في 14 فبراير/شباط 2026، استيقظت العواصم الغربية المتواطئة مع “تل أبيب”، على وقع فضيحة معلومات وُصفت بأنها الأضخم من نوعها في تاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كُشف فيها الغطاء عن الجيش الغربي الخفي داخل جيش الاحتلال.
واستنادًا إلى بيانات حصلت عليها جمعية “هتسلاخا” (النجاح) “الحقوقية” الإسرائيلية بعد ما وصفته بـ“معركة قضائية” لكسر حجب جيش الاحتلال للمعلومات، نشرت يديعوت أحرنوت العبرية، وموقعا Declassified UK وAOAV البريطانيين، أرقاما تفضح حجم تورّط حملة الجنسيات الأجنبية بالجيش.
التقرير التالي يكشف عن الجنسيات المشاركة، وأسباب انخراطها بجيش الاحتلال، وأدوارهم في العدوان الأخير على قطاع غزة، وطبيعة القوانين الخاصة بالانخراط العسكري الخارجي ومدى تواطؤ دولهم الأصلية في إبقائهم بلا مساءلة.
ما حجم انتشار مزدوجي الجنسية بجيش الاحتلال؟
وفقًا لبيانات “يديعوت أحرونوت”، يقاتل ضمن جيش الاحتلال 50,632 عسكريًا يحملون جنسية أجنبية واحدة على الأقل إلى جانب الجنسيَّة الإسرائيلية.
أشارت الصحيفة إلى أن 4440 من هؤلاء لديهم اثنتان من الجنسيات الأجنبية، بينما يحمل 162 منهم ثلاث جنسيات.
ويشكل حملة الجنسيَّة الأمريكية أكبر كتلة، تليهم الفرنسية والروسية والألمانية والأوكرانية، إضافةً إلى أكثر من ألف يحملون الجنسيات البريطانية، والرومانية، والبولندية، والإثيوبية والكندية، وغيرها.
يوثق هذا الإنفوجراف بالأرقام توزيع الجنسيات الأجنبية التي يحملها جنود جيش الاحتلال، إلى جانب أعداد مزدوجي ومتعددي الجنسية المنخرطين في صفوفه.

ما دوافعهم للانضمام إلى جيش الاحتلال؟
تتنوع الدوافع، لكن النتيجة واحدة: رفد آلة الاحتلال بمقاتلين يحملون جوازات أجنبية:
1- التجنيد الإجباري الإسرائيلي: قانون ما يسمى الخدمة الأمنية في “إسرائيل” يُلزم كل “مواطن”، حتى المقيمين في الخارج، بالتجنيد بمجرد بلوغه 18 عامًا. السفارة الإسرائيلية في لندن ذكرت أن المواطنين في الخارج عليهم تقديم طلب لتحديد وضعهم العسكري في سن 16 عامًا وأربعة أشهر. هذا يعني أن حملة الجوازات الأجنبية المُسجلين كإسرائيليين مكلَّفون بالخدمة حتى لو كانوا يعيشون في نيويورك أو باريس.
2- الهجرة الاستيطانية الأيديولوجية: كثير من الشباب اليهود، خاصة من الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا، يستوطنون في فلسطين المحتلة بدافع عقائدي أو ديني يسمونه “علياه” ويعتبرون الخدمة العسكرية جزءًا من الانتماء الصهيوني. مقال رأي في الغارديان أشار إلى أن عشرات الآلاف من الأمريكيين يخدمون في صفوف الاحتلال، ضمن “منظومة أيديولوجية تستثمر في الاحتلال”.
3- برامج استقطاب وتجنيد: هناك مسارات مثل برنامج Mahal وتسوفيم غارين تسابار، تتيح للشباب اليهود من الخارج الالتحاق بالجيش لمدة 18 شهرًا دون الحصول على الجنسية الإسرائيلية. هذه البرامج تغري الشباب الذين لا يرغبون في الاستيطان الدائم ولكن يريدون المشاركة في الجيش.
4- إغراء اقتصادي وسياسي: دفع مشرعون جمهوريون في أمريكا بمقترح قانون يمنح الأمريكيين الذين يخدمون بجيش الاحتلال نفس امتيازات قدامى المحاربين الأمريكيين. المقترح يستهدف حماية من حجز الممتلكات وتخفيض فوائد القروض، ما يمثل حافزًا للمشاركة في الحرب.
5- ظاهرة الجنود “الوحيدين”: يُطلق هذا الوصف على الجنود الذين لا يملكون عائلة في فلسطين المحتلة. وفق مركز الجنود الوحيدين، هناك أكثر من 7000 جندي من هذا النوع؛ 45% منهم من مهاجرين جدد من مجتمعات يهودية حول العالم. هؤلاء غالبًا يجدون في الجيش مصدرًا للانتماء الاجتماعي والمادي.
ما طبيعة مشاركتهم بالإبادة في غزة؟
معظم الجنود مزدوجي الجنسية يُلحقون بالوحدات القتالية البرية مثل لواء جفعاتي واللواء المدرع 401، ويشاركون في اقتحام المخيمات وتدمير الأحياء السكنية. وخلال العدوان على غزة من 2023 إلى 2025، شارك آلاف الجنود مزدوجي الجنسية في جرائم موثقة:
- وحدات قتالية بريطانية: كشف موقع Declassified UK أن 1686 بريطانيًا يحملون الجنسية الإسرائيلية و383 يحملون جنسية ثالثة قاتلوا ضمن الجيش خلال العدوان. ووثّق كيف كان بعض الجنود البريطانيين يعملون في “أكثر الوحدات جنونًا” في غزة.
وذكر تقرير آخر أن الجندي البريطاني سام سانك صوَّر نفسه وهو يقاتل في غزة بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024، كما ظهر جندي آخر يُدعى ليفي سيمون وهو يفتش أدراج ملابس نساء فلسطينيات.

- جنود أمريكيون: تشير تقارير إلى أن 23380 أمريكيا يخدمون في جيش الاحتلال. صحيفة واشنطن بوست، التي استندت إليها تقارير أخرى، تحدثت عن عائلات أمريكية فخورة بأبنائها الذين يشاركون في الإبادة ويصفونهم بأنهم “أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين”.
- جنود فرنسيون: كشف النائب الفرنسي توماس بورتيس أن نحو 4185 فرنسيًا أو فرنسيًا-إسرائيليًا يقاتلون في الجيش، وطلب من وزير العدل فتح تحقيقات ومحاكمتهم على جرائم الحرب. هذا العدد هو ثاني أكبر كتلة بعد الأمريكيين.
كيف منحت دولهم الأخرى غطاءً لهم؟
- الولايات المتحدة: الانضمام إلى جيش أجنبي غير مجرَّم إذا لم يكن ضد واشنطن أو بنية التخلي عن الجنسية.
- المملكة المتحدة: قانون Foreign Enlistment Act 1870 يعاقب البريطاني الذي يخدم في جيش دولة في حالة حرب مع دولة صديقة للندن، وهو ما قد ينطبق على الفلسطينيين بعد اعتراف لندن بدولتهم. لكن القانون غير مُفعّل، وهناك جدل حول فعاليته وتقادمه.
- فرنسا: لا يوجد نص واضح يمنع الخدمة، وتعتمد الحكومة على مبدأ الولاء المزدوج. ومع ذلك، يمكن ملاحقة الجنود إذا ثبت أنهم ارتكبوا جرائم حرب.
- دول أخرى: بعض الدول الأوروبية مثل بلجيكا وهولندا تسمح لمزدوجي الجنسية بالانضمام لجيش جنسيتهم الأخرى، لكنها تنص على مقاضاتهم إذا ارتكبوا جرائم حرب.
لماذا لم يحاسبوا؟
1- التواطؤ السياسي: “إسرائيل” تحظى بدعم سياسي وعسكري غير مشروط من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، ما يجعل حكومات هذه الدول تتجنب اتخاذ إجراءات قد تزعج الحليف الإستراتيجي. حتى عندما تُقدَّم أدلة على تورط جنود أجانب في جرائم حرب، تكتفي تلك الحكومات بالتنديد لفظيًا دون ملاحقة.
2- عدم وضوح القوانين: بعض القوانين مثل Foreign Enlistment Act البريطاني قديمة وغير مفعلة، وتحتاج إلى إجراءات طويلة لتطبيقها. في فرنسا لا توجد مادة واضحة تمنع الخدمة، ما يجعل النيابة العامة تتملص من فتح ملفات.
3- الولاء المزدوج: الكثير من الحكومات الغربية ترى أن الجنود مزدوجي الجنسية ينتمون لدولتين في آن واحد، وبالتالي يصعب تحديد الولاية القضائية التي يطبق عليها القانون. هذا المفهوم يستخدم ذريعة لعدم التحقيق، لكنه يخالف التزامات تلك الدول بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
4- التيار اليميني المتصهين: في الولايات المتحدة توجد تيارات سياسية تدعم “إسرائيل” بقوة وتسعى لتشريع قوانين تمنح الجنود الأمريكيين في جيش الاحتلال امتيازات. هذه التيارات تمارس ضغطًا على وزارة العدل لعدم ملاحقتهم وتصورهم على أنهم “أبطال يحاربون الإرهاب”.
في المحصلة، فإن هذه البيانات تظهر ما يشبه عدوانا مُدوَّلا: أكثر من 50 ألف جندي بجوازات أجنبية داخل جيش الاحتلال يعني أن الإبادة في غزة شارك فيها مواطنون من دولٍ متعددة، وتحت نظر حكوماتهم في دليل تواطؤ وصمت يوسّع دائرة المسؤولية، ويجعل المساءلة واجبًا يتجاوز “إسرائيل” إلى كل عاصمة وفّرت الغطاء.