذ ذلك الحين حوالي 41 عامًا، ولم أنقطع عن القرآن الكريم قط، بل كنتُ أخصص ساعة يوميًا لدراسته”.
ولد تشيفتشي عام 1970 في قضاء تشومرا بمدينة قونية، وتخرج من ثانوية الأئمة والخطباء في قونية عام 1990، ثم تخرج من جامعة أنقرة عام 1995 من كلية العلوم السياسية، قسم الإدارة العامة، ثم في عام 2007 حصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة والعلوم السياسية من معهد العلوم الاجتماعية بجامعة سلجوق وتخرج من كلية الإلهيات بجامعة أنقرة عام 2011، وفي عام 2012 حصل على درجة ماجستير أخرى في الإدارة العامة من معهد العلوم الاجتماعية بجامعة فان يوزونجو ييل، ويواصل حاليًا دراسته في كلية الحقوق بجامعة أنقرة.
في هذه السيرة التعليمية الحافلة والمستمرة نرى انعكاس الفلسفة التي يؤمن تشيفتشي بها، ويقول عن هذا: “يشيخ الإنسان في اليوم الذي يتوقف فيه عن التعلم؛ والشخص الذي يتخلى عن التعلم يكون عجوزًا سواء كان عمره عشرين أو ثمانين عامًا”، كما هو منشور ضمن صفحة سيرته الذاتية في موقع ولاية أرضروم.

يُتقن الوزير مصطفى اللغتين الإنجليزية والعربية، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال.
بدأ حياته المهنية كمرشح لمنصب القائم مقام في قونية في الدورة الخامسة والثمانين، وشغل منصب القائم مقام في عدة مدن تركية، ثم انتقل إلى الإدارة المركزية فشغل منصب رئيس قسم في المديرية العامة لشؤون الموظفين بوزارة الداخلية، ثم أصبح السكرتير الخاص وكبير مستشاري رئيس مجلس الأمة التركي الكبير، وبين عامي 2018 و 2023 شغل منصب والي تشوروم.
وكان واليًا على أرضروم منذ عام 2023 قبل أن يصدر قرار تعيينه وزيرًا للداخلية.
يُحسب الوزير تشفتشي على التيار المحافظ، وعندما كان واليًا لولاية تشوروم، شارك في فعالية إحياء ذكرى إسكيليبلي عاطف هوجا عند قبره، ما أثار جدلًا واسعًا في تركيا لأن عاطف هوجا شخصية شديدة الحساسية في الذاكرة الجمهورية، فقد أُعدم عام 1926 بعد إدانته من قبل محكمة الاستقلال بتهمة معارضة إصلاحات الجمهورية وعلى رأسها قوانين اللباس.
ويرى أنصار التيار المحافظ عاطف هوجا مظلومًا وشهيدًا بسبب أفكاره الدينية، بينما تعتبره الأوساط الكمالية والرسمية التقليدية معارضًا للنظام الجمهوري.
أعادت مشاركة الوالي السابق في مراسم الإحياء فتح النقاش حول علاقة الدولة الحالية بإرث محاكم الاستقلال وحدود الرمزية الدينية في الفضاء الرسمي.
ويعرف الوزير الجديد بقربه من حياة الناس وقدرته على التواصل بشكل جيد مع المجتمع، وفي أول تصريحاته عقب صدور قرار تعيينه ودع أهل أرضروم وداعًا عاطفيًا:
“أشعر بالحزن، ثمة حزنٌ ينبع من الرحيل، ولكن من جهة أخرى، أغادر أرضروم بشعورٍ من الطمأنينة، لعلمي أنني أديت واجبي على أكمل وجه، خلال فترة وجودي هنا، سعينا جاهدين، مع جميع زملائنا وشركائنا في العمل، لتحسين الإنتاج والتوظيف، والأمن والنظام العام في مدينتنا.”
وفيما يتعلق بمهامه الجدية كوزير للداخلية قال: “المهمة التي اضطلعنا بها صعبة للغاية، أسأل الله أن يكون عونًا لنا وهداية. سنعمل بلا كلل بكل جهودنا لمكافحة الجرائم ضد الأفراد والجرائم ضد الممتلكات وجرائم المخدرات والهجرة غير النظامية”.
من هو أكين غورليك.. وزير العدل الجديد؟
بينما انشغلت الأوساط المقربة من حزب العدالة والتنمية بشخصية وزير الداخلية الجديد وما يحمله من إرث ثقافي وهوية وطنية راسخة، أثار تعيين النائب العام في إسطنبول أكين غورليك وزيرًا للعدل سخط الأوساط المعارضة، إذ يعد منذ تعيينه نائبًا عامًا في إسطنبول 2024 المسؤول الرئيسي عن فتح ملفات تحقيق استهدفت حزب الشعب الجمهوري، بما في ذلك تحقيقات مع رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو بتهم فساد مالي، والذي يقبع في السجن منذ اعتقاله في مارس/آذار من العام الماضي إضافة لرؤساء بلديات معارضين آخرين.
وتخشى المعارضة من توسع هذه التحقيقات مع زيادة صلاحيات غورليك لتشمل ولايات أخرى، مثل العاصمة أنقرة التي يترأس بلديتها منصور يافاش.
ولد غورليك في مدينة نيف شهير عام 1982، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة مرمرة عام 2005، وبعد العمل في مدن ومناطق مختلفة، عُيّن في إسطنبول وشغل منصب عضو في المحكمة الجنائية العليا السابعة والثلاثين في إسطنبول ثم رئيسًا للمحكمة الجنائية العليا الرابعة عشرة في إسطنبول.
عُيّن نائبًا لوزير العدل عام 2022، وخلال هذه الفترة، كان مسؤولًا عن مجلس القضاة والمدعين العامين، وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2024، عُيّن غورليك رئيسًا للنيابة العامة في إسطنبول.
وخلال فترة توليه رئاسة المحكمة الجنائية في إسطنبول، جرت محاكمة صلاح الدين دميرطاش وسري ثريا أوندر بتهمة الدعاية لمنظمة إرهابية، وصدر حكم بسجن دميرطاش أربع سنوات وثمانية أشهر وأوندر ثلاث سنوات وستة أشهر، وشكل هذا القرار الأساس لفرض حظر سياسي على دميرطاش.
تلقى غورليك، الذي تعرض لانتقادات متكررة بسبب التحقيقات التي أجراها خلال فترة توليه منصب المدعي العام، دعمًا من الرئيس أردوغان دون أن يسميه صراحة، الذي قال: “لا يمكن لأحد أن يوجه أصابع الاتهام إلى قضائنا”.
ومن المعروف أيضًا أنه يحظى بدعم حزب الحركة القومية، وهو على تواصل مباشر مع الرئيس، وسيتيح له انضمامه لمجلس الوزراء ومجلس الأمن القومي، الإسهام في توجيه سياسات تركيا الأمنية.
ردود الفعل
وفي ردود الفعل على التعيينات الجديدة رأى الصحفي إبراهيم كاراجول المقرب من الائتلاف الحاكم أن المرحلة الدولية الراهنة تضع تركيا أمام تحديات كبرى، ما يجعل اختيار القيادات في الحكومة ومؤسسات الدولة مسألة سياسية حساسة، واعتبر أن تعيين مصطفى تشيفتشي وزيرًا للداخلية وأكين غورليك وزيرًا للعدل يعكس تفضيل شخصيات تمتلك وعيًا سياسيًا متجذرًا وخبرة في حماية الدولة ومؤسساتها، ويرى فيهما امتدادًا لتقاليد الحكم والأمن والقضاء في تركيا، وقادرين على تثبيت الجبهة الداخلية في مرحلة تتطلب تماسكًا سياسيًا عاليًا.
أما الصحفي فاتح تزجان فقال إن هذه التعيينات ضربة قوية لعصابات الشوارع ومدبري الانقلابات والمنظمات الإرهابية والأنشطة التخريبية.
Öyle bir küresel fırtına büyüyor ki;
Türkiye fırtınanın tam merkezinde.
Kabine dahil, bütün kurumların başında,
idraki ve dirayeti güçlü isimler olması lazım.
Bulunduğu cepheyi sağlam tutan adamlar lazım.
İçişleri Bakanı olan Mustafa Çiftçi,
Adalet Bakanı olan Akın Gürlek,… pic.twitter.com/9A9piDit2O
— İbrahim Karagül (@ibrahimkaragul) February 11, 2026
أما Gül Çiftci المسؤولة في الحزب الجمهورين فقالت في تغريدة على x: “إن تعيين رئيس النيابة العامة في إسطنبول وزيرًا للعدل هو مكافأة واضحة للعمليات التي كان يقوم بها ضد حزبنا منذ 8 أكتوبر 2024.”
وهاجمت النظام القضائي: “سنواصل توسيع نطاق الحقيقة والنضال ضد نظام قضائي تم تأسيسه ضد إرادة الشعب.”
İstanbul Cumhuriyet Başsavcısının Adalet Bakanı olarak atanması, 8 Ekim 2024 tarihinden bu yana partimize yönelik giriştiği operasyonlarının açık bir mükafatıdır.
İstanbul Büyükşehir Belediyesi ve Aziz İhsan Aktaş iddianameleriyle; partimize, seçilmiş belediye başkanlarımıza ve…
— Gül Çiftci (@gulciftci) February 10, 2026
من جانبه، قال زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي وصف وزير العدل بـ “المقصلة المتنقلة” قبل عام إثر اعتقال رئيس بلدية إسنيورت بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية: إن تعيين غورليك في الحكومة يُمثل استمرارًا لـ”محاولة انقلاب قضائي” خلال فترة توليه منصب المدعي العام، ويُعدّ أحدث خطوة في هجوم كبير على حزبه، وقال أوزيل للصحفيين في حفل تأبين لأحد قادة الحزب السابقين: “لن نستسلم… لن يستطيعوا إيقاف مسيرتنا نحو السلطة”.
يأتي التعديل الوزاري الأخير في توقيت يشهد تحولات دولية متسارعة وتصاعدًا للدور التركي إقليميًا ضمن مسار تشكيل تحالفات جديدة، مع ما تفرضه المخاطر المرتبطة بالوضع في إيران من أزمات مرتبطة بالحدود والهجرة والأمن، إضافة لمسار إلقاء السلاح حزب PKK والمصالحة الداخلية في تركيا وأيضًا تطورات دمج قوات “قسد” ضمن الجيش الجديد في سوريا.
كل هذا يمنح التعيينات المرتقبة التي ستلي التعديلات الوزارية في المؤسستين القضائية والأمنية أهمية خاصة، ومن شأن القرارات التي ستتخذ في الأسابيع المقبلة أن تعكس مقاربة الدولة التركية لهذه التحديات، وأن توضح اتجاه العلاقة بين القرار السياسي وكل من القضاء والأمن في مرحلة استثنائية من تاريخ المنطقة ومن الحضور التركي الإقليمي.