شهد الوجود العسكري الأمريكي داخل سوريا تحولات جوهرية، بعدما تسلّمت القوات السورية قاعدتي “الشدادي” في ريف الحسكة شمال شرقي البلاد، و”التنف” عند المثلث الحدودي مع الأردن والعراق في أيام متقاربة.
لكن التحوّل لا يبدو انسحابًا نهائيًّا بقدر ما هو إعادة تموضع أمريكية محسوبة، شملت تقليص قواعد مكشوفة، ونقل ملفات ثقيلة مثل سجون “داعش”، وتثبيت نفوذ سياسي وأمني بأدوات أقل كلفةً وأكثر تحصينًا.
التقرير التالي يرصد محطات الانسحاب، ويفكك حسابات واشنطن خلفه، وصلته بترحيل سجناء “داعش” وبإخلاء قاعدة عين الأسد في العراق، وما الذي قد يعنيه ذلك للسوريين ولخريطة النفوذ في المنطقة.
محطات الانسحاب الأمريكي من سوريا
1- من قتال “داعش” إلى ما بعد سقوط الأسد
بدأ الوجود العسكري الأمريكي في سوريا منتصف 2014 عندما أقامت واشنطن تحالفًا دوليًا تحت شعار “محاربة تنظيم داعش”.
اعتمدت الولايات المتحدة على مليشيات سوريا الديمقراطية (قسد) كحليف ميداني وبنت شبكة قواعد تخدم تموضعها في ريف الحسكة ودير الزور والرقة، بينها قاعدة الشدادي التي تحوّلت إلى مركز إمداد للطيران المسيّر ومخزن للمعدات الثقيلة.

لكن بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تغيّر الموقف الأمريكي؛ إذ أعلنت واشنطن أن حاجتها لتحالفها مع قسد “قد تراجعت إلى حد بعيد”.
كما بدأت فتح قنوات مع الحكومة الجديدة في دمشق ضمن صفقة ترتيبات أمنية تعيد تدوير النفوذ الأمريكي بأقل كلفة والتفاوض على تسوية سياسية تدمج مقاتلي تلك المليشيا في جيش الدولة.
هذا التحوّل مهّد لقرار تقليص القواعد العسكرية، كما ظهر في تصريحات مسؤولين أمريكيين بأن مهمة القوات الأمريكية ستعاد صياغتها إلى تدريب وتنسيق وإسناد يضمن استمرار اليد الأمريكية في الملف، مع تقليل الوجود البري.
2- انسحابات متدرجة من القواعد الشمالية
المؤشرات الأولى لتقليص الوجود ظهرت في صيف 2025 حين كشفت وكالة رويترز أن القوات الأمريكية أخلت قاعدتي تل بيدر والوزير في ريف الحسكة، لتصبحا خاليتين سوى من عناصر قسد الذين تكفلوا بالحراسة، وبالتالي ارتفع عدد القواعد التي انسحب منها الأمريكيون إلى أربع منذ انتخاب دونالد ترامب مجددًا.
وأكد قائد قسد مظلوم عبدي وقتها أن خطة واشنطن تقضي بتقليص القواعد من ثمانية إلى واحدة فقط مع احتمال خفض عدد الجنود من 2000 إلى نحو 500 جندي.
3- ترحيل سجناء داعش وتفكيك السجون
في 21 يناير/كانون الثاني، بدأت واشنطن نقل الآلاف من عناصر داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق.
وفي 13 فبراير/شباط، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اكتمال مهمة نقل أكثر من 5700 سجين منهم من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق، في عملية استمرت 23 يومًا وجرت بعد هجوم سريع شنته القوات الحكومية السورية على مناطق قسد.
وأوضح بيان القيادة المركزية أن عملية النقل هدفها “منع عودة ظهور التنظيم”، لكنها عمليًّا تنقل عبء السجون من الجغرافيا السورية إلى العراقية وتفتح أسئلة عن الثمن السياسي والأمني.
وجاءت العملية بالتزامن مع اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 29 يناير/كانون الثاني 2026 والذي ينص على دمج مقاتلي قسد تدريجيًا في الجيش الحكومي، ما يعني أن مهمة حراسة السجون ستنتقل إلى السلطات السورية.
4- استرداد دمشق للتنف والشدادي
في فبراير/شباط 2026 تسارعت الأحداث؛ فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية في الثاني عشر من هذا الشهر أن الجيش السوري سيطر على قاعدة التنف بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وهو ما أكدته القيادة المركزية الأمريكية، التي قالت إن الخطوة تأتي ضمن خطة البنتاغون لإعادة تمركز القوات في سوريا، وأن القوات الأمريكية ستبقى جاهزة للرد على أي تهديد من “داعش”.
وأشارت رويترز إلى أن نحو ألف جندي أمريكي كانوا في سوريا قبل الانسحاب وأن هذه الخطوة قد تكون “محطة نحو انسحاب أكبر”.
بعد ثلاثة أيام فقط، أعلنت وزارة الدفاع السورية سيطرتها على قاعدة الشدادي، بالتنسيق مع الجانب الأمريكي. وبذلك بدأت تتدفق القوات الأمريكية من التنف إلى الأردن (برج 22)، ومن الشدادي إلى كردستان العراق (حرير)، مما يعزز دور “دول الجوار” كمنصات احتواء بدلاً من التواجد المباشر.
أهداف الانسحاب وخيارات واشنطن
يُمكن قراءة هذا الانسحاب في ضوء ثلاثة أهداف رئيسية:
1- إعادة رسم العلاقة مع دمشق الجديدة: منذ إطاحة نظام الأسد تحاول واشنطن تفصيل ترتيبات أمنية مع الحكومة الجديدة، وهو ما يفسر دمج مقاتلي قسد في الجيش وإعادة القواعد للحكومة السورية.
2- تقليل الكلفة العسكرية: واشنطن شددت على أن القوات “ستظل مستعدة للرد على أي تهديد من داعش”، وأن عمليات القصف مستمرة. فقد نفذت القيادة المركزية بين 3 و12 فبراير/شباط أكثر من عشر ضربات جوية على مواقع للخلايا النائمة للتنظيم.
3- تحصين الجنود من هجمات إيران وحلفائها: يتزامن انسحاب الولايات المتحدة من الشدادي والتنف مع انسحاب آخر من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار العراقية.
وتؤكد تقارير عديدة أن الهدف هو جزء من خطة أوسع لإعادة انتشار القوات الأمريكية وتقليل المواقع التي يمكن أن تتعرض لهجمات إيرانية، خاصة وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
هل يعني الانسحاب نهاية الوجود الأمريكي؟
رغم حجم الانسحاب، لا يبدو أن الولايات المتحدة ستختفي تمامًا من سوريا والعراق قريبًا وإنما تغير شكل وطبيعة وجودها. إذ تقول مصادر أمنية إن عدد الجنود الأمريكيين المتبقين في سوريا يتراوح بين 900 وألف جندي، يتمركزون في قاعدة “خراب الجير” بريف الرميلان الجنوبي شمال شرقي الحسكة والتي تحتوي على على معدات عسكرية ومطار صغير.
ولا تزال القوات الأمريكية تحتفظ بقاعدة “قصرك” الواقعة على الطريق الدولي M4 الرابط بين سوريا والعراق قرب تل تمر، حيث تتمركز فيها بشكل رئيسي، وتقود عمليات التحالف الدولي منها حالياً.
كما تتواجد القوات الأمريكية في مواقع صغيرة أخرى قرب الحدود مع العراق، إضافة إلى وجود قوات في قاعدة برج 22 الأردنية. كما نصت خطة الانسحاب العراقية على استمرار وجود محدود حتى نهاية 2026.
وتحتفظ واشنطن بحق تنفيذ ضربات جوية ضد داعش في أي وقت، وقد أظهرت عملية نقل الأسرى إلى العراق والاتفاق على دمج قسد في الجيش السوري أن تأثيرها السياسي لا يزال قويًا.
خلاصة الأمر أن واشنطن لا تغادر المسرح السوري بقدر ما تبدّل أدوات حضورها؛ من قواعد منتشرة وجنود مكشوفين إلى نقاط أقل، وإسناد جوي، وتنسيق استخباراتي، واتفاقات تُفصَّل لتأمين مصالحها.