ترجمة وتحرير: نون بوست
لا يخلو الشرق الأوسط من الاضطرابات، في أعقاب الاحتجاجات في إيران، هددت واشنطن بشن ضربة عسكرية، ويستمر العنف في غزة رغم وقف إطلاق النار، ويعيد حزب الله التسلح في لبنان، وتعصف الانقسامات الطائفية باستقرار سوريا.
لكن الجبهة التي قد تنفجر قريبًا هي تلك التي يواصل صناع السياسات التعامل معها كقضية ثانوية: الضفة الغربية، فمنذ هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة، شرعت الحكومة الإسرائيلية في حملة ضم بحكم الأمر الواقع.
كثّفت وجودها العسكري في الضفة الغربية، ومارست ضغطًا مستمرًا على السلطة الفلسطينية لإضعافها، وسرّعت الموافقة على إقامة المستوطنات اليهودية، وشرّعت البؤر الاستيطانية غير القانونية بأثر رجعي، وأصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.
ثم وافق المجلس الأمني المصغر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الأحد الماضي على مجموعة استثنائية من الإجراءات التي تحوّل الضم القائم بحكم الأمر الواقع إلى سياسة قانونية، وكان توقيت هذه الخطوة وقحًا للغاية، إذ جاء قبيل زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض أمس.
ستخفف إسرائيل القيود على بيع الأراضي للمستوطنين، وسوف تتولى سلطة تقرير كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا رسميًا تحت حكم السلطة الفلسطينية. الهدف كما صرح به وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هو “قتل فكرة الدولة الفلسطينية”.
ليست هذه الخطوة سوى أحدث التطورات التي تضع الضفة الغربية على حافة أزمة كبيرة. قد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة وظيفيًا خلال أشهر، مما سينهي تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين ويوقف جهود التعاون الأمني مع إسرائيل، وهي الجهود التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق.
يبدأ شهر رمضان الأسبوع المقبل، وهو حدث يؤجج التوترات تاريخيًا حول مجمع الأقصى في القدس الشرقية – المعروف لدى المسلمين باسم الحرم الشريف ولدى اليهود باسم جبل الهيكل -، لكن التغييرات في سياسات الشرطة الإسرائيلية التي تضعف القيود على السلوك الاستفزازي، إلى جانب غياب قنوات وساطة خارجية فعالة للمساعدة في تهدئة التوترات، تخلق خطرًا حقيقيًا من أن تؤدي حوادث في المواقع المقدسة إلى إشعال اضطرابات أوسع.
وجود هذه النقاط الساخنة ليست مصادفة، بل استراتيجية إسرائيلية. لطالما جادل وزراء مؤثرون في الحكومة الإسرائيلية بأن الضفة الغربية يجب أن تنضم إلى فلك إسرائيل السياسي والإداري، وقد حدد بيان أصدره سموتريتش عام 2017 بعنوان “الخطة الحاسمة” خارطة الطريق: يجب على إسرائيل أن تخلق حقائق لا رجعة فيها على الأرض من شأنها أن تحول دون أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية وتجبر الفلسطينيين على قبول وضع التبعية الدائمة أو مغادرة الضفة الغربية.
منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضباب الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة على أرض الواقع. ورغم أن موقف نتنياهو كانت أكثر غموضًا – فقد كرر أن إسرائيل لا تريد أن تحكم كامل الأراضي الفلسطينية – إلا أن بقاءه السياسي يعتمد على الناخبين القوميين المتدينين، مما يحد من قدرته وحافزه لكبح جماح قادة اليمين الساعين إلى الضم.
ويتمسك العديد من المعتدلين في إسرائيل والفاعلين على الصعيد الدولي بالافتراض المريح بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في وقت لاحق من هذا العام يمكن أن تعيد ضبط البوصلة تجاه الضفة الغربية. لكن الاعتماد على “إعادة الضبط” ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، فالكثير من التغييرات التي حدثت خلال العامين الماضيين لا رجعة فيها، خاصة وأن المعارضة الإسرائيلية لم تقدم بديلًا واضحًا لرؤية الضم.
إذا لم يتم كبح جماح دعاة الضم في القريب العاجل، فإن ممارساتهم التراكمية ستزيد من احتمالات تجدد الاضطرابات، وستتطلب تعبئة مستمرة للجيش الإسرائيلي، وستعمّق عزلة إسرائيل الدبلوماسية، وستجبرها على تحمل أعباء الحكم في الضفة الغربية، مهما ادعى نتنياهو أنه لا يريد ذلك.
كما أن تلك الممارسات ستقوّض بشكل خطير تنفيذ خطة السلام التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، والتي تتكون من 20 نقطة، وتعتمد على عودة السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها لإدارة تلك المنطقة. الأوضاع الراهنة على الأرض تجعل استقرار المنطقة أمرًا مستحيلًا، وتخلق الظروف لتحولها إلى منطقة اضطراب دائم.
واقع جديد في الضفة
تعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وفق مجموعة من المبادئ غير المستقرة، ولكنها فعّالة: منع حماس من السيطرة، احتواء العنف عبر الاستخبارات، والاعتماد على قوات أمن السلطة الفلسطينية كشريك (رغم عيوبها) لمنع اندلاع تمرد منسق واسع النطاق.
وقد ظل عدد القوات الإسرائيلية وإيقاع عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية مستقرًا نسبيًا لسنوات قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لكن الجيش الإسرائيلي أعلن بعدها الحرب على حماس في كل مكان، فزاد من مداهماته في الضفة الغربية ووسع نقاط التفتيش والإغلاقات المؤقتة في جميع أنحاء منطقة، بما في ذلك مخيمات اللاجئين.
تسببت هذه العمليات في نزوح جماعي، لكنها عطلت في البداية الشبكات المسلحة ومنعت الهجمات الإرهابية، ويرجع ذلك إلى حد كبير لزيادة التنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية. ووفقًا للجيش الإسرائيلي، شهد عام 2023 نحو 397 هجومًا “كبيرًا” في إسرائيل والضفة الغربية، بينما انخفض العدد في 2024 إلى 255 هجوما، وفي 2025 إلى 54. هذا ليس إنجازًا بسيطًا، حيث يعد إحباط هذه الهجمات ركيزة أساسية للأمن الداخلي الإسرائيلي.
ومع ذلك، تعمل أطراف داخل الحكومة الإسرائيلية على تقويض هذه المكاسب الأمنية عبر زعزعة استقرار الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية التي ساعدت في منع اندلاع انتفاضة.
وتقود حركة الاستيطان الإسرائيلية هذه الجهود الرامية إلى تغيير واقع الضفة الغربية، إذ شكّلت سياسة الحكومة الإسرائيلية من خلال حشد كتلة تصويتية منضبطة، والضغط على كبار الوزراء، وتعيين أعضائها في مناصب بيروقراطية حساسة، وهو جهدٌ بلغ ذروته بتعيين سموتريتش وزيرًا للمالية ووزيرًا مساعدًا في وزارة الدفاع عام 2022، حيث يتولى مسؤولية جوانب عديدة من التخطيط في الضفة الغربية.
ومع اكتسابها نفوذًا أكبر واستفادتها من معارضة مفككة ومحبطة، استغلت الحركة قلق الإسرائيليين وانشغالهم بغزة لإعادة تشكيل الوضع القائم في الضفة الغربية عبر برنامج “هندسة مكانية” طموح للغاية.
ووفقًا لمؤسسة “تمرور بوليتوغرافيا” البحثية، التي تجمع بيانات حول السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، أشرفت الحكومة الإسرائيلية الحالية على طفرة هائلة في توسع المستوطنات في الضفة الغربية منذ عام 2023.
ففي عام 2025 وحده، أصدرت ما يقارب ضعف عدد الموافقات على بناء وحدات سكنية مقارنةً بعامي 2019 و2020. وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير إجمالي الموافقات خلال العقد الماضي، مما يشير إلى تسارع واضح في الموافقات على بناء مستوطنات جديدة وإضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية غير الشرعية.
هذه التحركات لا تزيد فقط من أعداد الإسرائيليين الذين يعيشون في الضفة الغربية، بل تُضعف أيضا السلطة الفلسطينية يومًا بعد يوم وتغير شكل المنطقة بشكل جذري. بدأت الحكومة الإسرائيلية بإنشاء ممرات استراتيجية للسيطرة عبر توسيع حدود المناطق الإدارية، وإنشاء طرق التفافية، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، مما يقوّض سلطة قوات الأمن الفلسطينية والقادة السياسيين على المدى القصير، وينهي أي فرصة طويلة الأمد لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ومن أوضح الأمثلة على هذه العملية الجهد المبذول لربط القدس الشرقية بالمستوطنة الكبيرة القائمة في معاليه أدوميم، والتي تقع على بعد 4.5 أميال شرقًا، من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية، إضافة إلى بنية تحتية سياحية وصناعية.
وقد امتنع رؤساء وزراء سابقون، تحت ضغوط دولية، عن المضي قدمًا في هذا المشروع الذي طُرح لأول مرة في أواخر الستينيات ويُعرف الآن باسم “إي1″، لإدراكهم أنه سيؤدي فعليًا إلى فصل الضفة الغربية ويقوَض أي فرصة أمام الفلسطينيين لممارسة السلطة على منطقة متصلة جغرافيًا.
لكن خلال العام الماضي، سارعت الحكومة بتنفيذ مشروع “إي1”. في أغسطس/ آب، وافق سموتريتش رسميًا على بناء 3,400 منزل في الممر، متفاخرًا علنًا بأن “الدولة الفلسطينية تُمحى من على الطاولة لا بالشعارات بل بالأفعال. كل مستوطنة، وكل حي، وكل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش” حل الدولتين.
لكن مشروع “إي1” نموذج وليس استثناء. العقلية نفسها تقف وراء مشاريع بناء جديدة وخطط تقسيم مناطق حول غوش عتصيون، وأريئيل، ومعاليه أدوميم: فهي تهدف إلى تحصين كتل السيطرة الإسرائيلية وتفتيت الأراضي الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، تتكاثر البؤر الاستيطانية الصغيرة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بعضها يبدو كمواقع للرعي، لكنها تؤدي وظيفة سياسية لا لبس فيها عبر الاستيلاء على الأراضي وتقويض إمكانية ممارسة السلطة الفلسطينية على مناطق واسعة.
وقد غيّرت الحكومة الإسرائيلية لغتها لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية التي كانت تعتبر غير قانونية على نطاق واسع. فهي تروّج بشكل متزايد لضرورة إنشاء “مزارع أمنية”، وهي عملية إعادة تسمية هدفها تحويل البؤر غير المصرح بها إلى ما يُزعم أنها أصول استراتيجية.
خلال الأسبوع الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، في كلمة ألقاها عبر الفيديو في مؤتمر لدعم البؤر الزراعية غير القانونية حضره سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، أنه سيعمل على تقنين نحو 140 بؤرة زراعية غير مصرح بها في الضفة الغربية.
وأشاد كاتس بالمستوطنين غير الشرعيين واصفا إياهم بـ”رواد عصرنا”، مؤكدا أنهم “يضعفون جهود الفلسطينيين لترسيخ وجودهم في المنطقة”. وقد أشار نتنياهو نفسه مؤخرًا إلى أنه يدعم الاعتراف الرسمي بهذه المواقع. ورغم أن هذا النوع من الاستيلاء على الأراضي قد يكون أقل دراماتيكية من الضم، لكنه لا يقل فعالية.
الإفلات من العقاب
يواجه الفلسطينيون أيضًا ارتفاعًا حادًا في العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون مباشرة، وهو نوع من العنف توافق عليه الحكومة الإسرائيلية ضمنيًا. في عامي 2024 و2025، ارتكب المستوطنون عددًا غير مسبوق من هجمات الحرق وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية.
ووفقًا لإحصاءات صدرت الشهر الماضي عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27 بالمئة بين عامي 2024 و2025، وارتفع عدد الحوادث الخطيرة المصنفة إرهابية بأكثر من 50 بالمئة، وقد تركز معظمها في بؤر ساخنة مثل نابلس والخليل ورام الله.
لكن السمة الأهم في هذه الهجمات ليست وتيرتها، بل سماح الحكومة الإسرائيلية بها. تنفيذ القوانين التي تحظر عنف المستوطنين كان غائبًا في كثير من الأحيان، والتحقيقات في الغالب سطحية أو لا تتم على الإطلاق. الملاحقات القضائية نادرة، ومعدلات الإدانة متدنية.
لا يرى الجيش الإسرائيلي أن مهمته هي اعتقال المتطرفين اليهود، وتغض الشرطة – التي يسيطر عليها اليميني المتطرف الذي أصبح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير – الطرف عن كل ذلك. أفاد الجهاز الأمني الإسرائيلي الشهر الماضي، ولأول مرة في تاريخ إسرائيل، بوقوع أعمال إرهابية يهودية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أكثر من الأعمال الإرهابية الفلسطينية ضد اليهود في الضفة وداخل إسرائيل.
منحت القرارات المتخذة على أعلى مستوى في الحكومة الإسرائيلية هؤلاء الجناة قدرة أكبر على الإفلات من العقاب. في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أعلن كاتس أن مكتبه سيتوقف عن استخدام الاعتقال الإداري، وهو إجراء وقائي يسمح بالاحتجاز دون توجيه تهمة، وغالبًا ما يُستخدم ضد المستوطنين اليهود، مما يشير إلى قبول الحكومة بعنف المستوطنين في اللحظة التي كان يجب أن تُظهر فيها مزيدا من القدرة على الردع تجاههم.
وفي مقابلة أُجريت في أواخر ديسمبر/ كانون الأول مع قناة فوكس نيوز، زعم نتنياهو أن الصحافة الدولية بالغت في تغطية ظاهرة عنف المستوطنين، وعزا العنف إلى سوء سلوك “حوالي 70 شابا” جاؤوا من “أسر مفككة” خارج الضفة الغربية.
ولم يوضح نتنياهو مصدر بياناته، لكن إشارته إلى أن معظم المستوطنين لا يدعمون مثل هذا العنف غير صحيحة: ففي استطلاع أجراه معهد جامعة رايخمان بين المستوطنين في يونيو/ حزيران 2025، وافق نحو نصف المستجوبين على أن “المقاومة العنيفة من اليهود ضد الفلسطينيين قد تكون مبررة حاليًا”، بينما رأى ما يزيد قليلًا عن الثلث بأن مثل هذا العنف يستوجب العقوبة.
تقويض السلطة الفلسطينية
رغم انتهازية نتنياهو السياسية، إلا أنه تجنّب تاريخيًا دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار الكامل، فهو يدرك أن أي مكاسب أيديولوجية قصيرة المدى من مثل هذا التحرك ستكون تكلفتها باهظة على المدى البعيد. من دون السلطة الفلسطينية، سيكون على إسرائيل أن تتحمل مسؤولية تقديم الخدمات المدنية – الرواتب، والصحة، والتعليم، والشرطة – لملايين الفلسطينيين.
لكن مع تركيزه على المنصب، لم يعد نتنياهو يسيطر بالكامل على ملف الضفة الغربية، وأصبح الملف بيد سموتريتش وشركائه. وقد سعوا عمدًا إلى خنق اقتصاد الضفة وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها عبر إبطاء الموافقات على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على العمل في إسرائيل.
ومنذ مايو/ أيار 2025، توقفت الحكومة الإسرائيلية عن تحويل عائدات الجمارك والضرائب إلى السلطة الفلسطينية. وبعض هذه التحويلات – وليس كلها – مقيدة قانونًا بسبب دفع السلطة الفلسطينية ما يُعرف بـ”مخصصات الشهداء” للسجناء والمسلحين وعائلاتهم.
لم تعد السلطة الفلسطينية قادرة إلا على دفع جزء من رواتب موظفيها البالغ عددهم 150,000 موظف، بالإضافة إلى عدد أكبر من المتقاعدين والمتعاقدين. وقد انتقلت المدارس إلى نظام أربعة أيام في الأسبوع، مما حدّ من قدرة أولياء الأمور على العمل. وتم تقليص خدمات الرعاية الصحية وجمع النفايات، مما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة.
تقود السلطة التنفيذية الإسرائيلية جهود الضم، بينما يدعم البرلمان الإسرائيلي محاولة خنق الضفة الغربية، مما يجعل التراجع عن هذه الجهود أكثر صعوبة. على مدى العامين الماضيين، سعى الكنيست إلى سنّ تشريعات تُحكم قبضتها المالية والاقتصادية والقانونية على الضفة الغربية، وتُضعف السلطة الفلسطينية بشكل مباشر. إضافةً إلى ذلك، قدّم المشرّعون مؤخرًا مقترحات تسمح للضحايا الإسرائيليين برفع دعاوى مدنية بأثر رجعي ضد السلطة الفلسطينية عن هجمات إرهابية سابقة، وهو ما سيؤدي في حال إقراره إلى إرهاق السلطة الفلسطينية إلى حدّ الانهيار.
تغيير المسار
تعاني السلطة الفلسطينية من عيوب جوهرية وهشاشة بالغة. أدت سنوات من الفساد، والإخفاقات الإدارية، والعجز عن التفاوض مع إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية، إلى تآكل مصداقيتها لدى الفلسطينيين.
لكن إسرائيل بحاجة إلى سلطة فلسطينية أكثر فاعلية، لا إلى سلطة أكثر هشاشة. وينطبق الأمر نفسه على ترامب: إذ تنص خطته للسلام في غزة، المكونة من 20 بندًا، على أن السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها ستستعيد في نهاية المطاف سلطتها على غزة.
لا يمكن لعملية السلام أن تستمر ما لم يكن للفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي وكفؤ ومستقر، وهو ما يعتمد حاليًا على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إن لم يكن على قيادتها الحالية. وقد طالب المانحون العرب والأوروبيون، الذين من المفترض أن يتحملوا مسؤولية إعادة إعمار غزة، بمسار نحو حل الدولتين، وهو مسار لا يمر إلا عبر السلطة الفلسطينية. ولا يوجد حاليًا بديل موثوق يتمتع بالشرعية القانونية والقدرة التشغيلية. القضاء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يقوّض عملية تعافي غزة قبل أن تبدأ.
لهذا السبب يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر في الضفة الغربية. تجنب انفجار الوضع في الضفة الغربية لا يتطلب حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأكمله، بل يتطلب اتخاذ خطوات عاجلة لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.
الفاعل الوحيد الذي لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية الوقوف في وجهه هو ترامب، كما أن شركاء إسرائيل العرب، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، لديهم نفوذ أيضًا. لذلك، يجب على واشنطن وشركاء إسرائيل العرب، وخاصة الإمارات والمغرب، الضغط على تل أبيب لفرض قيود صارمة على الاستفزازات في شهر رمضان والمساعدة في التنسيق الأمني مع الأردن.
إذا أرادت واشنطن أن تتجنب فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط وهي تقف على أعتاب مواجهة مع إيران، عليها أن تبذل المزيد من الجهود لضمان أن لا تدمر إسرائيل السلطة الفلسطينية، وهذا يعني العمل مع إسرائيل على عودة الإيرادات، ومطالبتها بالتوقف عن المضي قدمًا في التشريعات المناهضة للسلطة الفلسطينية، والمطالبة بتطبيق القانون ضد عنف المستوطنين. مثل هذه الإجراءات ستحد من التهديدات المباشرة لوجود السلطة الفلسطينية.
يجب على السلطة الفلسطينية بعد ذلك أن تقوم بدورها عبر تنفيذ إصلاحات سريعة وواضحة. وقد بدأت السلطة بالفعل بزيادة الشفافية في حوكمتها وشؤونها المالية، من خلال نشر الخطوط العريضة للموازنة، والتواصل مع المؤسسات المالية الدولية، والتعهد بالتدقيق في برامج مثيرة للجدل.
وأبدت استعدادها لتقليص “مخصصات الشهداء”، وشرعت في مراجعة مناهج المدارس الابتدائية لتتوافق مع المعايير الدولية. وأعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أنه في الأول من نوفمبر/ تشرين الأول، ولأول مرة على الإطلاق، ستُجري منظمة التحرير الفلسطينية – الهيئة الجامعة التي تمثل الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم – انتخابات لمجلسها التشريعي، وهي خطوة مهمة نحو استعادة المصداقية.
لكن يجب على السلطة الفلسطينية تسريع هذه الإصلاحات وإضفاء طابع مؤسسي عبر نشر تقارير علنية وعمليات تدقيق خارجي للمخصصات المثيرة للجدل، والقيام بمبادرات شاملة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وضمان كفاءة قواتها الأمنية، والحرص على نزاهة الانتخابات، وتحسين الخدمات الأساسية على مستوى البلديات.
لقد ركزت الجهود الأوروبية لإصلاح السلطة الفلسطينية على زيادة قدراتها المؤسسية وتعزيز الحكم الرشيد، وهذا أمر صائب، لكنها تعتمد على أطر عمل معقدة. ينبغي لواشنطن وشركائها العرب أن يأخذوا زمام المبادرة عبر حزمة إصلاحات واضحة وبسيطة يتفق عليها أصحاب المصلحة، بما في ذلك إسرائيل، وتدعمها حوافز حقيقية.
الفرصة الأخيرة
تقدم خطة ترامب في غزة فرصة لاستقرار الضفة الغربية اقتصاديًا، وهناك فرصة تاريخية لتعديل بروتوكول باريس الذي مضى عليه 30 عامًا، وهو الاتفاق الذي يمنح إسرائيل السيطرة على جمع وتحويل عائدات الضرائب الفلسطينية، مما يعيق استقلال اقتصاد الفلسطينيين عبر ربطه بسياسات التجارة الإسرائيلية، ولم يعد له أهمية تذكر في عالم اليوم الرقمي.
ويمكن لـ”مجلس السلام”، الهيئة الجديدة التي أنشأها ترامب لإعادة إعمار غزة، أن يجعل الضفة الغربية مركزًا لوجستيًا أساسيًا لتوفير وجمع المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار البنية التحتية لاحقًا. لا يوجد سبب استراتيجي يجعل إعادة إعمار غزة وسيلة لإثراء الأجانب، بينما يُترك الفلسطينيون، بمن فيهم سكان الضفة الغربية، في حالة اقتصادية متردية.
اتخاذ هذه الخطوات الفورية لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن غير المستدام في الضفة الغربية، بل على العكس: يجب اتخاذها لإنقاذ الخيارات المتاحة في المستقبل. تتحرك الحكومة الإسرائيلية بسرعة لتقليص تلك الخيارات، أسرع بكثير مما يمكن أن تبطئه الانتخابات. في الشهر الماضي، طرحت الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء آلاف المنازل ضمن مشروع “إي1” الذي سيقسم الضفة الغربية إلى قسمين.
ورغم أن الإجراءات التي تمت الموافقة عليها في 8 فبراير/ شباط قُدمت كضرورات إدارية، إلا أنها تزيد بشكل كبير من سلطة إسرائيل على الضفة الغربية، ولا سيما عبر تقويض جوانب أساسية من السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك إدارة قبر راحيل في بيت لحم، وموقع الخليل المعروف لدى اليهود باسم مغارة المكفيلة، ولدى المسلمين باسم المسجد الإبراهيمي، وهما مكانان مقدسان لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين.
يبدو أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يعتقد أن تدمير السلطة الفلسطينية سيمنح إسرائيل مزيدًا من القوة، لكنه على العكس سيكون خطأ مكلفًا ومدمرًا لإسرائيل، لأنه سيؤجج من الكراهية والعنف. كما أن واشنطن ستخسر الكثير إذا غضت الطرف عن الضفة الغربية: فانهيار السلطة الفلسطينية سيقضي على أي مسار معقول نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي والتسوية الفعالة لما بعد الحرب، والتي راهنت عليها إدارة ترامب في جزء كبير من إرثها في السياسة الخارجية.
المصدر: فورين أفيرز