ترجمة وتحرير: نون بوست
نشأ هذا التيار في أواخر العهد العثماني، حين انكبّ باحثون يهود على دراسة طيف واسع من مؤلفات العلماء العرب في العصور الوسطى، واضعين بذلك أسس رصيدٍ معرفي أصبح لاحقاً عنصرًا محوريّٕا في المشروع الاستعماري الصهيوني
في واخر العهد العثماني، برز مثقفون يهود في القدس ويافا وحيفا أتقنوا العربية قراءةً وكتابة، وانصرفوا إلى ترجمة النصوص الإسلامية الوسيطة إلى العبرية، وخاضوا سجالات حول نحو العربية، ورسموا خرائط البلاد، وتعاملوا مع الحضارة العربية-الإسلامية باعتبارها إرثاً ثقافياً مشتركاً لا موضوعاً خارجياً للبحث.
هذا المشهد ليس تفصيلاً عابراً في تاريخ فلسطين، بل يشكّل المدخل الرئيس لكتاب مصطفى حسين «الاستشراق العبري: الانخراط اليهودي في الثقافة العربية-الإسلامية في أواخر العهد العثماني وفلسطين تحت الانتداب البريطاني».
ويقدّم حسين دراسة موثّقة بعناية، تكشف بهدوء مقلق كيف أسهم الانخراط في الثقافة العربية-الإسلامية في بلورة الثقافة العبرية الحديثة، وصولاً إلى تأثيره في تشكّل المشروع الصهيوني نفسه.
الكتاب لا ينشغل بإصدار أحكام أخلاقية على الاستشراق العبري، أكان تحررياً أم قمعياً، بل يركّز على سؤال آلياته: كيف اشتغل؟ وكيف أنتج أثره؟ وهذا التركيز على الممارسة لا الموقف هو ما يمنحه ثقله التحليلي.
وعبر تتبّع العمل الفكري اليومي لكتّاب يهود درسوا العربية، وترجموا النصوص الإسلامية، وفهرسوا نباتات فلسطين، وسردوا تاريخ الأرض استناداً إلى مصادر عربية، يعيد حسين تركيب فضاء ثقافي لم تكن فيه الألفة والهيمنة على طرفي نقيض، بل كانتا تتجاوران، أحياناً بتوتر واضح، داخل البنى المعرفية ذاتها.
تنوع داخل الحقل البحثي اليهودي
ولا يقدّم الكتاب شخصياته بوصفها وجوهًا تقليدية للسلطة الاستعمارية، بل يضم يهودًا سفارديين وشرقيين وُلدوا في فلسطين، إلى جانب مهاجرين أشكناز قدموا من أوروبا الشرقية وانخرطوا بعمق في اللغة العربية والثقافة المحلية.
إن شخصيات مثل ديفيد يلين، وأبراهام شالوم يهودا، وإسحاق يهودا، وإلياهو سابير، تظهر لا كوسطاء هامشيين، بل كفاعلين أساسيين في صياغة الإنتاج الثقافي العبري.
لقد قرأ هؤلاء الجغرافيين وعلماء النبات العرب، ونقلوا الأدب العربي إلى العبرية، وشدّدوا على أن إتقان العربية شرط لا غنى عنه للحياة اليهودية في فلسطين. وبالنسبة إلى كثيرين منهم، كانت العربية «سفات هاآرتس» – لغة الأرض – التي لا يكتمل من دونها معنى الانتماء.
وتكمن قوة طرح حسين في رفضه إضفاء مسحة رومانسية على تلك المرحلة. فالانخراط العبري المبكر في الثقافة العربية-الإسلامية لم يكن بريئًا، بل تأرجح بين الإعجاب وإعادة إنتاج تراتبية تفوّقية، بين القرب الثقافي وإبقاء مسافة سياسية. وصُوِّر اليهود والعرب كأقارب ساميين، لكن العرب وُضعوا في الوقت نفسه في موقع التلاميذ، أو كامتداد لماضٍ مجيد، أو كعقبة أمام تحقيق المشروع القومي.
ويبلغ الكتاب ذروة قوته حين يُبقي هذا التوتر مفتوحاً، من دون محاولة تبسيطه أو حسمه.
وفي هذا السياق، تعايش الاحتفاء باللغة العربية وأدبها مع رفض الاعتراف بالفلسطينيين المعاصرين كفاعلين سياسيين ذوي حقوق مشروعة في الأرض.
ويتجسّد هذا التناقض بوضوح في معالجة حسين المطوّلة لشخصية ديفيد يلين، المستعرب الملتزم الذي ترجم نصوصاً عربية، ودافع عن تعليم العربية بين اليهود، وعرّف نفسه بأنه محبّ للشعب العربي.
ومع ذلك، عندما استند القوميون الفلسطينيون إلى التاريخ العربي لتثبيت حقوق سياسية معاصرة، رفض يلين مطالبهم، فارقاً بوضوح بين «عرب الماضي» و«عرب الحاضر»؛ فالثقافة التي احتفى بها بقيت، في نظره، حبيسة نصوص العصور الوسطى ومشاهد طبيعية ساكنة، لا واقع مجتمعات حيّة تطالب بالسيادة.
ويخلص حسين إلى أن هذا الموقف لم يكن مفارقة شخصية، بل تعبيراً عن سمة بنيوية في الاستشراق العبري نفسه.
تسليح المعرفة
ومع انتقال السرد من أواخر العهد العثماني إلى زمن الانتداب البريطاني، تتبدّل السياقات وتتصاعد الرهانات؛ فما كان يُقدَّم بوصفه أفقًا ثقافيًّا مشتركًا تحوّل تدريجيًّاًد إلى أداة لتجذير المشروع الاستيطاني وإكسابه صفة الأصالة المحلية.
وجرت إعادة قراءة المصادر العربية والإسلامية لإثبات حضور يهودي قديم، وتأكيد الجغرافيا التوراتية، ومنح المطالب اليهودية بالأرض غطاءً تاريخيًّا.
في المقابل، صُوِّر الفلسطينيون على نحو متزايد كوافدين متأخرين أو حرّاس أرض بلا تاريخ.
وهكذا أُعيد توظيف الممارسات المعرفية ذاتها التي فتحت، في مرحلة سابقة، إمكان التعايش، لتقويض الادعاء الفلسطيني بالأصالة.
وهنا يقدّم الاستشراق العبري إسهامه الأبرز؛ فبدلاً من حصر الاستعمار الاستيطاني في المؤسسات أو السياسات أو العنف وحدها، يتتبّعه حسين في مسارات فقه اللغة، والترجمة، والبحث الأكاديمي؛ حيث تصبح الخرائط، وعلم النبات، والفولكلور، وتاريخ الأدب، ساحات مواجهة سياسية.
وقد فهرس كتّاب عبريون أسماء القرى والمواضع الفلسطينية تمهيداً لإحلال بدائل عنها. ودرسوا الممارسات الزراعية العربية لاستخفافها. ونقلوا نصوصًا عربية إلى العبرية لإثرائها، مع فصلها عن سياقها الاجتماعي والسياسي المعاصر.
وتعاطي حسين مع نظرية الاستعمار الاستيطاني يأتي متماسكاً ومقنعاً.
وانطلاقاً من أطروحة باتريك وولف بأن الاستعمار الاستيطاني بنية مستمرة وليس حدثًا عابرًا، يُظهر الكتاب كيف تحوّلت المعرفة الثقافية إلى أداة إحلال بعيدة المدى.
إن الأرض لم تُنتزع بالشراء أو بالقوة وحدهما، بل أُعيد تشكيلها عبر النصوص؛ فقد أُعيدت كتابة الجغرافيا، وأُعيد ترتيب التاريخ، وأُعيد تعريف مفاهيم الانتماء بما جعل الوجود الفلسطيني طارئًا، والوجود اليهودي أصيلًا وضاربًاً في القدم.
مغاير للاستشراق الأوروبي
وفي الوقت نفسه، يرفض الكتاب اختزال الاستشراق العبري في مجرد نسخة من الخطاب الاستعماري الأوروبي؛ فالعديد من الشخصيات التي يتناولها حسين كانت متداخلة عضوياً مع «الشرق». فاليهود السفارديون والشرقيون عاشوا العربية والإسلام بوصفهما بيئة يومية، لا موضوعاً غريباً للبحث.
وحتى المستعربون الأشكناز لم يتعاملوا دائمًا مع الثقافة العربية من موقع ثقة إمبراطورية، بل بدافع قلق ثقافي وبحث عن أصالة مفقودة خارج أوروبا.
ويُربك هذا الهجين الثنائياتِ الأخلاقيةَ السهلة من دون أن تُخفِّف من وطأة المسؤولية. فلم يكن الاستشراق العبري احتفاءً خالصًا ولا قمعًا مباشرًا فحسب؛ بل كان ممارسةً مُنتِجة وخلاّقة ذات آثار سياسية ملموسة.
ومن نقاط القوة الهادئة في الكتاب أنه يبرهن أن الثقافة العبرية الحديثة لم تنشأ في عزلة؛ فقد أُعيد إحياء العبرية عبر العربية، وتشكّلت التصورات الصهيونية للأرض بالاستناد إلى الجغرافيات العربية.
وأيضًا صيغت الادعاءات اليهودية بالأصالة المحلية ضمن أطر تاريخية إسلامية. وهذا لا يمثّل مجرد تصويب هامشي في الدراسات القائمة، بل إعادة توجيه أساسية لكيفية فهم تشكّل الإنتاج الثقافي في فلسطين.
آفاق بحثية مستقبلية
ويتجاوز أثر الكتاب حدوده الزمنية والتاريخية؛ فبهدوء بعيد عن السجال، يلمّح حسين إلى أن الطموح الصهيوني المبكر لاكتساب صفة الأصالة في الأرض قد تآكل بفعل استمرار سياسات نزع الملكية والتوسع.
والمأساة لا تكمن فقط في إخفاق التعايش، بل في تحوّل الأدوات الفكرية التي جعلته قابلاً للتصوّر يوماً ما إلى آليات إقصاء. فالثقافة لم تكن مجرّد مرافِق للسياسة، بل مهّدت لها ومهّدت الطريق أمامها.
ومع ذلك، يترك الكتاب أسئلة مفتوحة بحكم طبيعة موضوعه؛ إذ تظهر استجابات المثقفين العرب الفلسطينيين في الغالب عبر لحظات الاعتراض والمواجهة.
ويمكن لأبحاث لاحقة أن تنطلق من عمل حسين لإعادة بناء انخراطات العرب مع الاستشراق العبري بوصفه حقلًا قائمًا بذاته، مثل: كيف تلقّى الباحثون الفلسطينيون الترجمات العبرية للنصوص العربية؟ وكيف واجهوا عمليات تهويد الجغرافيا والتاريخ؟ وما أشكال المعرفة الموازية التي نشأت مقاومةً لهذه التحولات؟
وبالمثل، فإن تركيز حسين على النخب الفكرية يفتح باب التساؤل حول التلقّي الاجتماعي الأوسع: كيف قرأ المستوطنون العاديون هذه النصوص العبرية؟ وكيف تفاعلت الثقافة الشعبية مع الأطر الاستشراقية، استيعابًا أو رفضًا؟ وماذا حلّ بهذه الممارسات المعرفية بعد عام 1948، حين أُعيد تشكيل المشهد الذي ساهمت في إعادة تخيّله عبر عنف شامل؟
إن هذه ليست ثغرات في الكتاب، بل دعوات إلى توسيع البحث؛ فالاستشراق العبري يفتح أفقاً ولا يدّعي استنفاده.
إنه عمل يُصرّ على التعامل مع الثقافة بوصفها ساحة مركزية تُصاغ فيها علاقات القوة، وتُبرَّر، وتُقدَّم كأمر طبيعي، لا مجرد زينة أو هامش لاحق للسياسة.
لقد قدّم حسين كتابًا صارمًا من دون جفاف، ونقديًّا من دون استعراض، ومتنبهًا لمفارقات التاريخ المأساوية من دون الوقوع في الحنين.
وفي المحصلة، يضع حسين القارئ أمام حقيقة مقلقة: أن الألفة قد تكون أداة، وأن المعرفة قد تتحوّل إلى وسيلة نزع، وأن حبّ ثقافةٍ ما لا يحول دون محو أهلها.
المصدر: ميدل إيست آي
