انطلقت أعمال الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونخ للأمن خلال الفترة من 12 إلى 15 فبراير/شباط، في لحظة دولية مشحونة بتعقيدات سياسية وأمنية متراكمة، حيث التقلبات الجيوسياسية المتسارعة والتي لم تعد مجرد خلفية للأحداث، بل باتت فاعلًا رئيسيًا يضغط على بنية النظام الدولي، ملوّحًا بإضعاف منظومة القواعد التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود، مما يثير أسئلة عميقة حول مصير التحالفات التقليدية وطبيعة الترتيبات الجديدة التي تتبلور ملامحها تدريجيًا.
وتشهد النسخة الحالية مشاركة واسعة، إذ يحضره أكثر من ستين رئيس دولة وحكومة، إلى جانب عدد مماثل تقريبًا من وزراء الخارجية، ونحو أربعين وزير دفاع، فضلًا عن مئات الخبراء والمتخصصين في قضايا الأمن والدفاع، مما يمنح النقاشات قدرة أكبر على التأثير في مسارات صنع القرار، سواء عبر اللقاءات العلنية أو عبر الدبلوماسية غير الرسمية التي طالما ميّزت أروقة المؤتمر.
وتتقدم جدول أعمال المؤتمر ملفات تتسم بقدر عالٍ من الحساسية، بداية بالحرب في أوكرانيا وتداعياتها على الأمن الأوروبي، مرورًا بتفاعلات الشرق الأوسط وما تفرضه من تحديات على الاستقرار الإقليمي والدولي، وصولًا إلى قضية جزيرة غرينلاند، الوليد الجديد على ساحة التصدع العالمي.
وعلى مدار عقود طويلة، رسّخ مؤتمر ميونخ للأمن مكانته بوصفه أحد أهم المنتديات العالمية المعنية بالسياسة الأمنية، لكنه ينعقد هذا العام فيما يقف العالم عند مفترق طرق واضح، بين الإبقاء على ما تبقى من أسس النظام القائم، أو الانخراط في ترتيبات جديدة لم تتضح قواعدها بعد.
تآكل الثقة بين أمريكا وأوروبا
انعقدت الدورة الحالية من مؤتمر ميونخ للأمن في ظل شرخ متزايد داخل الفضاء عبر الأطلسي، يُعده كثيرون الأعمق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد اتسعت المسافة السياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بعد أن كانت بوادر التباين قد ظهرت خلال ولايته الأولى، لتتحول لاحقًا إلى خلافات أكثر حدة مست قضايا الدفاع والاقتصاد ومفهوم الالتزام المتبادل داخل التحالف الغربي.
وفي هذا السياق، راهن بعض الدبلوماسيين على أن تشكل ميونخ فرصة لالتقاط خيط رفيع يعيد ترميم الثقة، أو على الأقل يمنع انهيارها الكامل، ومن هنا ومن فوق منصة المؤتمر، سعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى تهدئة المخاوف الأوروبية، عبر رسائل مغازلة مباشرة، مؤكدًا أن الحديث عن أفول الشراكة الأطلسية لا يعكس رغبة واشنطن ولا أهدافها، ومشددًا على عمق الروابط التاريخية والإنسانية التي تجعل الضفتين -وفق تعبيره- تنتميان إلى بعضهما البعض.
وزير الخارجية الأمريكي يوجه رسالة لأوروبا من مؤتمر ميونخ للأمن: الولايات المتحدة في عهد ترامب ستقود إعادة بناء العالم ومصيرنا مرتبط بكم روحياً وثقافياً pic.twitter.com/4Mira9gTcp
— الجزيرة مباشر (@ajmubasher) February 14, 2026
غير أن مهمة الطمأنة بدت معقدة وغير سهلة كما يتوقعها كثيرون، إذ ما تزال أصداء تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، في النسخة السابقة حاضرة في الذاكرة السياسية الأوروبية، حين وجّه انتقادات لاذعة لديمقراطيات القارة، ما عمّق الشكوك الشعبية والنخبوية على حد سواء.
وقد عكست استطلاعات حديثة – من بينها مسح أجرته بوليتيكو – تراجع صورة الولايات المتحدة في نظر قطاعات واسعة من الأوروبيين، حيث باتت تُرى لدى كثيرين كحليف أقل موثوقية مما كانت عليه في العقود الماضية، وهو تحوّل يضاعف من صعوبة إعادة بناء الجسور، حتى مع سيل الرسائل الدبلوماسية المطمئنة.
تقويض النظام العالمي
بدت ملامح التصدّع في بنية النظام الدولي التقليدي أكثر وضوحًا خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير/كانون الثاني الماضي، حين خرج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بتوصيف مباشر وحاد لما اعتبره نهاية “النظام القائم على القواعد”.
لم يكن الرجل وقتها يتحدث بلغة دبلوماسية معتادة، بل أطلق تحذيرًا صريحًا إلى القوى المتوسطة من أن الاستمرار في أنماط السلوك القديمة سيجعلها عرضة لابتلاع طموحات القوى الكبرى، قائلا جملته الشهيرة: إن لم تكن على مائدة الكبار فحتمًا ستكون ضمن قائمة الطعام.
جاء خطاب كارني صادمًا لكثيرين، لكنه عكس قدرًا عاليًا من الواقعية السياسية، فالعالم، وفق رؤيته، لا يمر بمرحلة عابرة من الاضطراب، بل يعيش قطيعة عميقة مع المسلّمات التي حكمت العقود الماضية، لتتراجع العقيدة التي تفيد بأن التكامل الاقتصادي والتحالفات القديمة تشكّل ضمانة للسلام، لتحل محلها بيئة أشد خشونة، تنطلق من البرغماتية القائمة على منطق القوة فقط، وتحويل العالم إلى غابة ممتدة الأطراف والسياقات.
هذا الصدى تردّد في كلمة المستشار الألماني في افتتاح مؤتمر ميونخ للأمن، حيث أقرّ بأن قواعد النظام الدولي تتعرض للتقويض، وأن العالم يتجه أكثر فأكثر نحو منطق القوة، تلك القراءة التي تعكس حجم الأزمة التي تطال الثقة والمصداقية في المنظومة الدولية، والتي تبدو واقفة على عتبة تآكل تدريجي لمؤسساتها وقواعدها، بفعل سياسات من يُوصفون أحيانًا بـ”رجال الهدم”، وفي مقدمتهم ترامب؛ وهو التوصيف الذي حضر أيضًا في تقرير ميونخ الأمني المعنون “قيد التدمير”.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أوروبا بدأت فعليًا التفكير في مرحلة ما بعد النظام القديم، ومحاولة تحديد موقعها في عالم يتسم بتصاعد الحمائية الأمريكية وتراجع اليقين في الضمانات العابرة للأطلسي، حيث لخّص شولتس هذه المعضلة بقوله إن الولايات المتحدة، في زمن تنافس القوى الكبرى، لن تكون قادرة على الاعتماد على نفسها حصريًا، في إشارة تحمل ضمنًا دعوة للأوروبيين إلى تحمّل قدر أكبر من أعباء أمنهم.
وفي السياق ذاته، كشف المستشار الألماني عن مشاورات غير معلنة أجراها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن مستقبل الردع النووي الأوروبي، محذرًا من احتمال ظهور فجوات في مستويات الحماية بين دول القارة.
يُذكر أن فرنسا بريطانيا هما القوتان النوويتان الوحيدتان داخل أوروبا، وقد تعززت في الأشهر الأخيرة فكرة توسيع الاستفادة من الردع الفرنسي ليشمل شركاء أوروبيين آخرين، في ظل خشية متنامية من أن الضمانة الأمريكية قد لا تبقى ثابتة بالقدر الذي اعتادت عليه القارة.
بهذا المعنى، لا يجري الحديث عن تعديلات تقنية في سياسات الدفاع، بل عن تحوّل ذهني واستراتيجي عميق، حيث الانتقال من عالم افترض ثبات القيادة الأمريكية ودوام مؤسساته، إلى عالم مفتوح على احتمالات إعادة توزيع القوة، وصياغة ترتيبات أمنية جديدة، قد تجد أوروبا نفسها مضطرة لابتكارها بنفسها
مستقبل قطاع غزة
لم تكن القضايا العربية بعيدة عن أجواء المؤتمر، حتى وإن حضرت بصورة غير مباشرة. فقد فرضت تطورات الشرق الأوسط نفسها ضمن جدول الأعمال باعتبارها عنصرًا مفصليًا في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية العالمية، ولا سيما مع تزايد أهمية المنطقة كمحور لوجستي وكمسرح لاختبار توازنات القوى الجديدة بين الغرب وخصومه.
في صدارة النقاشات برز مستقبل قطاع غزة، حيث تفجّر خلاف واضح بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، حيث شككت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد كايا كالاس، في شرعية وفعالية “مجلس السلام” الذي أطلقه ترامب، معتبرة أنه ابتعد عن التفويض الأممي الأصلي وتحول إلى إطار يخضع لإرادة واشنطن أكثر مما يستند إلى قرارات الشرعية الدولية أو مشاركة الفلسطينيين.
وفي الاتجاه نفسه، انتقد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ما عدّه التفافًا على المرجعيات المعترف بها، لافتًا إلى أن أوروبا، رغم كونها من أبرز الممولين، جرى تهميشها في آليات التفعيل، وهو ما يفرغ المجلس من أهدافه المفترضة بعيدًا عن الأهداف الأخرى.
يذكر أن التحفظات لم تقتصر على الأوروبيين، ففي الداخل الأمريكي حذّر السيناتور الديمقراطي كريس مورفي من مخاطر غياب الضوابط والرقابة على أموال إعادة الإعمار، وسط مخاوف من تسييسها.

على الجانب الأخر حاول المبعوث الأمريكي، نيكولاي ملادينوف، تجنب السجال والتركيز على أولويات يراها أكثر أهمية، مثل تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، فيما مضى السفير الأمريكي مايك والتز في الدفاع عن المقاربة الجديدة، معتبرًا أن البديل هو استمرار حرب مفتوحة بلا أفق.
ويعكس هذا الجدل حول غزة صورة أوسع لصراع الإرادات بين تصورين لإدارة النظام الدولي، أحدهما يتمسك بالمؤسسات القائمة ( أوروبا)، وآخر يسعى إلى إعادة هندستها بما يتلاءم مع ميزان القوة المستجد (ترامب)، الأمر الذي سيدفع ثمنه الفلسطينيون حتمًا، خاصة في ظل اكتفاء القرار العربي بموقف المتفرج البعيد عن الاقتراب من دوائر صنع القرار.
وفي ذات السياق دعا وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار في غزة، مؤكداً خلال جلسة حوار على هامش المؤتمر أن “الموت في القطاع لم يتوقف” رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع إسرائيل. وشدد على أنه “يجب وقف القتل وإعادة إعمار القطاع”.
سوريا.. الاندماج تحت بورصة الاهتمام
برز الملف السوري بقوة على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، مع تكثيف التحركات الدبلوماسية المرتبطة بمستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في البلاد، ففي اليوم الأول من الاجتماعات، عقد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لقاءً مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو بحضور قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، الذي وصف الاجتماع بأنه “مثمر للغاية”، في إشارة إلى أجواء إيجابية تحيط بمسار التفاهمات الجارية.
وأوضح عبدي، في تصريحات عبر منصة “إكس”، أن المحادثات تناولت التقدم في تنفيذ اتفاق الاندماج، معربًا عن تقديره للدور الأمريكي في تسهيل التفاهم ودعم مساره السياسي، كما اعتبر أن مشاركة وفده في ميونخ جاءت ضمن تمثيل الدولة السورية في إطار وطني جامع.
وفي بيان لاحق، أشارت “قسد” إلى أن النقاشات ركزت على ضمان حقوق مختلف المكونات السورية داخل العملية السياسية، ولا سيما الكرد والدروز، إضافة إلى التأكيد على أولوية استمرار الجهود الرامية إلى منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية.
من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية السورية أن لقاء الشيباني وروبيو تطرق إلى التطورات المحلية والإقليمية، مع تأكيد مشترك على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، فيما أكد الجانب الأمريكي دعمه لاتفاق الاندماج ولمساعي دمشق في مكافحة الإرهاب.
من جانبه رحّب المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك بالاجتماع، واصفًا صورته بأنها “بداية جديدة”، في إشارة إلى الرهان على أن تفتح هذه التفاهمات الباب أمام مرحلة مختلفة من التعاطي الدولي مع الأزمة السورية.
اليمن.. الاستقرار شرط أمن الممرات
حضر اليمن في نقاشات مؤتمر ميونخ من بوابة أمن الممرات المائية، بوصفه عنصرًا مفصليًا في معادلة الاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية، ففي جلسة خُصصت لهذا الملف، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي على أن حماية الملاحة الدولية تتطلب مقاربة مختلفة تقوم على الردع، بالتوازي مع تمكين مؤسسات الدولة اليمنية، محذرًا من أن جماعة الحوثيون ستبقى مصدر تهديد دائم للمصالح الإقليمية والدولية، حتى لو توقفت هجماتها في البحر الأحمر بصورة مؤقتة.
ورأى العليمي أن التعاطي الدولي مع تلك الهجمات اتسم بالطابع التكتيكي والقصير الأمد، معتبرًا أن مبادرات حماية الملاحة، مثل عملية حارس الازدهار ومهمة أسبيدس، أسهمت في زيادة عسكرة المنطقة من دون أن تلامس جذور المشكلة، واصفًا ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية معقدة، ترتبط بطموحات قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، وبصعود نفوذ الفاعلين من غير الدول.
وأكد رئيس مجلس القيادة أن ضمان أمن الملاحة يبدأ من الداخل اليمني، عبر تثبيت الاستقرار ودعم مؤسسات الدولة الهشة كي تتمكن من أداء وظائفها، داعيًا إلى تفعيل الأطر الإقليمية المعنية بالبحر الأحمر، ومنها مجلس الدول المشاطئة وقوة المهام المشتركة 152، وبناء شراكات أوسع لمواجهة الإرهاب والتهريب.
وفي هذا السياق، استعرض الخطوات التي تقول الحكومة اليمنية إنها اتخذتها، بدعم من السعودية، لإنهاء ازدواجية القرارين الأمني والعسكري، وإحباط محاولة تمرد مسلح في ديسمبر/كانون الأول الماضي كانت، بحسب تعبيره، تستهدف السيطرة على سواحل جنوب اليمن وفرض واقع تقسيمي.
في المحصلة يقف مؤتمر ميونخ للأمن أمام اختبار يتجاوز قدرته التقليدية على جمع الخصوم حول طاولة واحدة، فالفجوات بين الرؤى الاستراتيجية والمواقف الرسمية لم تعد خلافات قابلة للترحيل أو التجميل ببلاغة دبلوماسية، بل تحولت إلى تصدعات تمس جدار النظام التقليدي بل وتقترب من مصطلحات حساسة كالشرعية والسيادة والقوة.
ورغم أن مؤتمر كهذا ما يزال يوفر مساحة نادرة للحوار وإدارة التنافس ومنع سوء الفهم، وربما ينجح في إبطاء الانحدار ومنع الانفلات، لكنه وحده لا يملك أدوات إعادة بناء الثقة المفقودة أو إعادة تثبيت الأعمدة التي قام عليها النظام الدولي لعقود.
وفي هذه الظروف، فإن أقصى ما يمكن أن يحققه المؤتمر هو شراء الوقت وتأجيل لحظة الانزلاق وفتح قنوات تواصل ريثما تترسم ملامح توازنات جديدة، أما القدرة على ترميم تلك الشروخات التي شهدها جدار النظام العالمي فتلك مهمة شاقة تحتاج إلى إرادات سياسية وازنة ليس مجالها ميونخ.