على وقع أزمة داخلية تتعلق بتزايد الهجرة وضغوط سياسية من اليمين المتطرف وأهداف انتخابية، تتجه فرنسا لمراجعة اتفاق الهجرة الفرنسي الجزائري التاريخي الموقع عام 1968.
المبادرات التي يُتوقع الكشف عن تفاصيلها الدقيقة في “الأسابيع المقبلة”، لا تهدف إلى مجرد تعديل تقني، بل تسعى إلى قلب فلسفة الاتفاقية رأسًا على عقب. التقرير التالي يجيب عن أهم الأسئلة التي يطرحها هذا الملف.
ما هو اتفاق 1968؟
الاتفاق أبرم في 27 ديسمبر/كانون الأول 1968 لتنظيم حركة الأفراد والعمل بين باريس والجزائر بعد الاستقلال. وركز على تأمين القوى العاملة لاقتصاد فرنسا المتعافي ومنح الجزائريين مسارًا ميسرًا للإقامة.
ينص الاتفاق على ما يلي:
- منح العمال الجزائريين “شهادة إقامة” لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد شرط العثور على عمل خلال تسعة أشهر.
- يتيح للعامل أو المقيم الذي قضى ثلاث سنوات في فرنسا الحصول على شهادة إقامة لعشر سنوات.
- يمكن للجزائري الحصول على شهادة إقامة لعشر سنوات بعد عام واحد فقط من الزواج بمواطن فرنسي.
- كما يمنح حرية كبيرة للتنقل من دون الحصول على تأشيرة طويلة الأمد.
- يُسهِّل لم الشمل العائلي بعد مرور سنة من الإقامة.
- يُسهِّل فتح الأعمال التجارية من دون تقديم أدلة تظهر الجدوى.
يُعدُّ هذا الاتفاق “مسارًا خاصًا” خارج إطار قانون الأجانب الفرنسي، إذ يتيح للجزائريين الحصول على تصاريح إقامة بأحكام أخف من القواعد العامة.
كيف تطور الاتفاق عبر السنين؟
خضع الاتفاق لعدة تعديلات في الأعوام التالية:
- عام 1985 أدخل نظامًا أقرب إلى القواعد العامة وحدد مدة تصاريح الإقامة بعام واحد أو عشر سنوات، لكنه أبقى حرية إنشاء الأعمال والتنقل.
- في 1986 أُدخل نظام التأشيرات لأول مرة، ما قلص “حرية التنقل” وجعل السفر خاضعًا لسياسة التأشيرات.
- تعديل عام 1994 فرض شروطًا إضافية، كإثبات السكن والموارد المالية وتأمين تذكرة عودة للزيارات العائلية، وألغى العمل بالقيد الذي يسمح للجزائري بالغياب عن فرنسا لأكثر من ثلاث سنوات دون فقدان إقامته.
- التعديل الأخير عام 2001 أدخل أحكامًا قانونية أكثر ملاءمة للأجانب عامة لكنه جمَّد الوضع الخاص للجزائريين.
هذه التعديلات أدت إلى تآكل تدريجي للمزايا الأصيلة؛ فالجزائريون اليوم يخضعون لشروط بيروقراطية مماثلة لتلك السارية على الجنسيات الأخرى في جوانب كثيرة.
ومع ذلك يبقى لهم الحق في الحصول على شهادة إقامة لعشر سنوات بعد عام واحد من الزواج، وحرية تأسيس مشروع تجاري دون التزام برأس المال المبدئي.
ما التوجه الفرنسي الجديد؟
شكل شهر فبراير/شباط 2026 منعطفًا حاسمًا في الخطاب الرسمي الفرنسي تجاه الاتفاقية المذكورة مع الجزائر وذلك بعد سنوات من التردد ومحاولات “الدبلوماسية الهادئة”. جاء ذلك في عدة تصريحات أبرزها:
- رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: الرئيس إيمانويل ماكرون قرر اتخاذ عدة مبادرات بالأسابيع المقبلة لتحقيق نتائج ملموسة بخصوص الاتفاق.
- رئيس الوزراء الفرنسي: الاتفاقية “عائدة إلى عصر آخر، وهي اليوم لا تتوافق مع مصالحنا ولا بد من الاستعجال بالتوصل إلى نتيجة” بشأنها.
- وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز: النص الحالي يمنح مزايا أكبر للهجرة العائلية مقابل مزايا أقل للهجرة الاقتصادية، ونريد إعادة التوازن.
ويشير التوجه الجديد إلى استبدال “الهجرة العائلية” بهجرة اقتصادية وانتقائية. وشدد رئيس الوزراء الفرنسي على ضرورة “إعادة كامل مبدأ المعاملة بالمثل” بحيث تقدم الجزائر تسهيلات مماثلة للمواطنين الفرنسيين، وأنه سيكلف وزارتي الداخلية والخارجية ببدء محادثات مع الجزائر.
مركز ستيمسون للأبحاث يوضح أن المقترحات المطروحة تتضمن تقليص مدة تصاريح الإقامة الطويلة، وربط منحها بشروط أكثر صرامة تتعلق بالراتب والمؤهلات، وتشديد شروط لم الشمل العائلي، واستبدالها ببرامج هجرة اقتصادية تشابه برامج “المواهب” السارية على الجنسيات الأخرى.
هذا يعني أن الشركات الراغبة في توظيف جزائريين ستضطر إلى الاعتماد على فئات تأشيرة أخرى مثل “جواز المواهب للموظفين المؤهلين”.
كيف يؤثر التعديل على الجزائريين؟
يعد الجزائريون أكبر جالية أجنبية في البلاد. وبحسب المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية (INED)، بلغ عدد المهاجرين الجزائريين المقيمين في فرنسا 866,600 شخص عام 2021، وارتفع إلى 891,700 شخص في 2023.
وفي عام 2025، ارتفع عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين تم رصدهم بنسبة 51.5% مقارنة بعام 2024، ليصل العدد إلى أكثر من 51,000 حالة.
ويشير تقرير ستيمسون إلى أن الاتفاق ساهم في “ترسيخ مجتمع جزائري كبير ودائم”؛ فإلى جانب المقيمين من الجيل الأول، هناك مئات الآلاف من أبناء المهاجرين الذين يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون بين ثقافتين.

في سوق العمل، يعمل العديد من الجزائريين في قطاعات البناء والخدمات والنقل، كما أن بعضهم حاز على شهادات جامعية ويشارك في مجالات مهنية متقدمة. وتحظى التحويلات المالية من الجالية بأهمية نسبية؛ إذ تشكل نحو 0.7 % من الناتج المحلي الجزائري.
ولذلك، يرى الخبراء أن التأثير سيكون “فوريًا وملموسًا” إذا أُلغيت الامتيازات. فوفقًا لتحليل المركز، فإن شهادات الإقامة لعشر سنوات ستستبدل بأخرى قصيرة الأجل تخضع لتجديدات متكررة، وسيواجه لم الشمل العائلي إجراءات إدارية أكثر تعقيدًا.
كما قد يتقلص نطاق الحصول على المساعدات الاجتماعية المرتبطة بالإقامة، ما يضع المقيمين في حالة عدم اليقين. التقرير ذاته يشير إلى أن نحو 900 ألف شخص سيجدون أنفسهم أمام حالة قانونية غير واضحة؛ إذ سيُطلب من بعضهم التحول إلى أنظمة هجرة أخرى أو مغادرة البلاد.
لماذا تسعى فرنسا لتعديل الاتفاقية؟
لا يمكن فصل هذا التحرك عن الرزنامة الانتخابية الفرنسية. فمع اقتراب الانتخابات البلدية المقررة في الفترة ما بين 15 و22 مارس/آذار 2026، يجد التحالف الرئاسي نفسه في مأزق.
استطلاعات الرأي تشير إلى أن قضايا “الأمن والهجرة” تتصدر اهتمامات 50% إلى 76% من الناخبين الفرنسيين، وهي نسبة ترتفع بشكل حاد لدى ناخبي اليمين واليمين المتطرف.
في ظل صعود حزب “التجمع الوطني” واليمين التقليدي الذين جعلوا من “إلغاء اتفاقية 1968” شعارًا مركزيًا لحملاتهم، يسعى ماكرون عبر هذه المبادرة إلى سحب البساط من تحت أقدام خصومه عبر تبني استراتيجية “المراجعة الصارمة” بدلًا من “الإلغاء الأحادي”، مقدمًا نفسه كزعيم براغماتي يحمي الحدود.
وقد جرت ضغوط سياسية داخلية مؤخرا، إذ تبنى مجلس الشيوخ في فبراير/شباط 2025 تقريرًا يوصي بإعادة التفاوض على الاتفاق و”إعادة التوازن” لنظام الإقامة الخاص للجزائريين.
وفي 30 أكتوبر 2025، مرر المجلس الوطني الفرنسي، بأغلبية صوت واحد، قرارًا غير ملزم يدعو إلى إنهاء الاتفاق، في تصويت قاده حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بدعم من أجزاء من يمين الوسط.
ما موقف الجزائر من التوجه الفرنسي؟
استقبلت الجزائر التصريحات الفرنسية بحذر، إذ حذرت وزارة الخارجية الجزائرية من “أي تلاعب” بالاتفاق، معتبرة أن المساس به سيقابل بإجراءات مماثلة تشمل اتفاقات أخرى.
لكن كان لافتًا أن وزير الداخلية الفرنسي صرح بالقول إن ماكرون أعلن أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون “موافق على إعادة التفاوض” بشأن الاتفاقية.
وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف كان قد وصف قرار الجمعية الوطنية الفرنسية الأخير بأنه شأن داخلي لا يعني الجزائر ما لم يتم إبلاغها رسميًا، وأكد أن أي تغيير يتطلب تفاوضًا بين الحكومتين.
الجانب الجزائري يرى أن الاتفاق وإن تقلصت امتيازاته فإنه يمثل إطارًا قانونيًا طويل الأمد يقوم على مبدأ المساواة في السيادة ويحمي حقوق جالية كبيرة ويضمن تحويلاتهم المالية.
كما يحمل الاتفاق رمزية تاريخية مرتبطة بنهاية الاستعمار؛ لذا تخشى الجزائر أن يؤدي المساس به إلى إعادة فتح ملفات الذاكرة وأن ينعكس على التعاون في مجالات الأمن والطاقة والهجرة السرية.
لماذا فشلت المحاولات السابقة؟
رغم الانتقادات المتكررة، لم يجر إلغاء الاتفاق على مدار خمسين عامًا للأسباب التالية:
1- ريع الذاكرة والشرعية التاريخية
بالنسبة للجزائر، لا تعد اتفاقية 1968 مجرد نص قانوني، بل “غنيمة حرب” وامتداد لاتفاقيات إيفيان لعام 1962 التي تعطي حرية تنقل واسعة للجزائريين.
والتنازل عنها يعد في العقيدة السياسية الجزائرية تفريطًا في السيادة وخضوعًا للمستعمر السابق. هذا البعد الرمزي جعل أي مفاوض جزائري يرفض المساس بجوهر الاتفاق، مفضلًا الجمود على التنازل.
2- سلاح الغاز والأمن
في السنوات السابقة، وتحديدًا خلال أزمة الطاقة العالمية (2022-2024)، استخدمت الجزائر ورقة الغاز ببراعة لتحصين موقفها. رغم أن اعتماد فرنسا على الغاز الجزائري أقل من إيطاليا، فإن باريس لم تستطع المخاطرة بقطيعة طاقوية.
إضافة إلى ذلك، كان التعاون الأمني والاستخباراتي في منطقة الساحل يمثل “فيتو” ترفعه الأجهزة الأمنية الفرنسية (DGSE) ضد أي تصعيد سياسي قد يقطع قنوات التنسيق الحيوي.
3- فخ القانون والهجرة
حاولت أصوات في اليمين الفرنسي المطالبة بـ “إلغاء” الاتفاقية من جانب واحد. لكن الخبراء القانونيين حذروا دائمًا من أن ذلك سيعيد العلاقات إلى مربع “اتفاقيات إيفيان 1962″، التي تمنح حرية تنقل أوسع بكثير، أو سيخلق فوضى قانونية شاملة، حيث يتمتع المقيمون الحاليون بـ “حقوق مكتسبة” لا يمكن انتزاعها بأثر رجعي، مما يجعل الإلغاء بلا جدوى عملية فورية.
كما أن الحكومات المتعاقبة تخشى أن يؤدي إلغاء الاتفاق إلى توترات اجتماعية داخلية أو تدفق هجرة عكسية غير منظمة.
ويظهر أن التحركات الفرنسية لتعديل أو إنهاء اتفاق 1968 تأتي نتيجة لاعتبارات داخلية وضغوط سياسية أبرزها صعود الخطاب اليميني والتحضر للانتخابات.
ومع ذلك، فإن الاتفاق يعد جزءًا من علاقة تاريخية معقدة، وقد قلصت التعديلات السابقة من امتيازاته، كما لا يمكن إلغاؤه بسهولة دون اتفاق متبادل أو مخاطر قانونية ودبلوماسية.