تحوّلت الخرائط والتطبيقات الذكية في العصر الرقمي من أدوات عادية للتنقل أو البحث، إلى منصات لإعادة تشكيل الجغرافيا وفرض رؤى سياسية، ويتجلى هذا بوضوح في فلسطين، حيث تُعرض المستوطنات الإسرائيلية بدقة عالية وحدود واضحة، بينما تُهمش القرى والمناطق الفلسطينية أو تُغيب كليًا، ما يخلق انطباعًا عالميًا مضللًا عن وجودها وأهميتها.
ولم يكن هذا مجرد تصور نظري، بل ثمّة أمثلة حية توضح التغييب الرقمي للفلسطينيين: إذ أثارت جوجل جدلًا واسعًا بعد اختفاء تسميات الضفة الغربية وقطاع غزة من خرائطها، ما أعطى انطباعًا بأن اسم فلسطين غير موجود على الخرائط، الأمر الذي بررته الشركة بأنه “ناتج عن خلل تقني”، بينما أظهرت تحديثات حديثة أن المناطق المصنفة (ج) في الضفة الغربية لم يتم تمثيلها بشكل واضح، في مقابل ظهور المستوطنات الإسرائيلية بأسماء واضحة وحدود دقيقة.
تؤكد هذه الحالات أن التغييب الرقمي ليس مجرد خلل تقني، بل يحمل أبعادًا سياسية ومعرفية حقيقية تؤثر على إدراك العالم للواقع الفلسطيني.
“نون بوست” أجرت حوارًا مع إياد الرفاعي، مؤسس مركز صدى سوشال للدفاع عن الحقوق الرقمية الفلسطينية، للحديث عن آثار هذا التغييب الرقمي على الحياة اليومية للفلسطينيين، والتحديات المرتبطة بالانحياز في الخرائط والتطبيقات الذكية، وسبل تحقيق تمثيل رقمي عادل ودقيق للواقع الفلسطيني.
فإلى الحوار..
لماذا لا تظهر بعض القرى والمناطق الفلسطينية، ولا سيما المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو، إضافة إلى مناطق في شرق القدس، على خرائط جوجل وبعض التطبيقات الذكية؟
اُزيل مؤخرًا تصنيف المناطق (ج) وفق اتفاقية أوسلو من خرائط جوجل، وذلك في أعقاب قرار صادر عن الحكومة الإسرائيلية يقضي باعتبار هذه المناطق خاضعة للوصاية الحكومية الإسرائيلية، مع تغيير تصنيفها القانوني، بما يُعدّ -وفق هذا الطرح- مخالفًا للاتفاقيات السابقة الموقعة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية.
من الجهة التي تقرر الأسماء والحدود التي تظهر على هذه الخرائط؟ ومن يمتلك سلطة التحكم بها؟
تتداخل في هذه المسألة أبعاد سياسية وتقنية في آنٍ واحد. ففي العصر الرقمي، لم يعد من الممكن الفصل بين السياسة والتكنولوجيا، إذ إن من يمتلك أدوات التقنية يمتلك القدرة على تشكيل الرواية، والتأثير في الوعي العام، وفرض منظومة قانونية ومعرفية معينة.
ويُشار إلى أن حكومة الاحتلال توفر تسهيلات واسعة لشركات تكنولوجية كبرى، مثل جوجل وميتا وإنتل وغيرها، تشمل امتيازات ضريبية وتسهيلات لافتتاح فروع ومراكز خدمات ومقار إقليمية داخل دولة الاحتلال.
كما يُتحدث عن وجود نفوذ للوبيات مؤيدة لإسرائيل داخل بعض هذه الشركات، الأمر الذي يمنح الحكومة الإسرائيلية قدرة تأثير غير مباشرة في سياسات شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع التغييرات التي أدخلتها الحكومة الإسرائيلية الحالية على الوضع القانوني وآلية إدارة المناطق المصنفة (ج)، جرى وفق هذا التصور، ترجمة القرار سياسيًا إلى إجراء تقني عبر خرائط جوجل. وقد يكون ذلك استجابةً لطلب رسمي من الحكومة الإسرائيلية إلى الشركة، أو نتيجة مبادرة من الشركة نفسها لمواءمة سياساتها مع القرار الحكومي.
هل يُعدّ تغييب مناطق (ج) ومناطق شرق القدس مسألة تقنية بحتة، أم أنه قرار يحمل أبعادًا سياسية واضحة؟
عمليًا، يصعب الفصل بين البعدين؛ فالتقني هنا ليس معزولًا عن السياق السياسي، بل يتأثر به ويتقاطع معه. أما بشأن ظهور المستوطنات الإسرائيلية بأسماء واضحة في مقابل حذف أو تهميش مناطق فلسطينية قائمة، فيُفسَّر ذلك بغياب الحياد والموضوعية لدى بعض هذه الشركات، وعلى رأسها جوجل. إذ تُتهم بتقديم تقنيات تُستخدم في سياقات عسكرية وأمنية، ما يعزز الانطباع بأنها لا تتعامل مع هذا الملف ضمن إطار أخلاقي وتقني مستقل، بل تُنظر إليها كجهة تخدم سياسات الاحتلال بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ما الانعكاسات العملية لتغييب هذه المناطق على حياة الفلسطينيين اليومية، خاصة في التنقل والطوارئ؟
الفلسطينيون بشكل عام لا يعتمدون على خرائط جوجل، لأن الواقع على الأرض في فلسطين أكثر تعقيدًا من أن يسترشدوا بخريطة فقط. ومع ذلك، كون جوجل شركة عملاقة، وبرمجياتها تدخل في كثير من التطبيقات والاستخدامات الأخرى، يبقى العمل بهذه الطريقة في المناطق الفلسطينية أمرًا خطيرًا جدًا، لأنه قد يؤثر على حياة الفلسطينيين.
سابقًا، كان هناك عدة تدخلات من جوجل فيما يتعلق بإظهار أماكن المستوطنات، وشوارع المستوطنات، وآليات الوصول إلى المناطق، بينما القرى والمناطق الفلسطينية لا يمكن الاعتماد على تمثيلها على الخرائط بشكل واضح. الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا، بما يتعلق بالحواجز، وتحولات الطرق، والشوارع المستحدثة، لكن رغم كل هذا، يجب أن يكون هناك ضغط دائم لضمان العدالة وعدم التحيز للجانب الإسرائيلي، وتمكين الفلسطينيين من استخدام التقنية مثلهم مثل باقي المستخدمين حول العالم.
هل يمكن اعتبار حذف أسماء القرى والمناطق الفلسطينية شكلًا من أشكال محو الهوية والذاكرة الجماعية؟
الموضوع ليس له علاقة مباشرة بالهوية أو بالذاكرة الاجتماعية. هو إجراء تقني إجرائي، لكنه يؤثر على ما بعد ذلك فيما يتعلق بمصادرة المكان والزمان. فالخرائط والطرق والتنقل ليست مجرد تمثيل للمكان، بل تتعلق بالزمان أيضًا.
فالمسافة بين قريتين أو بين قرية ومدينة، والتي تحتاج في الوضع الطبيعي عشرين دقيقة، قد تستغرق اليوم ساعة أو ساعة ونصف، لأن الناس يضطرون للسير على طرق وشوارع بديلة. ومعظم هذه الطرق غير موجودة على خرائط جوجل لأنها ترابية وغير رسمية، ويبتكرها الناس عمليًا لتجنب الإغلاقات والصعوبات في التنقل بين المناطق الفلسطينية.
ما خطورة فصل شرق القدس عن محيطها الفلسطيني في الخرائط الرقمية؟
هذا الأمر له دلالات سياسية واضحة، لكن من منظور الحقوق الرقمية، من حق الفلسطينيين استخدام هذه التطبيقات بشكل آمن وسلس وبدون أي تحيز. يجب أن تكون هذه التطبيقات محايدة، وأن تقدم الخدمة للمستخدمين بغض النظر عن جنسيتهم أو انتمائهم أو أي عوامل أخرى. كما يجب أن تتيح هذه التطبيقات الاستخدام بأمان، فحتى إذا كانت بعض الطرق مشتركة أو مرتبطة بالمستوطنات وغير آمنة للفلسطينيين، فمن المفترض أن يحصل المستخدم على هذه الخدمة دون تمييز.
كيف تتعامل جوجل وشركات الخرائط مع طلبات تصحيح الأسماء والحدود الفلسطينية؟
هذا الموضوع يثير تساؤلات تقنية ومهنية حول دور جوجل في تحديد المعايير المعتمدة لعرض الحدود والطبقات الجغرافية للمستخدمين. الواقع يشير إلى أن هذه المعايير غير واضحة وغير مهنية، وهناك انحياز واضح لصالح دولة الاحتلال. هذا الانحياز يلعب دورًا محوريًا في تشكيل تصور المستخدمين لحدودهم الجغرافية وآليات تنقلهم.
ببساطة، لا يمكن اليوم اعتبار خرائط جوجل مصدرًا أو مرجعًا موثوقًا للحركة أو البحث أو التعليم في فلسطين، بسبب هذا الانحياز والافتقار للمعايير المهنية والشفافية في عرض المعلومات الجغرافية.
كيف يغير اختفاء اسم قرية أو منطقة من الخريطة طريقة نظر العالم إليها وكأنها غير موجودة؟
الإسقاطات السياسية والمعرفية في هذا الجانب عديدة وكثيرة، لكن بشكل أساسي يمكن القول إن ما لا يظهر على الإنترنت يبدو كأنه غير موجود أصلًا، سواء على مستوى الإنسان، أو المؤسسات، أو الأماكن. إذا لم تُدرج المنطقة على الخريطة، يتعامل الناس معها وكأنها غير موجودة أساسًا.
وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية: لا يمكن الاعتماد على خرائط جوجل كمرجع للجغرافيا الفلسطينية، ببساطة لأن هذه الشركة غير محايدة ولا تتعامل بمهنية مع الملف الفلسطيني.
ما المخاطر المستقبلية لاستمرار تغيب مناطق واسعة من الضفة الغربية رقميًا؟
استمرار تغيب هذه المناطق قد يؤدي إلى زيادة المشاكل المتعلقة بالوصول إلى الأماكن المختلفة، بما يشكل خطرًا على حياة المستخدمين الذين يعتمدون على هذه التطبيقات في التنقل. كما يمكن أن ينشأ خطر معرفي وثقافي يتعلق بوجود هذه الأماكن وتاريخها وثقافتها.
وبالرغم من أن الخطر التقني أو التكنولوجي في هذا الموضوع محدود نسبيًا، فإن الإسقاطات السياسية والمعرفية المرتبطة بتغييب هذه المناطق هي الأخطر، لأنها تؤثر على الطريقة التي يُنظر بها إلى الأرض والسكان الفلسطينيين على الصعيد العالمي.
ماذا يمكن لمؤسسة “صدى سوشال”، كمدافعة عن الحقوق الرقمية، فعله لمواجهة تغييب المناطق الفلسطينية على الخرائط الرقمية؟
نحن نتواصل مع جوجل مباشرة، ونحاول أن نخاطبهم ليتم إفراد مساحة للملف الفلسطيني موازية للمساحة التي تُمنح للإسرائيليين، ونطالبهم بالتعامل بمهنية وحيادية في هذا الموضوع.
خرائط جوجل غير محايدة، ولا يمكن الاعتماد عليها في التنقل داخل فلسطين، ولا كمصدر جغرافي معرفي لأي شخص يريد الاطلاع على فلسطين. ومع ذلك، يبقى لدينا أمل بأن يتم إنصاف الواقع الرقمي الفلسطيني، وأن يتم التعامل معه بحيادية ومهنية، تمامًا كما يُعامل أي محتوى رقمي آخر حول العالم.
إلى أي مدى يمكن محاسبة منصات الخرائط دوليًا على انحيازها أو تواطئها مع سياسات الاحتلال؟
هذا الموضوع شائك، وله تطبيقات متعددة. حاولنا سابقًا التعامل مع هذا الملف فيما يتعلق بفيسبوك، وهو مجال يتطلب جهودًا كبيرة من مؤسسات حكومية، ومنظمات مجتمع مدني، ومؤسسات حقوق الإنسان على المستوى العالمي.
ولكن، للأسف، هذه الشركات الضخمة تتمتع بمتانة قانونية، ونفوذ واسع، وارتباطات حكومية، ما يجعل مساءلتها أو محاسبتها أمرًا معقدًا للغاية.
تغييب القرى والمناطق الفلسطينية من الخرائط الرقمية يمثل أكثر من مجرد ثغرة تقنية، فهو أداة لإعادة إنتاج السلطة السياسية والمعرفية على المستوى الرقمي. هذا الانحياز ينعكس على حرية الحركة، وإدراك العالم للواقع الفلسطيني، والوصول إلى المعلومات الدقيقة عن الجغرافيا والثقافة الفلسطينية.
ولذلك، يبقى الدور الحقوقي للمؤسسات مثل مركز صدى سوشال جوهريًا في الضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى لضمان الحيادية، المهنية، والإنصاف الرقمي. مواجهة هذا التحدي تتطلب تنسيقًا بين المجتمع المدني، الخبراء الرقميين، والجهات الحقوقية الدولية لضمان أن يُعكس الواقع الفلسطيني بأمانة وموضوعية على المنصات الرقمية العالمية.
