لم يعد ملف الملياردير الأمريكي المدان بالاتجار الجنسي، جيفري إبستين، حكراً على الشخصيات الغربية من أمراء ورؤساء ومتنفذين، فمع رفع السرية عن آلاف الوثائق الجديدة مطلع عام 2026، تحول مسار الفضيحة ليضرب بقوة في عمق الشرق الأوسط.
يكشف هذا التقرير، كيف تحولت العواصم العربية من محطات للضيافة الدبلوماسية إلى ساحات لتبادل المصالح المشبوهة، وانتهاك المقدسات، وسقوط رؤوس اقتصادية كبرى، ويرصد حجم التورط العربي في التواصل مع إبستين.
سقوط “سلطان” الموانئ
تُظهر الوثائق أن علاقة إبستين بالمنطقة لم تكن عابرة، فقد تغلغل في مفاصل الاقتصاد العالمي عبر شخصيات نافذة، وكان الحدث الأبرز في هذا المحور هو السقوط المدوي لأحد أهم رجال الأعمال في دبي.
في 13 فبراير/شباط 2026، أعلنت حكومة دبي بشكل مفاجئ استقالة سلطان أحمد بن سليم من منصبه كرئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة “موانئ دبي العالمية”، وذلك بعد ساعات من كشف أعضاء في الكونغرس الأمريكي (مثل توماس ماسي ورو خانا) عن علاقته بإبستين.
إذ كشفت الوثائق غير المنقحة أن اسم بن سليم ورد أكثر من 4700 مرة في ملفات إبستين، متجاوزاً بذلك العديد من الشخصيات الغربية البارزة.
1- فضيحة “فيديو التعذيب”: في واحدة من أخطر الرسائل، أرسل إبستين بريداً إلكترونياً إلى بن سليم يقول فيه صراحة: “لقد أحببت فيديو التعذيب”، مما يثير تساؤلات حول طبيعة المواد التي كانت يتم تبادلها بين الرجلين.
2- مراسلات جنسية صريحة: في عام 2015، أرسل بن سليم رسالة لإبستين يصف فيها لقاءه بفتاة كانت تدرس في جامعة أمريكية بدبي، قائلاً: “كان أفضل جنس حظيت به على الإطلاق… جسد مذهل”، مضيفاً: “لقد خُطبت لكنها عادت إليّ الآن”.
3- علاقة “الصديق الموثوق”: وصفت الرسائل العلاقة بينهما بالحميمية الشديدة، حيث خاطب إبستين بن سليم قائلاً: “أنت أحد أكثر أصدقائي الموثوقين”، ليرد الرجل الإماراتي بإخباره عن رحلة بحرية مع “عينة روسية 100%”.
أدت هذه التسريبات إلى ضغط فوري من الشركاء الدوليين؛ حيث جمد صندوق التقاعد الكندي (La Caisse) ومؤسسة الاستثمار البريطانية (BII) تعاونهما مع “موانئ دبي”، مما جعل استقالة بن سليم ضرورة حتمية لإنقاذ سمعة المؤسسة الاقتصادية العملاقة.

تطبيع مبكر عبر الاستثمارات
من بين محتويات الرسائل التي نُشرت، تبرز محاولة إبستين لعب دور وسيط بين ابن سليم ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.
ففي عام 2013 وصف إبستين بن سليم لباراك بأنه “اليد اليمنى للشيخ مكتوم (حاكم دبي محمد بن راشد)” وحثه على لقائه.
تشير الوثائق إلى أنهم التقوا عدة مرات وأن النقاشات تناولت استثماراً محتملاً في سلسلة لوجستية إسرائيلية، لكن باراك رد بأن الوقت غير مناسب وأنه يفضل الانتظار.

هذا يكشف كيف كان إبستين يحاول توسيع نفوذه الاقتصادي من خلال ربط رجال الأعمال العرب بشخصيات إسرائيلية بارزة، على الرغم من عدم وجود دليل على تنفيذ هذه المشاريع.
انتهاك المقدسات عبر الهدايا
لعل الطبقة الأكثر قتامة في هذه الوثائق هي تلك التي تتقاطع فيها السياسة بالدين، حيث كشفت التسريبات عن استغلال رموز دينية مقدسة كـ “هدايا” في شبكة الاتجار الجنسي.
ففي سابقة أثارت غضباً إسلامياً واسعاً، كشفت سجلات الشحن والمراسلات أن إبستين تلقى عام 2017 شحنة تحتوي على قطع من كسوة الكعبة المشرفة.
تفاصيل الشحنة: تضمنت ثلاث قطع، قطعة من الكسوة الداخلية للكعبة، وقطعة من الكسوة الخارجية المستخدمة، وقطعة ثالثة مطرزة لم تُستخدم.
جرى شحن تلك القطع جواً من السعودية إلى مقر إقامة إبستين في الولايات المتحدة تحت مسمى “أعمال فنية” (Artwork) للتمويه الجمركي.
الصورة المدنسة: وثقت صورة فوتوغرافية جيفري إبستين وسلطان أحمد بن سليم وهما يقفان فوق قطعة من الكسوة (التي تحمل آيات قرآنية ومطرزة بالذهب) بعد أن بُسطت على الأرض كأنها “سجادة” في منزل الملياردير المدان، في امتهان صارخ لرمزيتها الدينية.

شبكة التوريد: لم تصل القطع عشوائياً، بل عبر شبكة منظمة. أظهرت الإيميلات تورط سيدة أعمال مقيمة في الإمارات تدعى عزيزة الأحمدي، والتي نسقت الشحنة مع شخص يدعى عبدالله المري لتأمين خروج القطع الأثرية المقدسة ووصولها إلى الممول الأمريكي.
محاولات التدخل السياسي
تُظهر الوثائق محاولات إبستين المستميتة لاختراق دوائر القرار في الرياض خلال عامي 2016 و2017.
سافر إبستين إلى الرياض أواخر 2016، وعاد بهدية وصفها في رسائله لرجل الأعمال الأمريكي توماس بريتزكر بأنها “خيمة بدوية بسجادها”، مشيراً إلى أنها من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
كما عثر المحققون على صورة للملياردير المدان مع ابن سلمان في قصر إبستين بمانهاتن، بالإضافة إلى جواز سفر نمساوي مزور له مسجل فيه محل الإقامة “السعودية”.

وكشفت الوثائق عن تواصل مكثف بين إبستين ورأفت الصباغ المستشار في الديوان الملكي آنذاك، تضمن لغة سوقية وإيحاءات جنسية فجة من الأخير للملياردير المدان مثل “أنا متأكد أنك تفتح الكثير من الأرجل هناك”.
الأخطر سياسياً، هو أن إبستين قدم نصيحة استراتيجية للصباغ بعدم طرح شركة أرامكو النفطية للاكتتاب في وول ستريت.
واقترح بدلاً من ذلك بيع خيارات للصين أو إنشاء عملة نفطية، وهو ما يكشف عن محاولته لعب دور “المستشار السري” في كبرى القرارات الاقتصادية للمملكة.
رسائل حول مقتل خاشقجي
الوثائق احتوت أيضاً على رسائل تخص قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي عام 2018 في قنصلية بلاده بإسطنبول.
في 12 أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام كتب وزير الإعلام الكويتي الأسبق أنس الرشيد لإبستين واصفاً جريمة القتل بأنها “قبيحة”، فرد رجل الاعمال المدان بأنه “يشتم رائحة مؤامرة أكبر”.
View this post on Instagram
وقال إبستين إنه لن يتفاجأ إذا كان ولي عهد أبوظبي سابقا والرئيس الإماراتي حاليا محمد بن زايد قد “نصب فخاً” لولي العهد السعودي.
ناقش الطرفان فيما بعد ما إذا كان يمكن اعتبار خاشقجي “إرهابياً” أو تصوير الجريمة كـ“عملية سرية فاشلة”.
وتظهر هذه الرسائل أن إبستين كان يتابع الأحداث السياسية في المنطقة ويخوض تكهنات بعيدة عن الوقائع.
الدبلوماسية العربية الملوثة
تكشف الوثائق عن التناقض الصارخ بين الواجهة الحقوقية والدبلوماسية لبعض الشخصيات العربية، وبين واقعهم في مراسلات إبستين.
برز اسم الدبلوماسية الإماراتية هند العويس، التي شغلت سابقا مناصب رفيعة في الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان الإماراتية، في 469 رسالة بريد إلكتروني متبادلة مع إبستين بين 2011 و2012.

وبدلاً من نقاشات حول تمكين المرأة، تضمنت الرسائل تنسيقات لوجستية مريبة. ففي إحداها (يناير/كانون الثاني 2012)، كتبت لإبستين: “تجهيز فتاة واحدة صعب بما فيه الكفاية؛ أما فتاتان، فيمكنك بالتأكيد تسميته تحدياً”.
في رسالة أخرى صادمة، أبدت حماساً لتقديم شقيقتها الصغرى لإبستين، قائلة: “أنا متحمسة جداً لرؤيتك وتقديمك لأختي، إنها أجمل مني حتى”.
وتكشف وثائق إبستين المسرّبة عن شبكة العلاقات المعقدة في قلب العالم العربي أن رجل الاعمال المدان كان يحاول الاستثمار في النفوذ السياسي والاقتصادي أكثر مما كان يسعى إلى تحقيق مصالح مالية فحسب.
ومع أنّ الوثائق لا تتضمن أدلة على تورط بعض الشخصيات العربية المذكورة في الجرائم الجنسية التي أدين بها إبستين، فإنها تفتح نقاشاً واسعاً عن أسباب تعامل “النخب” العربية مع شخصيات تحمل سجلات أخلاقية إجرامية.