ترجمة وتحرير: نون بوست
في نهاية يوم قضوه في قتل النساء والأطفال ببنادق القنص باهظة الثمن، كان زوّار سراييفو يحبّون الاحتفال حتى ساعات الفجر الأولى، يلتهمون لحم الخنزير المشوي ويحتسون البراندي. ويستعيد ألكسندر ليكانين، والذي يقول إنه شاهد هذه الاحتفالات، ذكرياته قائلاً: “كانوا يذهبون إلى المقهى بين السادسة والسابعة مساءً ويبقون حتى الخامسة صباحًا، يغنّون ويضحكون”.
ويؤكد ليكانين، البالغ من العمر 63 عامًا والذي كان متطوعًا في وحدة دبابات صربية بوسنية آنذاك، أن الأجانب الذين دفعوا مقابل امتياز قتل المدنيين الأبرياء كانوا في الغالب رجالًا أثرياء، لكن بينهم أيضًا نساء، مضيفًا أنهم شملوا بريطانيين وإيطاليين وألمان.
وقد ترددت على مدى سنوات تقارير عن ما يُعرف بـ”سفاري سراييفو”، الذي يُقال إنه جذب أثرياء أجانب إلى التلال المطلة على العاصمة البوسنية في أوائل التسعينيات، بينما كانت محاصرة من قبل القوات الصربية البوسنية خلال حروب البلقان.

مقابل دفع مبالغ وصلت إلى 88 ألف جنيه إسترليني، كان يُسمح للزوّار باستخدام مواقع القنص التابعة للصرب البوسنيين لإطلاق النار على السكان الذين يحتمون في المدينة أدناه، مع دفع مبالغ أكبر لقاء امتياز قتل الأطفال أو النساء الحوامل. وكانت ضحاياهم ضمن أكثر من 11,500 شخص قُتلوا خلال الحصار الذي استمر أربع سنوات.
ووافق ليكانين على لقاء صحيفة “ذا تايمز” في البوسنة لكشف كل ما يتذكره عن القنّاصة المزعومين، بينما يحقق قضاة في إيطاليا في مزاعم تفيد بأن صيادين إيطاليين كانوا من بينهم. فقد استجوب المحققون، سائق شاحنة ومقتني أسلحة يبلغ من العمر 80 عامًا من مدينة بوردينوني في شمال شرق إيطاليا، والذي نفى تورطه. ومن المقرر استجواب ثلاثة مشتبه بهم آخرين من الإيطاليين.
وبعد صمت دام ثلاثة عقود، قال ليكانين إنه مستعد للكلام لأن التحقيق الإيطالي جارٍ. وأضاف وهو يدخّن بشراهة في أحد مقاهي مسقط رأسه برييدور: “أريد أن تظهر الحقيقة، وكنت أنتظر بدء تحقيق حقيقي”.
بعد أن احتجزه البوسنيون، تمكن الشاب البالغ من العمر 31 عامًا آنذاك من الوصول إلى حي غربافيتشا في سراييفو الذي يسيطر عليه الصرب، والتحق بوحدة دبابات تديرها القوات الصربية البوسنية التي شاركت في الحصار الدموي للمناطق التي يسيطر عليها البوسنيون. وقال ليكانين إن قائده، سلوبودان تودوروفيتش، كان ضابطًا سابقًا في الجيش اليوغوسلافي المنحل، وأضاف: “أنا مستعد لأن أقف وأخبر القضاة الإيطاليين بما أعرفه”.
وبحسب ليكانين، فقد بدأت حربه عام 1993 حين انقسمت الجماعة الصربية البوسنية التي ينتمي إليها في سراييفو عن البوشناق المسلمين المحليين، مع تصاعد الانقسامات العرقية والدينية التي غذّت الصراع في يوغوسلافيا المتفككة.
وبعد أن اعتقله البوشناق، تمكن وهو في الحادية والثلاثين من عمره من الوصول إلى حي غربافيتسا الخاضع لسيطرة الصرب في سراييفو، وانضم إلى وحدة دبابات تابعة للقوات الصربية البوسنية شاركت في الحصار الدموي للمناطق التي يسيطر عليها البوشناق.
وقال ليكانين إن قائده، سلوبودان تودوروفيتش، كان ضابطًا سابقًا في الجيش اليوغوسلافي المنحل. وبالتمركز في مقبرة اليهود بالمدينة، التي تطل على سراييفو، شاركت وحدة ليكانين موقعها مع ميليشيا صربية قوامها 200 مقاتل تُعرف بـ”كتيبة نوڤو سراييفو الشيتنيك”، بقيادة عامل البريد السابق سلافكو ألكسيتش.
وأوضح ليكانين أن وحدته كانت تتلقى إحداثيات الأهداف من القادة، بينما كان قنّاصة ألكسيتش يختارون ضحاياهم بأنفسهم، وقال: “كان لألكسيتش منطقة محدودة في المقبرة تبعد 200 متر عنا يمكننا رؤيتها. وكانوا يطلقون النار على النساء والأطفال وكبار السن. لقد كانوا خارج السيطرة، وكان ألكسيتش بوضوح مختلًا نفسيًا، ويمكنك أن ترى ذلك في عينيه”.
وأضاف ليكانين أنه رأى لأول مرة أجانب أنيقين يتمركزون مع قنّاصة ألكسيتش في عام 1993 أو 1994،وقال: “كانوا يرتدون سترات جلدية باهظة الثمن، وقيل لي إنهم إيطاليون وألمان وبريطانيون. وكانوا يُساعدون في العثور على الأهداف، وكان إطلاق النار من المقبرة كان سهلاً للغاية، فكل شيء أمام”.
وأشار ليكانين إلى أن هؤلاء الأجانب، الذين كانوا يقيمون في مجمّع بالقرب من المقبرة، كانوا يدفعون أيضًا ما بين 500 إلى 1000 مارك ألماني “نحو 200 إلى 400 جنيه إسترليني” للحصول على موقع قنص مميز في المباني العالية.
وقال ليكانين: “بعد الصيد، كان يتم إخلاء مقهى لإفساح المجال لهم، وتصل سيارة ألكسيتش الجيب التي كان مثبتًا على مقدمتها جمجمة. وكنا نغادر المكان، فلم نكن نريد أي اتصال بهم”.
وقال ليكانين: “كانوا يأكلون كثيرًا، ويتلذذون باللحوم، خاصة لحم الخنزير المشوي والضأن”، مضيفًا أن البيرة والويسكي والكونياك كانت تُقدَّم أيضًا، وتابع قائلًا: “كانوا يحتفلون بقتل الناس. ولا أستطيع أن أتخيّل كيف يمكن أن يعيش المرء بعد قتل طفل”.
وأضاف ليكانين أنه لم يُفاجأ برؤية نساء أجنبيات يدفعن مقابل القتل، وقال: “كان الأمر طبيعيًا بما أن الصرب كانت لديهم قنّاصات أيضًا، فقد كان جميع القنّاصة مجرد ساديين خالصين”.
وقد دعم ادعاء ليكانين بأن نساء كنّ ضمن القنّاصة السياح زلاتكو ميليتيتش، الذي كان حينها رئيس الشرطة في سراييفو ويقود فريقًا لمكافحة القنص.
وقال ميليتيتش لقناة البلقان الإخبارية “إن1” هذا الشهر: “أتذكر امرأة من رومانيا لا بد أنها قتلت أكثر من عشرة أشخاص. كان أولئك القنّاصة الأجانب متحصنين بعمق داخل خنادق إسمنتية وكان من الصعب تحييدهم”.
وأكد ميليتيتش، الذي يشغل اليوم منصب عضو في البرلمان في البوسنة: “لقد قتلوا عشرات الأطفال والنساء. وكانت لدينا معلومات تفيد بأن ميليشيا ألكسيتش كانت تستضيف هؤلاء الأشخاص مقابل المال، وأن معظمهم جاؤوا من إيطاليا”.
وزعم ليكانين أن أحد الصرب الذين ساعدوا القنّاصة الأجانب كان ألكسندر فوتشيتش، الذي كان حينها عضوًا شابًا في الحزب الراديكالي الصربي اليميني المتطرف، وهو اليوم الرئيس السلطوي لصربيا.
وقال ليكانين: “كان يجلس في المقهى ويترجم للأجانب”، أما فوتشيتش فقد قال إنه لم يكن يعمل مع ألكسيتش في ذلك الوقت، بل كان موجودًا في سراييفو بصفته صحفيًا فقط.
وشجّع الصحفي الاستقصائي الكرواتي دوماغوي مارغيتش ليكانين على الكلام، إذ زعم هو أيضًا في نوفمبر/ تشرين الثاني أن فوتشيتش كان متورطًا في “السفاري البشري”. وقد وصفت متحدثة باسم الزعيم الصربي هذه المزاعم بأنها “معلومات مضللة خبيثة، صُمِّمت خصيصًا لتقويض المصداقية المؤسسية لجمهورية صربيا ورئيسها”.
وتوفي ألكسيتش في ديسمبر/ كانون الأول، لكن قبل وفاته نفى أن يكون فوتشيتش جزءًا من ميليشياته، كما استبعد استضافة قنّاصة أجانب. ومنذ ذلك الحين، زعم مارغيتش أن الاستخبارات الصربية ربما دبّرت وفاته خشية أن يغيّر روايته.
وقد روّج لهذه النظرية أيضًا المحامي الصربي تشيدومير ستويكوفيتش، الذي اتُّهم أمام محكمة صربية بـ”التحريض على تغيير عنيف للنظام الدستوري”، وحُظر من النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الآن رهن الإقامة الجبرية بعد رفضه الامتثال.
وفي زغرب، قال مارغيتش لصحيفة “ذا تايمز” إن ألكسيتش، قبل وفاته، سلّم أرشيفه إلى زميل سابق في الميليشيا، والذي سلّمه بدوره إلى مارغيتش. وقد عرض الصحفي وثائق مكتوبة على الآلة الكاتبة تحمل فيما يبدو توقيع ألكسيتش، تمنح فوتشيتش إذنًا بمرافقة الأجانب في البوسنة في أوائل التسعينيات.
ونفى مارغيتش الاتهامات بأن الوثائق مزوّرة، ونشر بعضها على الإنترنت، بما في ذلك وثيقة تذكر اسم قنّاص إيطالي، وقد أخفى مارغيتش اسم الإيطالي مكتفيًا بالأحرف الأولى ر. ر، وقال: “لقد أبلغت القضاة الإيطاليين باسمه”.
وأضاف مارغيتش أنه كان يسمع تقارير عن عمليات القنص منذ أواخر التسعينيات. وقال: “أخبرني شركاء ألكسيتش أنه كان بإمكانك دفع المال لتصل إلى سراييفو بطائرة هليكوبتر، أو السفر إليها بشاحنة من بلغراد، أو بحافلة تقل متطوعين صرب تغادر بلغراد مساء الخميس وتعود الأحد. وكانت تكلفة الرحلة ذهابًا وإيابًا 2000 مارك ألماني [نحو 800 جنيه إسترليني]”.
وقد ذكر شهود في سراييفو آنذاك أن وتيرة عمليات القنص كانت تزداد في عطلة نهاية الأسبوع.
وقال مارغيتش إنه أُبلغ من قبل جهات مرتبطة بالميليشيات أن القنّاصة جاءوا من روسيا ورومانيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، مضيفًا: “قيل لي إنهم كانوا يدفعون مبالغ أكبر مقابل إطلاق النار على الأطفال والنساء الحوامل”.
وظهرت مزاعم “السفاري البشري” تدريجيًا منذ التسعينيات؛ ففي عام 2007 تحدّث جون جوردان، وهو من مشاة البحرية الأمريكية وكان في سراييفو آنذاك، عن “القنّاصة السياح”. وفي عام 2022، أثار فيلم وثائقي للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش بعنوان “سراييفو سفاري” تحقيقًا أجراه الصحفي الإيطالي إيزيو غافازيني، مما أدى بدوره إلى فتح التحقيق الإيطالي.
وقال إدين سوباشيتش، ضابط استخبارات بوسني سابق، إن جنديًا صربيًا أُسر في سراييفو كشف أنه التقى مجموعة من خمسة قنّاصة إيطاليين. وبعد أن قدّم سوباشيتش شكوى لضباط الاستخبارات الإيطالية، أبلغوه في أوائل عام 1994 أنهم أوقفوا تلك الزيارات.
وفي مقهى في برييدور، وهو يشعل سيجارة أخرى، قال ليكانين إنه يتذكر رؤية أجانب يطلقون النار في سراييفو حتى اتفاق دايتون الذي أنهى الأعمال العدائية بعد أكثر من عام، في نوفمبر 1995.
وبعد الحرب تزوّج ليكانين وعمل حطّابًا، لكن صدمة القتال لم تفارقه، وقال: “زوجتي تقول إنني ما زلت أعاني كوابيس، رغم أنني لا أتذكرها في الصباح. كان الأجانب الذين جاؤوا إلى سراييفو أصحاب عقول مريضة، وأراهن أنهم لا يعانون من الكوابيس”.
المصدر: ذا تايمز