في 15 فبراير/شباط 2026 صدّقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي على خطوة جديدة تشرعن نهب مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية وتحويلها إلى أملاك ما تسمى “دولة إسرائيل” عبر إنهاء وضع تسجيلها المتعارف عليه منذ عام 1967.
فقد صوتت حكومة بنيامين نتنياهو على خطة طرحها وزراء مالية (بتسلئيل سموتريتش) والقضاء (ياريڤ ليفين) والجيش (يسرائيل كاتس) تقضي بإحياء ملف ما يسمى “تسوية الحقوق” المزعومة في منطقة “ج” الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
هذا النهب المنظم للأراضي، إجراء واحد ضمن سلسلة قرارات اتخذتها حكومة الاحتلال في الأسبوع الذي سبقه لإحكام قبضتها على الضفة ودفن حلم الدولة الفلسطينية. هذا التقرير يتناول السياق والأهداف الكامنة خلف الخطوة ويحلل تأثيرها الخطير على الفلسطينيين.
جذور الحظر الذي استمر منذ 1967
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، فرضت حكومة الاحتلال أمراً عسكرياً يجمِّد عملية تسجيل الأراضي هناك.
ظلت مساحات واسعة بلا تسوية رسمية للملكية، وأصبح الأرشيف الأردني أو العثماني هو المرجع الوحيد لإثبات الملكية.
في اتفاق أوسلو (1995) قُسمت الضفة إلى ثلاث مناطق، “أ” الخاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة، و”ب” للسيطرة المدنية الفلسطينية وسيطرة الاحتلال أمنيا.
فيما تقع المنطقة “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتقدر بنحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.
هذا الوضع جعل الكثير من الأراضي الفلسطينية عرضة للتزوير الرسمي وتصنيفها زورا “أراضي دولة” لفتح الباب أمام مصادرتها كلما عجز أصحابها عن إثبات ملكية تعود لعقود قبل الاحتلال.
لذلك جاء قرار الحكومة الحالية بإنهاء تجميد التسجيل، ما يسمح لأول مرة منذ 1967 بإصدار سندات ملكية رسمية باسم دولة الاحتلال.
تفاصيل القرار وآلية تطبيقه
الخطة تنص على أن يعلن الاحتلال مناطق محددة في منطقة “ج” كمنطقة “تسوية حقوق” مزعومة لحساب المستوطنين.
خلال فترة الإعلان، يُلزم كل من يطالب بملكية أي قطعة أرض بتقديم أوراق رسمية تثبت حقه، وإذا فشل أو لم يشارك تُسجَّل الأرض باسم “دولة إسرائيل”.
عملية التسجيل مُفخَّخة عمدًا لإسقاط حقوق الفلسطينيين، إذ تشترط سلطات الاحتلال وثائق تعود لعقود وبشهادات غير متاحة لكثيرين بسبب مصادرة الأوراق أو تلفها خلال فترة الحرب والاحتلال عام 1967.
بحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية فإن هذه المتطلبات “قاسية وغير شفافة” وتكاد تجعل الفلسطينيين غير قادرين على إثبات ملكيتهم، مما يسمح بضم نحو 83 % من منطقة “ج” إلى ملكية الاحتلال.
المنظمة وصفت الخطوة بأنها “استيلاء ضخم على الأرض” يقنن سيطرة الاحتلال على نصف الضفة الغربية.

البنية التحتية للقرار.. أرقام وحقائق
لم يكن القرار إعلان نوايا، بل خطة عمل تنفيذية مدعومة بموارد ضخمة، مما يشير إلى نية الحسم الاستعماري وفرض الوقائع بسرعة:
الميزانية المرصودة: خصصت حكومة الاحتلال ميزانية أولية بقيمة 244 مليون شيكل (حوالي 79 مليون دولار) للفترة ما بين 2026 و2030. هذه الميزانية لا تذهب للبناء الاستيطاني المباشر، بل لتمويل “الجيش البيروقراطي” من مساحين، ومحامين، ومسجلي أراضي.
الكوادر البشرية: تمت المصادقة على إضافة 35 وظيفة جديدة موزعة استراتيجياً بين وزارة القضاء (المسؤولة عن الطابو)، ومركز المساحة الإسرائيلي (MAPI)، ووزارة الجيش، وما تسمى الإدارة المدنية. توزيع هذه الوظائف يعكس دمج الضفة الغربية في الجهاز الإداري لدولة الاحتلال.
الهدف الزمني (2030): وضعت حكومة الاحتلال هدفاً معلناً لتسجيل 50% من الأراضي غير المسجلة في مناطق “ج” خلال العقد القادم، مع هدف مرحلي لتسجيل 15% خلال السنوات الخمس الأولى (حتى 2030).
المدى الزمني الطويل: تشير النصوص التفسيرية للقرار إلى أن عملية مسح وتسجيل كامل أراضي المنطقة “ج” قد تستغرق ما يصل إلى 30 عاماً.
إذ يستغرق الإجراء الفردي لقطعة الأرض الواحدة حوالي عام ونصف. هذا الإطار الزمني يؤكد أن “إسرائيل” تخطط للبقاء كصاحبة سيادة للأبد.
الأهداف الحقيقية للخطوة
تُسوِّق حكومة الاحتلال القرار تحت لافتة “الشفافية” و”تسوية النزاعات”، بينما الحقيقة: ضمّ زاحف ونهب مُنظَّم بلا إعلان رسمي.
فتسجيل الأراضي باسم دولة الاحتلال يسمح باستصدار تراخيص للبناء الاستيطاني والبنى التحتية وبيع الأراضي للمستوطنين والشركات الاستيطانية.
كما يقطع الطريق على أي تفاوض مستقبلي حول ملكيتها، ويمنح قوات الاحتلال الذريعة لهدم منازل ومصادرة أراضٍ بحجة عدم إثبات الملكية، في حين يمنع الفلسطينيون من بيع أراضيهم إلا بترخيص خاص.
ويؤكد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن القرار “جزء من ثورة الاستيطان لتعزيز السيطرة على كل أجزاء أرضنا”، وفق تعبيره، بينما يصفه وزير الجيش إسرائيل كاتس بأنه “إجراء أمني ضروري”.

كما يأتي القرار في سياق سياسي داخلي. إذ يواجه بنيامين نتنياهو انتخابات في أواخر 2026 ويعتمد على أصوات اليمين الاستيطاني.
ومن هنا فإن إعادة إطلاق تسجيل الأراضي يقدم للحكومة مكسباً سياسياً لقاعدتها المتطرفة التي تشتكي من “بيروقراطية” تعيق البناء الاستيطاني.
تأثير القرار على الفلسطينيين
يمتلك الفلسطينيون في منطقة “ج” أراضي زراعية وحقولا تستخدم للرعي ومصادر للمياه. فقدانهم القدرة على إثبات ملكيتهم يعني خسارة مصدر رزقهم وتهجيرهم نحو المناطق المكتظة، بينما تتمدد المستوطنات بدعم حكومي إسرائيلي سخي.
أكثر من 300 ألف فلسطيني يعيشون في منطقة “ج” ويتأثرون مباشرة بالقرار، إضافة إلى مجتمعات رعوية تعتمد على مساحات الرعي.
وسيزيد التوسع الاستيطاني من عمليات الهدم والتهجير كما حصل في قرية أم الخير حيث وُضعت علامات لهدم ملعب كرة قدم وعلقت أعلام المستوطنين حوله.
كما سيؤدي إلى تفتيت التواصل الجغرافي بين القرى، ما يعوق قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
البعد الآخر يتعلق بالاقتصاد؛ فالأراضي المسجلة باسم دولة الاحتلال تُستغل لإنشاء مناطق صناعية زراعية يملكها المستوطنون، ما يضيف عائقاً أمام التنمية الفلسطينية.
إضافةً إلى ذلك، فإن استثناء السلطة الفلسطينية من عملية التسجيل يعني أنها تُجرد من آخر أدواتها السيادية في الإدارة المدنية، وهو ما وصفه محللون بأنه خطوة نحو تفكيكها وتهيئة الأرض لـ“ترانسفير إداري” للفلسطينيين من الضفة إلى مناطق ضيقة.
السياق الأوسع للقرار
لا يمكن فهم خطوة 15 فبراير/شباط بمعزل عن سلسلة قرارات أعلنها وزيري جيش ومالية الاحتلال في الثامن من نفس الشهر، إذ صادق المجلس الأمني المصغر “الكابينت” على سبع خطوات تهدف لضم الضفة عملياً:
1- إلغاء قانون أردني كان يحظر بيع الأراضي لغير الفلسطينيين، ما يسمح للمستوطنين بشراء أراضٍ داخل المدن الفلسطينية.
2- إلغاء شرط الحصول على تصريح خاص لشراء الأراضي، ما يزيل رقابة ما تسمى الإدارة المدنية ويسهل عمليات السطو ونهب الممتلكات.
3- نشر سجل الأراضي الذي كان سرياً، ما يتيح للمستوطنين معرفة هوية المالكين والضغط عليهم وابتزازهم لشراء أو نهب أراضيهم.
4- إحياء ما تسمى لجنة الاستحواذ على الأراضي لتأمين مخزون أرض للمستوطنات.
5- توسيع سيطرة الاحتلال إلى مناطق “أ” و”ب” في قضايا المياه والآثار والبيئة، ما يسمح للاحتلال بهدم المنازل الفلسطينية بهذه المناطق.
6- السيطرة على موقع قبر راحيل في بيت لحم وتحويله إلى سلطة إسرائيلية كاملة.
7- نقل صلاحية إصدار رخص البناء في الخليل من بلدية فلسطينية إلى ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
وزير المالية سموتريتش، الذي يقود حركة الاستيطان الأشد تطرفاً، قال أثناء الإعلان عن هذه الخطوات إنه “يدفن فكرة الدولة الفلسطينية”، فيما اعتبر مجلس المستوطنات هذه القرارات بمثابة إقرار بأن “أرض إسرائيل ملك لشعبها”، وفق تعبيره.
هذه الإجراءات تجعل قرار 15 فبراير/شباط جزءاً من استراتيجية متكاملة لفرض سيادة دولة الاحتلال على الضفة، ولذلك فإن ما يجري يهدف إلى خلق واقع لا يمكن التراجع عنه.