من الرياض، أُعلن يوم 10 فبراير/شباط 2026 عن تحالف استثماري وتقني عابر للقارات يضم عمالقة الصناعة الأمريكية والسعودية، بهدف إعادة تأهيل واستثمار قطاع النفط والغاز في شمال شرق سوريا.
ويأتي هذا الإعلان تتويجًا لمسار سياسي وأمني معقد أعقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وما تلا ذلك من رفع للعقوبات الأمريكية (قانون قيصر) بعدها بعام.
ويتزامن الإعلان مع اتفاق الاندماج الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والذي يقضي بتسليم المعابر والمنشآت النفطية للدولة، ودمج مقاتليها في الجيش السوري.
ماهية المشروع الجديد
يضم التحالف شركات أمريكية وسعودية كبرى ويهدف إلى استكشاف وتطوير 4 إلى 5 حقول نفطية وغازية في محافظتي الحسكة ودير الزور كانت حتى مطلع 2026 تحت سيطرة قوات قسد.
وهذه المناطق كانت تشكل تاريخيًا “سلة الطاقة” السورية قبل أن تنهشها سنوات الحرب وسيطرة مليشيات قسد.
التقارير لم تُفصح بدقة عن قيمة المشروع، لكن المشاركة الأمريكية‑السعودية تشير إلى مبالغ ضخمة.
المشروع يتزامن مع تحرّك سعودي – عبر صندوق “إيلاف” للاستثمار – لضخ 7.5 مليار ريال (نحو 2 مليار دولار) لتطوير مطارين في مدينة حلب، واستثمارات إضافية في الاتصالات والطيران، ما يعكس حرص الرياض على تثبيت نفوذها في سوريا الجديدة.
إعادة إعمار قطاع الطاقة قد توفر فرص عمل للعمال السوريين وتزيد إيرادات الدولة المدمرة. غير أن البنية التحتية منهارة تمامًا وتتطلب استثمارات بمليارات الدولارات.
الحقول المستهدفة والأرقام الإنتاجية
المنطقة المستهدفة هي شمال‑شرق سوريا، وتتضمن حقول رميلان، العمر، التنك وغيرها، وهي الأكثر إنتاجية في البلاد.
قبل الحرب كانت هذه الحقول تنتج نحو 380 ألف برميل يوميًا، أي أكثر من 90% من إنتاج البلاد.
المواقع الاستكشافية والإنتاجية:
1- حقول رميلان والسويدية (الحسكة): استعادتها الحكومة السورية مؤخرًا من مليشيات سوريا الديمقراطية “قسد”. تحتوي على نفط ثقيل وغاز مصاحب، ويقدر الإنتاج الحالي بـ 10,000 – 26,000 برميل يوميًا، مع خطط لرفعه إلى 45,000 برميل يوميًا في المدى القصير.
2- حقول العمر والتنك (دير الزور): هي الحقول الأكبر في سوريا وتتميز بنفط خفيف عالي الجودة، تعرضت لأضرار جسيمة في البنية الفوقية.
استراتيجية الإنتاج المتوقعة:
المرحلة الأولى (2026): التركيز على “الإصلاحات منخفضة التكلفة” للآبار القائمة، وإصلاح مضخات الرفع الصناعي، بهدف تأمين الاحتياجات المحلية من الوقود وتقليل فاتورة الاستيراد.
المرحلة الثانية (2027-2030): بدء عمليات الحفر العميق والاستكشاف في البلوكات الجديدة، وتفعيل خطط حقن الغاز والمياه لرفع الضغط، بهدف الوصول إلى مستويات إنتاج تجارية تسمح بالتصدير.
هيكلية التحالف.. تكامل المال والتكنولوجيا
يمثل التحالف المعلن نموذجًا متقدمًا للشراكات الاستراتيجية حيث يتم دمج “رأس المال الجريء” المدعوم سياسيًا مع “التقنية العالية”. وقد جرى تصميم توزيع الأدوار بدقة ليعالج الفجوات الهائلة في قطاع الطاقة السوري المدمر.
وتتولى الشركات الأمريكية الثلاث الجانب الأكثر تعقيدًا في المعادلة، وهو التعامل مع البنية الجيولوجية والتقنية للحقول. فيما يمثل الجانب السعودي الضامن المالي واللوجستي للمشروع، مما يعكس التزام المملكة بدعم استقرار “سوريا الجديدة” تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع.
شركة طاقة تمتلك خبرة واسعة في تشغيل الحقول العراقية، بينما تتخصص هنت إنرجي وبيكر هيوز في تقنيات الحفر والإنتاج، مما يعني أن المشروع قد يشمل عمليات تنقيب، بناء محطات معالجة، وتشييد أنابيب تصدير.
يظهر الإنفوجراف التالي، دور وهوية وتخصص كل طرف مشارك في التحالف:

واقع الحقول واستراتيجية الإنقاذ
يستهدف المشروع بشكل رئيسي المنطقة الشمالية الشرقية، وتحديدًا محافظتي الحسكة ودير الزور. لفهم حجم المهمة، يجب تشريح الواقع الفني المتردي الذي ورثته الحكومة السورية والتحالف الاستثماري المذكور.
تقييم الأضرار: إرث “اقتصاد الحرب”
تشير التقارير الفنية إلى أن البنية التحتية للطاقة تعرضت لدمار ممنهج خلال 14 عامًا.
-
تلف المكامن (Reservoir Damage): تحت سيطرة الفصائل المختلفة (داعش ثم قسد)، جرى استخراج النفط بمعدلات غير مدروسة ودون عمليات صيانة أو حقن مياه لتعويض الضغط، مما أدى إلى انخفاض حاد في ضغط المكامن وتلف دائم في بعض الطبقات الصخرية.
-
التكرير البدائي: انتشرت آلاف “الحراقات” البدائية التي تسببت في كوارث بيئية وتلوث للتربة والمياه الجوفية، مما يفرض على التحالف أعباء بيئية وتكاليف تنظيف باهظة قبل بدء العمليات النظامية.
-
تهالك الشبكات: شبكة الأنابيب التي كانت تنقل النفط إلى مصافي حمص وبانياس تعرضت للتخريب والصدأ، ومحطات التجميع الرئيسية (مثل محطات التيم والعمر) تحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة.
مركزية العوائد: علم سوري واحد
أحد أهم أركان الاتفاق الاقتصادي هو إنهاء “اقتصاد الكانتونات”.
-
آلية التحصيل: ستصب كافة عوائد النفط والغاز في القنوات الرسمية للدولة السورية (البنك المركزي)، مما يسمح بضبط السياسة النقدية ودعم الليرة السورية التي عانت من الانهيار.
-
التوزيع العادل: تشير التقارير إلى وجود تفاهمات ضمنية حول تخصيص جزء من العوائد لتنمية المجتمعات المحلية في المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة) لضمان ولاء العشائر واستقرار المنطقة، وهو نموذج مشابه لما يطبق في دول نفطية أخرى لضمان “الرخصة الاجتماعية للتشغيل”.
الجغرافيا السياسية.. أبرز المستفيدين
يظهر الإنفوجراف التالي، أبرز الدول المستفيدة ضمنيا من المشروع الجديد ومن خلفه الاستقرار في شمال شرق سوريا.
الوضع الأمني حول الحقول المستهدفة
على الرغم من التفاؤل السياسي، يبقى الواقع الميداني التحدي الأكبر أمام تحالف الشركات الجديد.
إذ شهدت دير الزور تحولات دراماتيكية في يناير/كانون الثاني 2026، حيث شنت قوات العشائر العربية، بدعم من الجيش السوري، هجمات واسعة أدت إلى طرد “قسد” من حقول رئيسية مثل “العمر” و”كونيكو”.
بموجب اتفاق يناير، انتشرت قوى الأمن الداخلي والجيش السوري في الحسكة والقامشلي. هذا الانتشار يوفر الغطاء القانوني والسيادي لعمل الشركات الأجنبية، لكنه يتطلب إعادة هيكلة احترافية للجيش لضمان عدم حدوث احتكاكات مع السكان المحليين قد تعطل العمل.
-
حراس النفط: يعتمد استقرار الاستثمار الجديد على دمج هذه القوات العشائرية في منظومة حماية المنشآت. أي تهميش للعشائر قد يؤدي إلى عودة عمليات التخريب وقطع الأنابيب.
-
فلول داعش: لا تزال خلايا تنظيم الدولة تشكل تهديدًا كامنًا في البادية، مما يفرض تكاليف أمنية إضافية على التحالف لحماية فرق الاستكشاف.
وبالمحصلة، فإن ضخامة الأسماء المشاركة بالتحالف الاستثماري والغطاء السياسي الدولي يشير إلى قرار دولي حاسم بدمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي وإنهاء حقبة الدولة المنبوذة في زمن الأسد.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع يبقى رهينة استمرار التوافق الأمريكي-التركي، وقدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة التوازنات العشائرية المعقدة، والسرعة في تحقيق عوائد ملموسة للمواطن السوري الذي أنهكته الحرب.