“عملية تجميع الإمبراطورية ينبغي أن تتوجه نحو غاية بعيدة، وهي انفتاح روسيا على البحار الدافئة”.. هذا ما ينظّر له الكاتب والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، الذي يلقبه البعض بـ”عقل بوتين”، باعتباره شرطًا أوليًا لاستعادة الإمبراطورية الروسية، وبناء التوازن مع الغرب الأطلسي.
ويمكن الخروج إلى البحار الدافئة ليس فقط عن طريق الحروب الدامية، بل ومن خلال سلام عقلاني مفيد للمصالح الجيوسياسية لجميع الدول القارية بحسب دوغين، وهو ما تخشى منه الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي، وما حذّر منه معهد “واشنطن لسياسة الشرق الأوسط”، فبحسب تقرير للمعهد صدر في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تسعى روسيا إلى ترسيخ حضورها مجددًا في سوريا عبر استراتيجيات هادئة، تعتمد على إغراء دمشق بصفقات “غير مشروطة”، في محاولة لاستخدام البلاد كورقة استراتيجية طويلة الأمد ضد المصالح الأمريكية.
وكان الكونغرس الأمريكي قد عقد جلسة استماع بعنوان “تأمين تحول سوريا من خلال تقليص نفوذ روسيا” في 3 شباط/فبراير 2026، ناقش فيها الحضور الفرص والتحديات الجيوسياسية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، والذي وصفه رئيس اللجنة “جو ويلسون” بأنه بمثابة “لحظة سقوط جدار برلين” في الشرق الأوسط، وكان من أهم ما نوقش فيها هو إنهاء الوجود العسكري الروسي وكيفية إزالة القواعد العسكرية الروسية (قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس البحرية)، والتي تُعد المنصة الوحيدة لروسيا خارج الاتحاد السوفيتي السابق لنشر قوتها في المتوسط وأفريقيا.
من المؤسف أن الرئيس السوري أحمد الشرع بحث مؤخرًا في موسكو إمكانية حصوله على دعم اقتصادي وعسكري روسي مقابل بقاء القواعد. وهذا سيكون جنونًا. فالسوريون يعرفون أكثر من غيرهم أن بوتين لا يُوثق به.. السيناتور الأمريكي جو ويلسون
جلسة الكونغرس: لماذا طُرح ملف القواعد الروسية الآن؟
ترى الولايات المتحدة في سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد فرصة تاريخية لإنهاء الوجود الروسي في مياه المتوسط، خصوصًا في ظل التعاون السوري – الأمريكي، والمناخ الإيجابي بين الدولتين والذي تتوج بانضمام سوريا رسميًا إلى “التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وتراقب واشنطن تحولات دمشق منذ سقوط الأسد، وتقرأ في سلوك القيادة الجديدة محاولة واضحة لإعادة تموضع الدولة السورية بين موسكو والغرب، فزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، والانضمام إلى التحالف الدولي، وبدء مسارات تفاوض مباشرة مع إسرائيل، كلها مؤشرات دفعت بعض دوائر القرار الأمريكي إلى طرح السؤال المؤجل: إذا كانت سوريا تعيد تعريف موقعها الإقليمي، فهل يبقى الوجود العسكري الروسي جزءًا من هذه المعادلة؟

ويتقدم داخل الكونغرس تيار يرى أن لحظة التحول السوري يجب أن تُستثمر بالكامل عبر دعم القيادة الجديدة، وتقديم بدائل اقتصادية وعسكرية، والانتقال من سياسة العقوبات إلى سياسة الحوافز المشروطة.
يوضح الدبلوماسي السوري والباحث في مركز الدراسات الدولية في واشنطن بسام بربندي لـ”نون بوست” أن ما جرى داخل الكونغرس الأمريكي هو جلسة استماع للخبراء، لا أكثر، وبالتالي لا ينبغي التعامل معها بوصفها تعبيرًا مباشرًا عن موقف الإدارة الأمريكية.
فالجلسة، بحسب بربندي تعكس توجهات النواب الذين طرحوا الأسئلة، وكل نائب يتحرك انطلاقًا من قناعاته المعروفة مسبقًا.
ويشير بربندي تحديدًا إلى جو ويلسون، المعروف بمواقفه المتشددة ضد روسيا وإيران، ما يجعل طرحه لمسألة الوجود الروسي في سوريا منسجمًا مع خطه السياسي التقليدي، لا مع تحول جديد في السياسة الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، يحذّر بربندي من تحميل الجلسة أكثر مما تحتمل، أو ربطها مباشرة بمصالح الإدارة الأمريكية وخياراتها الاستراتيجية، فهذه – كما يقول – مسارات مختلفة.
ومن الجدير بالذكر أن اثنين من الخبراء الثلاثة الذين دعتهم اللجنة للإدلاء بشهادتهم يعرفان بمواقفهما المعادية لروسيا، والمؤيدة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وهما آنا بورشيفسكايا، الخبيرة بمعهد “واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، والخبير في معهد “هدسون” مايكل دوران.
الأدوات المطروحة لإنهاء الوجود الروسي في سوريا
لم يكن سقوط الأسد، كما اعتقد كثيرون في الغرب، ضربة استراتيجية قاصمة لروسيا، فقد ذكر الرئيس السوري أحمد الشرع أن قواته كانت قد دخلت في مفاوضات سرية مع الروس في أثناء هجوم “ردع العدوان”، الذي أطاح بالأسد.
وكشف الشرع أن قواته دخلت مدينة حمص بينما “ابتعدت روسيا عن المعركة”، في حين تجنبت قواته مهاجمة قاعدة “حميميم” الجوية الروسية، بذلك، اختارت موسكو التخلي عن الأسد مع الاحتفاظ بنفوذها داخل سوريا، عبر علاقاتها بالقيادة الجديدة.
ونقلت مصادر مطلعة أن من ضمن الضمانات التي قدمها الشرع لروسيا مقابل التخلي عن بشار الأسد كان ضمان البقاء في قواعدها العسكرية على البحر المتوسط.

من خلال جلسة الاستماع التي عقدها الكونغرس، وشارك فيها خبراء من مراكز أبحاث مختلفة في الولايات المتحدة، فإن خطة واشنطن لإنهاء الوجود الروسي في سوريا يجب أن تقوم على تفكيك شبكة الاعتماد التي نسجتها موسكو داخل مؤسسات الدولة السورية.
في المستوى العملي، يبدأ الطرح من كسر التبعية التقنية واللوجستية، أي توفير بدائل للمعدات العسكرية الروسية وأنظمة الرادارات التي تعتمد عليها المطارات السورية، بحيث لا تبقى الحاجة السورية رهينة قطع الغيار أو الخبراء الروس.
ويمتد الأمر إلى الأمن الغذائي، عبر مقترحات لاستبدال القمح الروسي، الذي تشير تقارير إلى أن جزءًا منه يأتي من الأراضي الأوكرانية، بقمح أوكراني أو مصادر أخرى.
كما يقترح الخبراء إعادة بناء الجيش السوري وفق معايير حلف الناتو، سواء عبر تركيا بوصفها عضوًا في الحلف، أو من خلال شركات خاصة تتولى الإشراف على الهياكل الإدارية والموارد البشرية، بما يسمح بإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية.
أما دبلوماسيًا، فتراهن واشنطن على إعادة رسم التوازنات الإقليمية، انطلاقًا من فكرة الوصول إلى صيغة تعايش بين أنقرة وتل أبيب، تقنع إسرائيل بأن وجودًا تركيًا مستقرًا أقل كلفة من بقاء موسكو لاعبًا عسكريًا على الساحل السوري.
وعلى المستوى الاقتصادي، يطرح الخبراء إشراك القطاع الخاص الأمريكي والتركي والخليجي في مشاريع إنتاجية، من بينها مناطق صناعية في الشمال السوري تستوعب العائدين من اللجوء وتخلق دورة نمو لا تمر عبر القنوات الروسية.
غير أن هذا المسار، كما تؤكد الطروحات نفسها، تتطلب نفسًا طويلًا، والتزامًا سياسيًا أمريكيًا عالي المستوى، خشية أن يؤدي أي فراغ غير محسوب إلى عودة موسكو من نافذة أخرى.
يرى المحلل السياسي الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية” ديمتري بريجع، أن واشنطن إذا قررت فتح ملف القواعد الروسية بجدية، تمتلك ثلاث حزم ضغط رئيسية يمكن تفعيلها بشكل متدرج.
الحزمة الأولى اقتصادية – مالية، تقوم على فرض عقوبات مستهدفة تطال الكيانات والشخصيات المرتبطة بملف القواعد أو بعقود التسليح والخدمات الجزئية المتصلة بها، إلى جانب تشديد القيود على التحويلات والقطاع المصرفي.
أما الحزمة الثانية وفق حديث بريجع لـ”نون بوست” فهي سياسية – دبلوماسية، عبر تقييد الاعتراف الدولي، والتحكم بملف رفع العزلة والتمثيل الدبلوماسي، واستخدام المنابر الدولية لربط أي تقدم سياسي داخلي بموضوع القواعد. ويتحدث بريجع عن إمكانية تنسيق خطاب إقليمي وغربي موحد يضغط باتجاه إعادة ضبط الوجود العسكري الأجنبي تحت عنوان “السيادة السورية”، مع استثناءات تقبل بها واشنطن وفق حساباتها.

والحزمة الثالثة أمنية غير مباشرة، تقوم على رفع كلفة بقاء القواعد دون مواجهة مفتوحة، عبر تدقيق أشد في المجالين الجوي والبحري، ومراقبة حركة النقل والإمداد، وتحريك ملفات حساسة تتعلق بأمن القواعد وخطوطها اللوجستية عبر بيئات محلية أو إقليمية، بما يخلق ضغطًا تدريجيًا دون تبنٍّ مباشر.
الهدف، وفق هذا التصور، هو إنتاج معادلة داخلية تُشعر دمشق بأن تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية يمر عبر إعادة النظر في العلاقة العسكرية مع موسكو، وفق بريجع.
ومع ذلك، يعتبر بريجع أن نجاح هذا المسار ممكن جزئيًا لكنه ليس حتميًا، فدمشق، تحتاج إلى توازن في الضمانات، وقد ترى في وجود شريك عسكري كبير مثل روسيا عامل توازن في مواجهة ضغوط متعددة، لا أمريكية فحسب.
كما أن موسكو لن تتعامل مع القواعد بوصفها ملفًا تقنيًا قابلًا للمساومة، بل خطًا أحمر سياديًا ضمن عمقها الاستراتيجي، وهي قادرة، على الرد سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا، وتوسيع شبكات شراكاتها الإقليمية لرفع كلفة أي محاولة لاقتلاعها، يتابع بريجع.
كيف تنظر دمشق إلى القواعد الروسية؟
خلال زيارته الأولى إلى روسيا في تشرين الأول/أكتوبر 2025 قال الرئيس الشرع خلال اجتماعه مع نظيره الروسي في الكرملين، إن سوريا الجديدة تعيد ربط العلاقات الاستراتيجية والسياسية مع الدول كافة، وعلى رأسها روسيا، وأن سوريا تحترم كلما مضى من اتفاقيات بين البلدين، وتحاول أن تعيد وتعرف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات، بأن يكون هناك استقلال للحالة والسيادة السورية وسلامة ووحدة أراضيها، والاستقرار الأمني المرتبط بالسلام والأمن الإقليمي والعالمي.
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قال في مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية” في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2025 الحكومية إن الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع النظام السابق لن يُقبَل بها، وأنهم لم يتوصلوا بعد إلى اتفاقيات جديدة، إلا أن البند المتفق عليه مع موسكو هو إعادة تقييم الاتفاقيات السابقة، أو صياغة اتفاقيات جديدة من البداية.
وبشأن القواعد الروسية، قال الشيباني: “هي محل تفاوض وتخضع لإعادة تعريف، ففي السابق كان دورها معروفًا، أما اليوم فإن دور القواعد الروسية، التي انحسر وجودها في قاعدتي طرطوس وحميميم، يحتاج إلى نقاش، خصوصًا بعد الانسحاب من معظم الأراضي السورية وتخفيف الوجود العسكري”.
كما قامت الحكومة السورية بفسخ العقد القديم مع شركة الهندسة الروسية “ستروي ترانس غاز” لإدارة ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا، وألغت هذه الاتفاقية عقب سقوط النظام، وأعلنت “الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية” في سوريا توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “موانئ دبي العالمية” (دي بي ورلد) بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس ومناطق لوجستية في سوريا.
يرى الباحث والمحلل السياسي، عامر المثقال، أنه من غير المرجّح، في المدى المنظور، أن تنخرط دمشق في مسار يستهدف إنهاء الوجود الروسي، فالعلاقة مع موسكو ما تزال قائمة على شبكة مصالح متبادلة مثل الاتفاقات في طباعة العملة، واستيراد القمح، وبعض ملفات التسليح، إلى جانب قنوات سياسية وأمنية نشأت بعد مرحلة ما بعد التحرير.
المثقال في حديثه لـ”نون بوست” قال إن دمشق لا تملك بدائل جاهزة لذلك حاليًا، ومن المعلوم أن العلاقة التي نسجتها الإدارة السورية الجديدة مع روسيا بعد التحرير تقوم على الاحتفاظ بالمصالح المشتركة للطرفين.
وفي المقابل، لا تبدو واشنطن في موقع يسعى لفرض انسحاب روسي كامل وفوري، إذ إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تُظهر اعتراضًا كبيرًا على استمرار قنوات التواصل السورية الروسية، ما دام ذلك لا يتعارض مع المصالح الأمريكية، بحسب المثقال.

لماذا تُقاتل روسيا للبقاء؟
تنظر موسكو إلى وجودها في سوريا كركيزة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا السورية نفسها، إذ تكمن أهمية هذه القواعد في بعدها الجيوسياسي الاستراتيجي، لكونها تمثل نقاط ارتكاز خارج حدودها المباشرة وتواكب رؤيتها كقوة أوراسية، ويعني فقدانها تراجع النفوذ الروسي في المتوسط وتهديد مكانتها كقوة عالمية قادرة على الوصول إلى المياه الدافئة والممرات الاستراتيجية.
يرى المحلل السياسي الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية” ديمتري بريجع أن خروج موسكو من سوريا يعني فقدان منظومة وظائف استراتيجية متكاملة، فأول ما ستخسره هو عمقها العملياتي في شرق المتوسط، وخط الإسناد الأقرب نحو أفريقيا، بما ينعكس مباشرة على سرعة الانتشار، والتموين، وتبديل القوات، وقدرتها على تشغيل منظوماتها بعيدًا عن الجغرافيا الروسية.
ويتابع بريجع حديثه لـ”نون بوست”، بأن روسيا ستفقد أيضًا منصة متقدمة للمراقبة وجمع المعلومات الحساسة في المتوسط وبلاد الشام وشمال إفريقيا، إذ تمنحها القواعد صورة ميدانية دقيقة عن الحركة البحرية والجوية، ومسارات التهريب، وشبكات النفوذ، وهو عنصر استخباراتي يصعب تعويضه بسهولة.
وإلى جانب ذلك، تخسر موسكو ورقة تفاوضية كبرى في أي ترتيبات إقليمية جديدة تتعلق بسوريا ولبنان وشرق المتوسط والطاقة وخطوط النقل، لأن وجود القواعد يرفع كلفة تجاهلها في أي صفقة مقبلة.
أما على المستوى السياسي، فإن الانسحاب يضرب مصداقية روسيا أمام حلفائها وشركائها، ويشكك في قدرتها على الحفاظ على التزامات طويلة الأمد تحت ضغط غربي، ما ينعكس مباشرة على الثقة بها في أفريقيا والشرق الأوسط، وفق بريجع.