ترجمة وتحرير: نون بوست
تبدو فنزويلا، للوهلة الأولى، قصة نفط تقليدية. غير أن القضية تتجاوز الوقود الأحفوري بمفهومه الكلاسيكي لأمن الطاقة. فالذكاء الاصطناعي يعيد رسم معادلة الطاقة على نحو جذري
لم تعد أزمة النظام الدولي مجرد طرحٍ نظري، بل باتت واقعاً يتصدر العناوين بعناوين كانت حتى وقت قريب تبدو ضرباً من الخيال: عمليات أميركية في فنزويلا، وتهديدات بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة، واتساع الفجوة الاستراتيجية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. ورغم أن النظام الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة لا ينهار بين ليلة وضحاها، فإنه يتجه بوضوح نحو صيغة أكثر تبادلية وأحادية وصراحة في حساباتها الاستراتيجية.
وتُسوّغ إدارة ترامب هذه التحركات باعتبارات الأمن القومي؛ غير أن هذا التبرير – وإن لم يكن خاطئًا – يظل قاصرًا عن الإحاطة بالصورة كاملة. فالسؤال الجوهري لا يتمثل فيما إذا كانت هذه الخطوات أمنية الطابع، بل في سبب توقيتها الآن، وكيف تتقاطع عبر ساحات تبدو متباعدة جغرافياً وسياسياً، من القطب الشمالي إلى أميركا اللاتينية وصولاً إلى أوروبا الشرقية.
والإجابة تكمن في التسارع المحموم لسباق الذكاء الاصطناعي؛ فعند تناول ملفات غرينلاند وفنزويلا ودبلوماسية المعادن النادرة وإعادة تموضع الطاقة كلٌّ على حدة، تبدو وكأنها تجليات تقليدية للواقعية السياسية: تنافس على الموارد، واستعراض للقوة، وضغوط دبلوماسية. لكن قراءتها مجتمعة تكشف عن استراتيجية بعيدة المدى تتمحور حول هدف مركزي: تأمين الموارد المادية ومصادر الطاقة اللازمة لحسم منافسة الذكاء الاصطناعي مع الصين.
المسألة، إذاً، ليست مسألة أراضٍ بل مسألة بنية تحتية.
الذكاء الاصطناعي كإستراتيجية كبرى
منذ عودته إلى البيت الأبيض، تعامل ترامب مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أولوية منظومية لا قطاعية؛ فقد أصبح في صلب الاستراتيجية الوطنية الأميركية، موجهاً تحديث المنظومة الدفاعية، والسياسة الصناعية، وضوابط التصدير، وتخطيط الطاقة، وحتى أدوات التمويل الاستراتيجي. كما أُدرجت سلاسل إمداد المعادن الحيوية رسميًّا ضمن ضرورات الأمن القومي في إستراتيجية الأمن القومي، فيما استهدفت أوامر تنفيذية توسيع الاستخراج المحلي وإعادة بناء قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة داخل الولايات المتحدة. وتعكس الشراكات بين القطاعين العام والخاص مع شركات التعدين والمواد الأميركية سعياً لاستعادة قدرات صناعية هاجرت إلى الخارج على مدى عقود.
غير أن السمة الأبرز لهذه المرحلة تتمثل في التقارب غير المسبوق بين الحكومة الفدرالية وكبرى شركات التكنولوجيا؛ فلم تعد شركات وادي السيليكون تعمل بمعزل عن دوائر صنع القرار في واشنطن، كما أن مطوري الذكاء الاصطناعي، ومصنعي أشباه الموصلات، ومزودي الحوسبة السحابية فائقة النطاق، ومشغلي مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، باتوا جزءًا من نقاشات التخطيط الإستراتيجي؛ حيث تُصاغ العقود، وضوابط التصدير، وتمويل البنية التحتية، والسياسات الصناعية، بالتنسيق مع الشركات التي تقود سباق الذكاء الاصطناعي. وبذلك أصبح الخط الفاصل بين الاستراتيجية الوطنية واستراتيجيات الشركات أكثر تداخلاً من أي وقت مضى.
إن مجمل هذه التحركات يتجاوز إطار السياسة الاقتصادية التقليدية، ليعكس اعترافاً بقيدٍ هيكلي: فالولايات المتحدة لا تستطيع فك ارتباطها بالكامل بالصين في ظل الواقع التكنولوجي الراهن. صحيح أن خطاب فك الارتباط بدأ خلال الولاية الأولى لترامب، غير أن تطورات السوق كشفت عمق التشابك القائم في تصنيع أشباه الموصلات، وتكرير المعادن النادرة، وإنتاج البطاريات المتقدمة، وأنظمة الطاقة العابرة للحدود.
وهنا تتجلى مفارقة إستراتيجية واضحة: فبينما يُقدَّم فك الارتباط باعتباره ضرورة أمنية، فإن حجم الاعتماد المتبادل يجعل أي انفصال مفاجئ محفوفاً بمخاطر زعزعة الاستقرار. وتدرك واشنطن وبكين هذه الحقيقة، ما يدفعهما إلى سباق صامت لتقليص مواطن الهشاشة قبل وقوع قطيعة منهجية محتملة. والهدف ليس الانفصال الفوري، بل التحصن استعداداً له.
وفي هذا السياق، سيحدد تحقيق الاستقلالية في مجالات أشباه الموصلات، ومعالجة المعادن النادرة، وتوليد الطاقة، من يمتلك القدرة على الصمود في حال حدوث قطيعة مستقبلية؛ فالدولة التي تحكم قبضتها أولاً على هذه المدخلات الأساسية ستتمتع بأفضلية حاسمة في سباق الذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنظور، لا تبدو قرارات حظر تصدير تصاميم الرقائق المتقدمة، وتشديد القيود على تدفقات المعادن الحيوية، وتوسيع التحالفات الصناعية، خطوات منفصلة، بل حلقات ضمن عملية إعادة تموضع استراتيجية أشمل؛ فلقد انتقل سباق الذكاء الاصطناعي من ساحة البرمجيات إلى ميدان البنية التحتية، وأصبحت دبلوماسية الموارد أكثر صرامة تبعاً لذلك.
غرينلاند: العناصر الأرضية النادرة ولوحة شطرنج القطب الشمالي
وقد لوّح ترامب علناً بضم غرينلاند، مبرراً ذلك باعتبارات الأمن القومي لا بالموارد المعدنية؛ غير أن مسار النقاشات، بعد أشهر من التوتر الدبلوماسي، اتجه نحو إدراج العناصر الأرضية النادرة صراحة ضمن أطر التعاون إلى جانب الملفات الدفاعية. ويعكس هذا التحول حقيقة أعمق: فالأهمية الجيوستراتيجية لغرينلاند اليوم لا تقتصر على موقعها العسكري، بل تمتد إلى دورها المحتمل في سلاسل الإمداد الحيوية.
فالجزيرة تضم بعضاً من أكبر الاحتياطيات غير المطورة من العناصر الأرضية النادرة في العالم، بما في ذلك موقعي كفانيفيلد وتانبريز، الغنيين بالعناصر الثقيلة الضرورية للمغانط المتقدمة، والأسلحة الدقيقة، وأشباه الموصلات، ومعدات الذكاء الاصطناعي. كما أن توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وغرينلاند عام 2019 بشأن التعاون في المعادن الحيوية يؤكد أن حسابات الموارد سبقت التصعيد السياسي بسنوات.
من جهتها، لم تغفل الصين عن أهمية الجزيرة، إذ سعت عبر “طريق الحرير القطبي” إلى توسيع حضورها في مشاريع البنية التحتية والاستثمار في مشاريع العناصر الأرضية النادرة المرتبطة بغرينلاند. وحتى حين تعثرت بعض هذه المشاريع، ظل تفوق بكين في قدرات المعالجة يمنحها أوراق ضغط على أي استخراج مستقبلي.
وفي موازاة ذلك، يشهد القطب الشمالي تحولات متسارعة بفعل ذوبان الجليد، ما يفتح ممرات شحن جديدة ويعيد تشكيل التوازنات العسكرية في شمال الأطلسي. وتقع غرينلاند عند تقاطع طرق التجارة الناشئة ومسارات الصواريخ، ما يمنحها ثقلاً إستراتيجياً متزايداً في عالم يتغير مناخياً وجيوسياسياً.
وفي السياق الأوسع للذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، لم تعد العناصر الأرضية النادرة تفصيلاً تقنياً، بل ركيزة أساسية؛ فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي من الرقائق إلى المغانط وأجهزة الاستشعار والمواد الكمية تعتمد على معادن تهيمن الصين على معالجتها. وهنا تبرز غرينلاند كبديل محتمل في معركة تتجاوز الجغرافيا إلى عمق سلاسل الإمداد.
بالتالي، لا يُختزل اهتمام ترامب بغرينلاند في طموح جغرافي، بل يعكس تحولاً أوسع في تعريف الأمن القومي نفسه. فقد أصبحت السياسة الأمنية مرادفة لسياسة البنية التحتية، وأضحى الوصول إلى المعادن ونفوذ سلاسل الإمداد عاملاً حاسماً في رسم ملامح القوة في القرن الحادي والعشرين.
فنزويلا: الطاقة والمعادن والنفوذ الإستراتيجي
وللوهلة الأولى، تبدو فنزويلا قصة نفط تقليدية؛ فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. غير أن المسألة تتجاوز الوقود الأحفوري بالمعنى التقليدي لأمن الطاقة؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد رسم معادلة الطاقة بصورة جذرية.
ويشهد الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة ارتفاعًا متسارعًا، مدفوعًا جزئيًّا بالتوسع الكبير في مراكز البيانات التي تشغّل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. ففي عام 2023؛ استهلكت مراكز البيانات الأميركية نحو 4.4 بالمئة من إجمالي الكهرباء، مع توقعات بارتفاع ملموس لهذه الحصة مع تنامي أعباء عمل الذكاء الاصطناعي. وفي الولايات التي تتركز فيها هذه المراكز، ارتفعت أسعار الكهرباء بوتيرة تفوق المتوسط الوطني؛ إذ زادت فواتير الطاقة بنسبة 13 بالمئة في فيرجينيا، و16 بالمئة في إلينوي، و12 بالمئة في أوهايو خلال العام الماضي وحده. وتعمل شركات المرافق على توسيع قدرات التوليد وتحديث شبكات النقل لاستيعاب هذا الطلب المركز، ما يعزز حقيقة أن الكهرباء أضحت وقودًا إستراتيجيًّا، لا مجرد سلعة.
وفي هذا السياق، يمكن للنفط والغاز الفنزويليين أن يساهما في دعم الطلب الأميركي على الطاقة من خلال تعزيز إمدادات الخام وتخفيف الضغوط على الشبكات والمصافي. إلا أن الأهمية الإستراتيجية لفنزويلا تمتد إلى ما هو أبعد من الهيدروكربونات؛ إذ يقع جزء كبير من أراضيها فوق “درع غويانا” الغني باحتياطيات معتبرة من النيكل والنحاس والبوكسيت والكولتان والذهب وغيرها من المعادن الحيوية اللازمة للإلكترونيات المتقدمة، والتقنيات الدفاعية، ومصادر الطاقة المتجددة، وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية. وفي عام 2016، أنشأت كاراكاس “قوس أورينوكو التعديني” كمنطقة واسعة خاضعة لسيطرة الدولة لاستخراج المعادن، واضعةً هذه الموارد رسمياً تحت إدارة مركزية.
غير أن الواقع على الأرض يكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا؛ إذ أصبح التعدين مزيجًا من إشراف الدولة، وعمليات غير رسمية، واستخراج غير قانوني واسع النطاق. ويُهرَّب جزء كبير من المعادن، ولا سيما الكولتان ومواد إستراتيجية أخرى، إلى كولومبيا ومنها إلى الأسواق العالمية، حيث ينتهي قسم معتبر منها في شبكات المعالجة الصينية. وعلى الرغم من أن الإنتاج الرسمي للعناصر الأرضية النادرة لا يزال محدوداً، فإن المنظومة المعدنية الأوسع في فنزويلا تعزز حضور بكين في سلاسل الإمداد العالمية، علماً بأن الصين كانت لسنوات أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي.
من هذا المنظور؛ فإن التأثير في موارد فنزويلا ومعادنها يمنح الولايات المتحدة عدة مزايا إستراتيجية. أولاً، يتيح لها إدارة احتياجاتها من الطاقة بصورة استباقية بدلاً من تركها عرضة لتقلبات السوق العالمية. ثانياً، يحد من قدرة الصين على الاستفادة من النفط الفنزويلي منخفض التكلفة وتنويع مصادر إمداداتها. ثالثاً، يعزز أدوات النفوذ الأميركية، سواء عبر آليات العقوبات أو التموضع في الأسواق.
دبلوماسية العناصر الأرضية النادرة
لا يكتمل الربط بين غرينلاند وفنزويلا والذكاء الاصطناعي من دون التوقف عند بعض السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب؛ فقد انتقلت العناصر الأرضية النادرة من كونها مدخلات صناعية محدودة التداول إلى عنصر محوري في الدبلوماسية الأميركية. وفي عهد ترامب، لم تعد تُعامل كسِلَع فحسب، بل كأدوات فاعلة في إدارة التوازنات السياسية والاقتصادية.
وسارعت واشنطن إلى توقيع أو تطوير أطر تعاون بشأن المعادن الحيوية مع أستراليا واليابان وماليزيا وتايلاند وكازاخستان والأرجنتين وأوكرانيا، مع إدراج صريح للعناصر الأرضية النادرة وقدرات المعالجة في تلك الاتفاقيات. وتهدف الأطر مع أستراليا واليابان إلى دمج أنشطة التعدين الأولية مع المعالجة اللاحقة وتنسيق سلاسل الإمداد. وفي المقابل، يعزز دور ماليزيا في المعالجة وقاعدة التصنيع في تايلاند إدماج جنوب شرق آسيا ضمن جهود التنويع الأوسع. أما كازاخستان والأرجنتين، فتبرزان كشريكين في المراحل الأولية للمعادن الحيوية، لا سيما في ما يتعلق باليورانيوم والليثيوم.
وفي أوكرانيا، تتضمن نقاشات إعادة الإعمار والتعاون الإستراتيجي إدراج المعادن الحيوية والطاقة بشكل صريح، بما يربط إعادة البناء بمواءمة طويلة الأمد لسلاسل الإمداد. وحتى خطة السلام الأميركية – الروسية المؤلفة من 28 نقطة، الصادرة بحلول نهاية عام 2025، تشير إلى اتفاق تعاون اقتصادي طويل الأمد يشمل الطاقة والموارد والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتعدين العناصر الأرضية النادرة في القطب الشمالي.
ويمتد هذا النهج إلى الأطر متعددة الأطراف؛ فـ”شراكة أمن المعادن” تنسّق بين الاقتصادات الغنية بالموارد والاقتصادات الصناعية بهدف تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على التكرير الصيني. كما تجمع مبادرة “الكواد” للمعادن الحيوية بين الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان لتعزيز مرونة سلاسل إمداد المغانط والبطاريات.
سلام السيليكا
أما “باكس سيليكا”، فلا تمثل مجرد إعلان نوايا في مجال الذكاء الاصطناعي، بل محاولة لتأسيس كتلة تكنولوجية متكاملة؛ فهي توحّد منظومات أشباه الموصلات، وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، وضوابط التصدير، وأمن سلاسل الإمداد ضمن إطار مشترك للأمن الاقتصادي. ويضم الموقعون عددًا من الاقتصادات الصناعية المتقدمة، من بينها أستراليا، واليابان، والمملكة المتحدة، وإسرائيل، وكوريا الجنوبية، والإمارات العربية المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكندا، وتايوان. وخلف خطاب سلامة الذكاء الاصطناعي والشبكات الموثوقة، يبرز هدف أكثر وضوحًا: إعادة هيكلة سلسلة الإمداد التكنولوجية العالمية ضمن كتلة متماسكة تقلّص التعرض لنقاط الاختناق الصينية.
لقد أصبحت العناصر الأرضية النادرة بندًا ثابتًا في الدبلوماسية الأميركية، وحاضرة في الاتفاقيات التجارية، والتفاهمات الأمنية، وصناديق إعادة الإعمار، والنقاشات المرتبطة بالقطب الشمالي، وترتيبات المحيطين الهندي والهادئ. وبهذا، تحوّل الوصول إلى هذه العناصر إلى محور متكرر في الاستراتيجية الأميركية.
إستراتيجية طويلة الأمد ورهانات مرتفعة
وعند النظر إلى التحركات في غرينلاند، والضغوط المحيطة بفنزويلا، والشبكة المتنامية من اتفاقيات المعادن الحيوية كلٌّ على حدة، قد تبدو خطوات متفرقة أو مبالغاً فيها. غير أن قراءتها مجتمعة تكشف عن إعادة معايرة أكثر تماسكًا للإستراتيجية الكبرى الأميركية. فالولايات المتحدة، على ما يبدو، تعيد تنظيم انخراطها الخارجي حول أولوية هيكلية واحدة: تأمين الأسس المادية والطاقوية للذكاء الاصطناعي قبل أن يتعمق فك الارتباط التكنولوجي مع الصين.
وأضحى الذكاء الاصطناعي عاملاً مؤثراً في تحديث الجيوش، وتعزيز الإنتاجية الصناعية، وتحريك أسواق رأس المال، وإعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي. وفي هذا السياق، لم يعد الاعتماد التكنولوجي مجرد مخاطرة اقتصادية، بل تحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية. وإذا كان سباق الذكاء الاصطناعي مرشحًا لتحديد هرمية القوة مستقبلاً، فإن سلاسل الإمداد التي تغذّيه ستكتسب الأهمية ذاتها التي حظيت بها الممرات البحرية أو نقاط اختناق النفط في العقود الماضية.
ولم يتشكل موقع الصين الراهن بين ليلة وضحاها. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، استثمرت بكين بشكل منهجي في استخراج العناصر الأرضية النادرة وفصلها وتكريرها وإنتاج المغانط في المراحل اللاحقة، وتحمّلت كلفاً بيئية، وعززت قدراتها الصناعية، واستوعبت تدريجياً أكثر مراحل المعالجة تعقيداً ضمن منظومتها المحلية، وما بدأ كسياسة لإدارة الموارد تطور إلى نفوذ هيكلي راسخ. واليوم، تهيمن الصين على حلقة التكرير في سلسلة قيمة العناصر الأرضية النادرة، وهي الحلقة التي تمثل عنق الزجاجة الفعلي في الإمدادات العالمية.
محاولة متسارعة للحاق بالركب؟
في هذا الإطار، تبدو الإستراتيجية الأميركية أقل ارتجالاً وأكثر شبهاً بمحاولة متعجلة للحاق بالركب. فمن خلال إدراج العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية ضمن اتفاقيات مع أستراليا واليابان وكازاخستان والأرجنتين وأوكرانيا ودول أخرى، تسعى واشنطن إلى إعادة بناء مرونة سلاسل الإمداد خلال سنوات قليلة بدلاً من عقود. وبالتوازي، تدفع نحو تطوير قدرات التكرير المحلية ولدى الحلفاء، مع تشديد ضوابط التصدير على تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة. وهذه التحركات لا تبدو تدابير منفصلة، بل مكونات في مسعى أوسع لتقليص التعرض للمخاطر قبل أن يصبح الانفصال الأعمق أمراً واقعاً.
وباتت أيضًا سياسة الطاقة مندمجة بوضوح في الحسابات ذاتها؛ فالتوسع السريع في مراكز البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل خريطة الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة، ويضغط على الشبكات، ويدفع إلى زيادات سعرية محلية. ومن ثم، يتقاطع تأمين الوصول إلى موارد طاقة خارجية وتعزيز قدرات التوليد المحلية مباشرةً مع القدرة التنافسية في مجال الذكاء الاصطناعي. لقد بدأت الأبعاد المادية والطاقوية للقوة التكنولوجية تتقارب بصورة غير مسبوقة.
مع ذلك لا يضمن أي من هذه التحركات النجاح؛ فإعادة بناء قدرات التكرير، والتعامل مع القيود البيئية والتنظيمية، وتنسيق السياسة الصناعية عبر منظومات الحلفاء، تتطلب التزامًا سياسيًّا طويل الأمد. ولا تزال الصين تتمتع بمزايا الحجم والتكامل والتمويل المدعوم من الدولة؛ إلا أن نمط السياسة الأميركية يشير إلى سعي نحو تموضع هيكلي ممتد، لا مجرد إرسال إشارات قصيرة المدى.
المنافسة على البنية التحتية
وتعتبر المنافسة الناشئة ذات طابع بنيوي بامتياز؛ فهي تدور حول الاستخراج، والتكرير، والتصنيع واسع النطاق، والسيطرة على نقاط الاختناق الصناعية داخل نظام عالمي يقوم على الاعتماد المتبادل. ومن هذا المنظور، لا تتعلق غرينلاند بالسيادة الإقليمية بقدر ما تتعلق بالتموضع المعدني المستقبلي. وبالمثل، لا تختزل فنزويلا في سياسات النفط، بل في أدوات النفوذ الطاقوي وحرمان الخصوم من الموارد. كما أن دبلوماسية العناصر الأرضية النادرة لا تقتصر على تسهيل التجارة، بل تستهدف إعادة تشكيل أنماط الاعتماد ذاتها.
وعليه، فإن السؤال المحوري لا يتمثل في مدى حزم هذه السياسات أو إثارتها للجدل، بل في قدرة الولايات المتحدة على إعادة مواءمة سلاسل الإمداد الحيوية بالسرعة الكافية لتفادي هشاشة هيكلية في عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في الإنتاجية الاقتصادية، والقدرة العسكرية، والنفوذ الجيوسياسي.
وتتجاوز أهمية اللحظة الراهنة حجم المنافسة إلى الطريقة التي تعيد بها صياغة الممارسة الدبلوماسية نفسها؛ فقد أُدرجت المعادن الحيوية في مقترحات السلام، وأطر إعادة الإعمار، والاتفاقيات الأمنية، والترتيبات التجارية، وأصبحت تدفقات الطاقة تُناقش إلى جانب بنية الذكاء الاصطناعي التحتية. والمحادثات التي كانت تتركز سابقاً على الضمانات الإقليمية أو الالتزامات التحالفية باتت تشمل قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة. وهكذا تتحول لغة الدبلوماسية من مفاهيم المعايير والمؤسسات إلى مفاهيم نقاط الاختناق والقدرة الصناعية.
ويمثل هذا التحول رهانًا استراتيجيًّا واضحًا؛ فقد وضعت الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في قلب خططها الاقتصادية والأمنية بعيدة المدى، ولم يعد يُنظر إليه كقطاع عادي، بل كأساس ستُبنى عليه القوة المستقبلية. وهذا يرفع كلفة الاعتماد على الآخرين؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي سيحدد هرمية القوة المقبلة، فإن خسارة الأرضية في أسسه المادية ستكون لها تداعيات منهجية واسعة.
والنتيجة المتوقعة هي دبلوماسية أكثر تبادلية وارتكازاً على البنية التحتية مما اعتاده النظام الليبرالي، فلم تعد الاتفاقيات تُقيَّم حصراً بمنظار القيم أو التحالفات، بل أيضاً وفق معايير مرونة سلاسل الإمداد، وقدرات التكرير، وأمن الطاقة. وتُعاد صياغة النزاعات الإقليمية بوصفها تموضعاً معدنياً، ويُدمج الوصول إلى الموارد في التفاهمات الاستراتيجية على نحو نادر في العقود الأخيرة.
إن التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة تكنولوجية متسارعة، غير أن أسسه تُرسى ببناء طويل الأمد. وما نشهده لا يقتصر على سباق في البرمجيات أو الخوارزميات، بل يمثل إعادة تنظيم للسياسة الدولية حول السيطرة على الأنظمة الصناعية والطاقوية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكناً.
المصدر: بوليتيكس توداي