في خطوة بدت مفاجئة للمراقبين، قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إعفاء وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أول عبدالمجيد صقر من منصبه، وتكليف الفريق أشرف سالم زاهر، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية السابق، بتولي الحقيبة، وذلك بعد ساعات فقط من إقرار مجلس النواب التعديل الوزاري على حكومة مصطفى مدبولي، وهو التعديل الذي لم يتضمن تغيير وزير الدفاع.
وبصرف النظر عن الجدل الذي أثير حول مدى الحاجة إلى العودة للبرلمان في مثل هذا التعيين، فإن النص الدستوري الحاكم لهذه المسألة يبدو حاسمًا، فالمادة (234) من الدستور، بعد تعديلها عام 2019، تنص صراحة على أن تعيين وزير الدفاع يتم بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يمثل استثناءً محددًا من القواعد العامة المنظمة لتشكيل الحكومة، حيث لا يُشترط في هذه الحالة الحصول على موافقة مجلس النواب كما هو معمول به في بقية الحقائب الوزارية.
لكن في المقابل اشترطت المادة (234) من الدستور أن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مع الوضع في الاعتبار أن أخر اجتماع للمجلس كان في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، خلال احتفالات ذكرى انتصارات حرب أكتوبر، ولم ينعقد منذ ذلك الوقت، وهو الأمر الذي أثار علامات استفهام لدى البعض حول كيفية حصول السيسي على موافقة المجلس على هذه الخطوة.
اللافت أن القرار جاء في توقيت لم تكن التوقعات تشير فيه إلى المساس بحقيبة الدفاع، خصوصًا أن صقر لم يمضِ في موقعه سوى نحو عام وسبعة أشهر منذ تعيينه في الثالث من يوليو/تموز 2024، ومن ثم فإن هذا القصر النسبي في مدة البقاء بالمنصب يفتح الباب أمام أسئلة بشأن خلفيات التغيير ودوافع السيسي في ترسيخ منهجية التدوير داخل المؤسسة العسكرية بين الحين والأخر.
4 وزراء للدفاع في 12 عامًا
منذ وصول السيسي إلى السلطة عام 2014، تعاقب على حقيبة الدفاع عدد من القيادات بوتيرة لافتة مقارنة بفترات سابقة. فقد تولى المنصب أربعة وزراء: الفريق صدقي صبحي (27 مارس 2014 – 14 يونيو 2018)، ثم الفريق أول محمد زكي (14 يونيو 2018 – 3 يوليو 2023)، يليه الفريق أول عبدالمجيد صقر (3 يوليو 2024 – 11 فبراير 2026)، وأخيرًا الفريق أول أشرف سالم زاهر الذي بدأ مهامه في 11 فبراير 2026.
هذه الوتيرة تبدو مختلفة بوضوح إذا ما قورنت بعهد الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981–2011)، الذي امتد قرابة ثلاثة عقود ولم يتولَّ خلاله وزارة الدفاع سوى ثلاثة وزراء فقط، بمتوسط بقاء يقترب من عشر سنوات لكل وزير، ويكشف الفارق الزمني هنا اتساع المسافة بين نمط الاستقرار الطويل في المنصب آنذاك، ومتوسط أقصر بكثير في المرحلة الراهنة.
صحيح أن فترتي جمال عبد الناصر (1956–1970) وأنور السادات (1970–1981) شهدتا معدلات تغيير أعلى، إذ تعاقب ستة وزراء دفاع في كل منهما، بمتوسط يقارب 2.3 سنة للوزير في عهد عبد الناصر ونحو 1.7 سنة في عهد السادات، غير أن تلك السنوات ارتبطت بظروف استثنائية، عسكرية وسياسية، بدءًا من تداعيات هزيمة 1967 وصولًا إلى التحضير لحرب أكتوبر 1973 وما تلاها، وهو ما قدم مبررات واضحة لكثرة التبديلات في القيادة العسكرية.
أما في عهد السيسي، فيرى مراقبون أن غياب الحروب التقليدية والمواجهات المباشرة واسعة النطاق يجعل من وتيرة التغيير الحالية موضع تساؤل وتحليل، ويفتح الباب أمام تفسيرات تتعلق بطبيعة إدارة المؤسسة العسكرية، وإعادة توزيع الأدوار داخلها، أكثر من ارتباطها بضغوط ميدانية مباشرة.
تعزيز الولاء وإعادة التدوير
لم يقتصر تحرك السيسي داخل المنظومة العسكرية على إعفاء الفريق أول عبدالمجيد صقر وتكليف الفريق أول أشرف سالم زاهر بحقيبة الدفاع، بل تزامن معه صدور قرار جمهوري بترقية كلٍّ من قائد القوات البحرية اللواء بحري أركان حرب محمود عادل محمود فوزي، وقائد القوات الجوية اللواء طيار أركان حرب عمرو عبد الرحمن عبد الرحمن صقر، إلى رتبة فريق، وهو ما عكس أن التغيير لم يكن فرديًا بقدر ما جاء ضمن حزمة أوسع لإعادة ترتيب هرم القيادة.
هذا المسار يتسق مع نمط بات ملازمًا لإدارة السيسي للمؤسسة العسكرية منذ توليه الحكم، يقوم على التدوير المستمر للمواقع وعدم بقاء القيادات فترات طويلة في المنصب، وعليه تشهد مواقع القيادة حالة من الحراك الدائم، بحيث تتبدل الأسماء بصورة متقاربة زمنيًا، في إطار سعي واضح للحفاظ على ديناميكية داخلية ومنع رسوخ مراكز قوة وثقل طويلة المدى داخل المؤسسة العسكرية.
ثمة قراءة متداولة لهذا الأسلوب ترى أنه يرتبط برغبة السيسي في تجنب تشكل كتل نفوذ ومراكز قوى داخل المؤسسة، عبر إعادة توزيع الأدوار بشكل مستمر بما يعزز الطابع التنظيمي الهرمي ويُبقي مركز الثقل النهائي عند القيادة السياسية وحدها.
ويستند أصحاب تلك القراءة على ما شهدته السنوات الماضية من خروج عدد من الشخصيات البارزة التي لعبت أدوارًا مهمة في إيصال السيسي للسلطة في 2014، من بينهم وزير الدفاع الأسبق صدقي صبحي، ورئيس الأركان الأسبق الفريق محمود حجازي.
هذا بخلاف مدير جهاز المخابرات الأسبق، اللواء عباس كامل، الصديق المقرب للسيسي والذي كان يشغل منصب مدير مكتبه لسنوات، حيث أطاح به صديقه من منصبه داخل الجهاز في 2024 في خطوة كانت مفاجئة للكثير من المراقبين في ظل العلاقة الوثيقة التي تربط الرجلين.
تطرح بعض التقديرات قراءة مختلفة، وإن بدت أقل حضورًا في النقاش العام، مفادها أن إعفاء عبدالمجيد صقر قد يحمل في طياته رسالة تهدئة لدوائر داخل المؤسسة العسكرية لم تُبدِ ارتياحًا كاملًا لطريقة وصوله إلى المنصب.
فصقر جاء من خارج الخدمة الفعلية بعد فترة تقاعد شغل خلالها موقعًا مدنيًا كمحافظ، وهو مسار يختلف عن النمط الغالب الذي جرى عليه العرف، حيث يُختار وزير الدفاع عادة من بين القادة الذين ما زالوا على رأس عملهم داخل القوات المسلحة.
من يتبنون هذه القراءة يرون أن القرار يمكن فهمه كمحاولة لاحتواء حساسيات مهنية تتعلق بفكرة التدرج الوظيفي واستمرارية الخدمة، والحفاظ على تقاليد تعتبرها قطاعات من الضباط عنصرًا مهمًا في ضبط الإيقاع المؤسسي.
تعزيز قدرات الجيش والاستجابة للتحديات
على الجانب الآخر، تميل قراءة مختلفة إلى فهم هذه التغييرات باعتبارها استجابة عملية لبيئة أمنية تتسم بتسارع التحولات على المستويين الإقليمي والدولي، ووفق هذا المنظور، فإن دلالة أي تعيين لا تُفهم بمعزل عن توقيته، ولا عن الخلفية المهنية للقائد الذي يتولى المسؤولية، وما يمكن أن تعكسه من أولويات جديدة أو إعادة ترتيب لملفات قائمة.
ويُنظر إلى اختيار مدير الأكاديمية العسكرية –وهي المؤسسة المعنية بتأهيل الضباط وصقل مهارات القيادات ورفع درجات الجاهزية القتالية والفنية– بوصفه مؤشرًا على رغبة في تعميق الصلة بين وزارة الدفاع ومنظومات التدريب والتحديث، بما يعني أن المسألة لا تتعلق بتغيير أشخاص بقدر ما ترتبط بإعطاء وزن أكبر لملف بناء الكوادر ونقل العقائد العسكرية المعاصرة داخل بنية القوات المسلحة.
بحسب هذا التصور، فإن الدفع بقيادة ذات خلفية أكاديمية يعكس توجهًا نحو مرحلة يُتوقع أن يتقدم فيها مسار التطوير والتحديث التكنولوجي والمهني، خاصة في ظل ما تعتبره الدولة طوقًا من التهديدات الممتدة على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، ومن ثم يمكن قراءة التدوير المستمر في المناصب باعتباره أداة لإبقاء المؤسسة في حالة تكيّف دائم مع متغيرات البيئة المحيطة.
وجاء تعيين الفريق ياسر الطودي –الذي تولى قيادة قوات الدفاع الجوي منذ ديسمبر/كانون الأول 2023– رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، في خطوة لافتة من حيث الخلفية المهنية، إذ جرى العرف في أغلب الأحيان على أن يشغل هذا الموقع قادة من خريجي الكلية الحربية، ولم يخرج عن ذلك إلا في حالات نادرة، من بينها تجربة الفريق سامي عنان، ابن إدارة الدفاع الجوي أيضًا.
لذلك رأى بعض المتابعين في هذا الاختيار إشارة إلى تصاعد أولوية منظومات الدفاع الجوي، في ضوء الدروس المستخلصة مما تشهده عدة ساحات إقليمية ( إيران – لبنان- سوريا- اليمن) من تركيز متزايد على التهديدات الصاروخية والجوية.
