ترجمة وتحرير: نون بوست
تقف الولايات المتحدة على حافة قرار كارثي، قرار قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط، ويعرّض حياة الملايين للخطر، ويورّط أمريكا في حرب طويلة ومكلفة أخرى دون نهاية واضحة.
وقد كثّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرة أخرى حملته للضغط على الولايات المتحدة من أجل القيام بعمل عسكري مباشر ضد إيران.
هذه ليست استراتيجية جديدة.
على مدى عقود، زعم نتنياهو أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا وشيكًا لا يمكن التعامل معه إلا بالقوة.
مرة تلو الأخرى، صُوِّرت تلك التحذيرات على أنها عاجلة وحتمية وغير قابلة للنقاش. ومرة تلو الأخرى، لم تتحقق الكارثة التي يتم التحذير منها.
ما تحقق – مرارًا وتكرارًا – هو الفوضى الإقليمية التي تعقب التدخلات العسكرية التي تم تسويقها على أنها سريعة وحاسمة وضرورية.
أي هجوم أمريكي على إيران لن يكون ضربة محدودة. ولن يكون نظيفًا. ولن يكون قابلًا للاحتواء.
زعزعة الاستقرار الإقليمي
في عام 2003، احتلت الولايات المتحدة العراق بزعم امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، وقد تبيّن أن تلك الإدعاءات كانت كاذبة.
أدت الحرب إلى مقتل مئات الآلاف، وتشريد الملايين، وخسائر تقدر بمليارات الدولارات، وزعزعة طويلة الأمد للاستقرار الإقليمي، وأدت في نهاية المطاف إلى تعزيز مكانة إيران في المنطقة.
في عام 1964، استُخدمت تقارير مضللة عن هجمات على مدمرات أمريكية في خليج تونكين لتبرير دخول الولايات المتحدة إلى فيتنام، وهي حرب أودت بحياة نحو 60 ألف أمريكي وثلاثة ملايين فيتنامي.
وفي عام 2011، ساهم تدخل حلف الناتو في ليبيا، والذي وُصف بأنه محدود و”إنساني“، في انهيار الدولة الليبية وعمّق حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
تم تصوير كل هذه الحروب على أنها عاجلة وحتمية. لكن واحدة منها تحولت إلى درس بليغ في تكلفة التسرع في شن الحرب.
يوم الأربعاء، مُنح نتنياهو – المتهم من المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كسلاح في غزة، إضافة إلى القتل والقمع وممارسات غير إنسانية أخرى، والذي من المتوقع أن يُدان بجريمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية – فرصة جديدة لقرع طبول الحرب في البيت الأبيض.
لقد حذّر على مدى نحو ثلاثة عقود من أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي، بدءًا بتصريحات أدلى بها في منتصف التسعينيات، ثم في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي عام 2015، ثم كرر ذلك باستمرار منذ ذلك الحين.
الموعد النهائي دائمًا “على بُعد أشهر قليلة“، والحل المقترح باستمرار هو استخدام القوة العسكرية.
إيران ليست العراق ولا فنزويلا. هي دولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، تمتلك قدرات عسكرية متقدمة وتحالفات إقليمية تمتد إلى لبنان والعراق واليمن.
لن يكون أي هجوم أمريكي محدودًا أو قابلًا للاحتواء. سيُقتل عشرات الآلاف من الأبرياء، ويتعرض أضعاف هذا العدد لإصابات خطيرة. كما ستواجه القوات الأمريكية المتمركزة في أنحاء المنطقة هجمات انتقامية.
ستتأثر أسواق الطاقة العالمية بشدة، إذ سيصبح مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية – بؤرة صراع. ستكون العواقب الاقتصادية فورية وعالمية، مما سيزيد التضخم وتقلبات السوق والمعاناة إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.
مواجهة دائمة
الأخطر من ذلك أن الحرب ستقوّض هدفها المعلن. الضربات العسكرية لن تقضي على المعرفة النووية. أي هجوم على إيران من المرجح أن يؤدي إلى إنهاء عمليات التفتيش، وتسريع وتيرة التسلح النووي، وإدخال المنطقة في مواجهة دائمة.
على النقيض من ذلك، أثبتت الدبلوماسية أثبتت جدواها. قلصت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 بشكل كبير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ومددت الجداول الزمنية اللازمة لإنتاجه، وأخضعت برنامج إيران النووي لنظام التفتيش الأكثر صرامة على الإطلاق.
ستستبدل الحرب التحقق بالغموض، وضبط النفس بالتصعيد.
للحلفاء الحق في الدفاع عن مصالحهم الأمنية. لكن ليس لهم الحق في تحديد متى يقاتل الأمريكيون ومتى يموتون.
يجب أن تسترشد السياسة الخارجية الأمريكية بمصالح الولايات المتحدة، والقانون الدولي، والدروس المستفادة من التاريخ، لا بالسرديات التي تحركها المخاوف أو الضغوط الخارجية.
الإنسانية اليوم بحاجة إلى السلام وليس الحرب. وإذا كانت هناك رغبة صادقة في حماية الإنسانية، فيجب أن يكون العالم خاليًا تمامًا من أسلحة الدمار الشامل.
يجب على الولايات المتحدة أن تُصغي إلى أصوات الحكمة في الشرق الأوسط التي حذّرت من النتائج الكارثية لأي هجوم على إيران.
وبالتأكيد يجب ألا تُصغي إلى أصوات مرتكبي الإبادة الجماعية.
المصدر: ميدل إيست آي
