يشهد مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في التوازنات الأمنية والسياسية لمنطقة جنوب القوقاز، التي تعد بمثابة الفناء الخلفي التاريخي لروسيا والمجال الحيوي للأمن القومي الإيراني.
هذا التحول لم يأتِ عبر البيانات الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل تجسد في هدير محركات طائرات النقل العسكري الأمريكية التي شقت سماء المنطقة بكثافة غير مسبوقة.
فمنذ 30 يناير/كانون الثاني، نفذت القوات الأمريكية عملية لوجستية ضخمة تضمنت نحو 35 رحلة شحن عسكري إلى كل من أرمينيا وأذربيجان، تزامنا مع زيارة تاريخية لـ “جي دي فانس” نائب الرئيس دونالد ترامب إلى يريفان وباكو، وتصاعد حاد في التوترات مع طهران.
الجسر الجوي.. البيانات الملاحية والعملياتية
لم تكن الحركة الجوية الأمريكية المكثفة تجاه مطارات يريفان (Zvartnots) وباكو (Heydar Aliyev) مجرد نشاط روتيني، بل خطوة منسقة بدقة عالية، تعكس نمط اللوجستيات الصامتة التي تسبق عادة التحولات الاستراتيجية الكبرى أو العمليات العسكرية خاصة أن رحلتين إضافيتين توجهتا أيضا إلى جورجيا في إطار عمليات الدعم.
واستناداً إلى بيانات منصات التتبع الملاحي مثل “فلايت رادار 24” و”ADS-B Exchange”، يمكن تقسيم النشاط الجوي الأمريكي إلى ثلاث مراحل تكتيكية:
1- التمهيد والتهيئة (30 يناير – 5 فبراير 2026)
بدأت العمليات بنسق منخفض الكثافة، حيث تم رصد رحلات فردية متقطعة. تشير العقيدة اللوجستية للقوات الأمريكية إلى أن هذه المرحلة تخصص عادة لنقل “فرق الطليعة”، ومعدات الاتصالات المؤمنة، والتجهيزات اللوجستية اللازمة لاستقبال الوفود عالية المستوى والشحنات الأثقل لاحقاً.
2- التسارع العملياتي (6 فبراير – 9 فبراير 2026)
شهدت هذه الفترة ارتفاعاً حاداً في وتيرة التدفق، حيث سجلت البيانات هبوط 12 طائرة نقل عسكري في أرمينيا و9 طائرات في أذربيجان في غضون أربعة أيام فقط.
هذا التسارع يشير إلى بدء نقل المعدات الرئيسية والشحنات الثقيلة استعداداً لوصول نائب الرئيس، وربما نشر منظومات دفاعية لتأمين الأجواء.

3- ذروة النشاط (10 – 11 فبراير 2026)
وصل الجسر الجوي إلى ذروته العملياتية بالتزامن مع وجود “جي دي فانس” في المنطقة، حيث سجلت البيانات 6 رحلات يومياً، بإجمالي 12 رحلة خلال 48 ساعة.
هذا التزامن الدقيق يشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الرحلات كان مخصصاً للدعم المباشر للزيارة، بالإضافة إلى نقل المعدات التي جرى الاتفاق عليها، مثل الطائرات المسيرة والقوارب.
طبيعة المسارات.. من تكساس إلى القوقاز
كشفت البيانات الملاحية عن مسارات طيران ذات دلالات استراتيجية عميقة:
1- محور “تكساس – الشرق الأوسط”: انطلقت العديد من الرحلات من مطار “روبرت غراي” (Robert Gray Army Airfield) في ولاية تكساس.
الأهمية تكمن في أن هذا المطار يخدم قاعدة “فورت كافازوس” (Fort Cavazos)، وهي مقر رئيسي لوحدات الدفاع الجوي والصاروخي المجهزة بمنظومات Patriot و THAAD.
ورغم أن بعض التقارير أشارت إلى توجه جزء من هذه الرحلات إلى الأردن والسعودية، إلا أن تزامنها مع رحلات القوقاز يرجح أن الولايات المتحدة كانت تعيد نشر مظلة دفاع جوي متكاملة تغطي حلفائها في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز تحسباً لرد فعل إيراني حال توجيه ضربة لطهران.
2- قاعدة رامشتاين (ألمانيا): لعبت هذه القاعدة دور “نقطة الوثوب” (Staging Point) الرئيسية، حيث توقفت معظم الطائرات القادمة من الولايات المتحدة للتزود بالوقود وإعادة تنظيم الشحنات قبل الانطلاق نحو أرمينيا وأذربيجان.
هذا يؤكد أن العملية تدار مركزياً من قبل القيادة الأمريكية في أوروبا (EUCOM) بالتنسيق مع القيادة المركزية (CENTCOM).
أسطول النقل.. القدرات والدلالات
تنوعت الطائرات المستخدمة في الجسر الجوي، مما يعطي مؤشرات قوية حول طبيعة الشحنات المنقولة، حيث لكل طراز خصائص تحدد نوع المهمة.
يظهر الجدول التالي طبيعة أسطول النقل وقدرات ودلالات الطائرات العسكرية المستخدمة في الشحن إلى أذربيجان وأرمينيا وجورجيا.
ما الذي كانت تحمله الطائرات؟
حتى كتابة هذا التقرير لا توجد بيانات رسمية عن شحنات الطائرات. إلا أن السياق يساعد على فهم طبيعة الشحنات:
1- الطائرات المسيَّرة V‑BAT: خلال زيارة جي دي فانس إلى يريفان في 9 فبراير، أُعلن توقيع أرمينيا عقدًا لشراء طائرات استطلاع أمريكية من طراز V‑BAT بتكنولوجيا الإقلاع العمودي.
صفقة بقيمة 11 مليون دولار قد تبدو صغيرة مالياً لكنها تمثل تحولاً استراتيجياً بدمج أرمينيا في منظومة التسليح الغربية وإنهاء الاعتماد الحصري على السلاح الروسي.
صحيفة The Defense Post نقلت عن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن الصفقة تمت ضمن برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية وأنها جزء من توجه أرمينيا لتعزيز الشراكة الأمنية مع واشنطن.
من غير الواضح ما إذا كانت هذه الطائرات وصلت ضمن الرحلات، لكن التوقيت يدعم فرضية نقل معدات مراقبة واستطلاع.
2- تكنولوجيا الحوسبة الفائقة: تضمنت الشحنات وحدات معالجة رسومية متطورة (NVIDIA GB300 GPUs) لمشروع حاسوب فائق.
هذا يشير إلى رغبة واشنطن في تحويل أرمينيا إلى مركز تكنولوجي إقليمي، وربما استخدام هذه القدرات في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات الاستخباراتية.
3- دعم مشروع TRIPP: بعض التحليلات أشارت إلى أن جزءًا من الشحنات قد يخص معدات لوجستية لإنشاء ممر ترامب الجديد TRIPP، وهو مشروع بنى تحتية يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر جنوب أرمينيا.
مركز الدراسات الشرقية (OSW) أوضح أن الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وباكو تركّز على تطوير طرق النقل، بما فيها TRIPP، وتعزيز التعاون في الأمن السيبراني والاقتصاد.
وأشار تقرير لـ Atlantic Council إلى أن الممر يمتد لمسافة 40 كم وسيُدار من قبل شركة أمريكية‑أرمينية بشروط امتياز لمدة 99 عامًا مع حصة أمريكية تبلغ 74٪ في الـ49 عامًا الأولى.
4- قوارب عسكرية: في خطوة لافتة، أعلن نائب الرئيس الأمريكي عن تزويد أذربيجان “بقوارب جديدة” لحماية مياهها الإقليمية، وهو أمر يتطلب طائرات ضخمة مثل C-5 Galaxy التي تم رصدها.
ويكمن الهدف الاستراتيجي في تمكين باكو من موازنة النفوذ البحري الروسي والإيراني في بحر قزوين. فهذه القوارب ستستخدم لتأمين البنية التحتية للطاقة (منصات الغاز والنفط) ومراقبة خطوط النقل البحري التي قد تكون جزءاً من الممر الأوسط.
الوجود العسكري الأمريكي والعلاقة مع إيران
بعيدًا عن هذه الرحلات، تصرّ الحكومة الأرمنية على أنه لا يوجد قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. كما لا يوجد في أذربيجان وجود عسكري أمريكي دائم وفقاً للمعلومات المتاحة.
النائب البرلماني الأرميني أرمان ييغويان، نفى وجود خطط لتأجير طريق في مقاطعة سيونيك التي سيطلق فيها مشروع TRIPP للأمريكيين، وأكد أن أرمينيا رفضت عرضًا أمريكيًا لإدارة الطريق حفاظًا على السيادة.
المتحدثة باسم الحكومة نازيلي باغداساريان نفت أيضا أي حديث عن تسليم السيطرة على الطريق لأطراف أجنبية، مشددة على أن المشروع سينفذ ضمن السيادة الأرمينية.
ومنذ ضرب أمريكا و”إسرائيل” منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران 2025، ساد الحديث عن احتمال استخدام الأراضي الأرمينية أو الأذربيجانية كمنصة عسكرية. إلا أن المسؤولين في البلدين أكدوا التزامهم بعدم التورط:
- رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أكد أن بلاده “لن تشارك في أي عمل ضد إيران” وأنها تطمح للحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الجيران.
- وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بايراموف شدد على أن أذربيجان ستواصل انتهاج سياسة خارجية مستقلة وأنه لا يمكن استخدام أجوائها لضرب إيران.
هذه المواقف هدفت إلى طمأنة إيران وترسيخ صورة البلدين كجهات محايدة، رغم شراكتهما المتزايدة مع واشنطن وما تلا ذلك من غموض ما زال يحيط بطبيعة الشحنات العسكرية الأخيرة وأهدافها.