على نحوٍ مفاجئ خلا “مخيم الهول” الشهير، جنوبي الحسكة، من قاطنيه خلال الأيام القليلة الماضية، بعد أن تسلمته قوات الحكومة السورية مؤخرًا، وتمت عملية الإخلاء بطريقة غير متوقعة ويشوبها الغموض، وكانت القوات السورية قد تسلمت المخيم بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منه بعد هزائمها الكبيرة في الرقة ودير الزور على يد الجيش السوري.
وبالتزامن مع انسحاب قسد بدأت أولى عمليات الهروب من المخيم الذي عاش حالة من الفوضى حينها، والتي انتهت بإخلائه بشكل شبه كامل. حيث كان المخيم يحوي منذ شهر قرابة 23٫400 شخصًا وحاليًا لا يتواجد فيه سوى أقل من 1500 شخص جلهم سوريون وقليل من العراقيين.
فوضى المخيم
معلومات حصرية حصل عليها “نون بوست” من خمسة مصادر في مخيم الهول، وضحت ما حصل في المخيم لحظة مغادرة قسد له الشهر المنصرم، ففي يوم 20 يناير/كانون الثاني الماضي بدأت قوات الجيش السوري من المخيم، وعمدت قوات حراسة المخيم من عناصر قسد المتواجدين في مبنى (الشؤون الأمنية) والواقع في “قسم الأجانب”، على إحراق مقرهم وتحطيم كل الحواسيب وأخذ سجلات كاميرات المراقبة ثم مغادرة المكان، حصل هذا في الساعة الثانية ليلاً.
تلا ذلك إطلاق نار قرب بوابة المخيم وتبين لاحقًا وجود ستة جثث لعناصر عرب من قسد، ويقول مصدر إن عناصر حراسة المخيم من الوحدات الكردية قاموا بفتح النار عليهم أثناء مغادرة المخيم، تلاها قيام عناصر قسد المنسحبين بفتح النار على مجموعة من سكان بلدة الهول ما أدى لمقتل مدنيين اثنين حينها. تلا ذلك خروج عشرات العوائل الأجانب والسوريين من المخيم ووصلوا لبلدة الهول ولقرية أبو حجيرة القريبتين من المخيم.
فجر يوم 21 من يناير/كانون الثاني وصلت قوة عسكرية تابعة للجيش السوري للمخيم وطوقته. وكانت جموع غفيرة من سكان المناطق القريبة من المخيم قد اقتحمته وقامت بعمليات سرقة من داخله صباح ذلك اليوم، إلى أن وصلت قوات الأمن الداخلي السورية واستلمت المخيم فعلياً.
عوائل تنظيم الدولة (داعش) خارج المخيم
تضيف المصادر لـ”نون بوست” أنه في يوم 23 من يناير/كانون الثاني وصلت مجموعة جنود تابعين لوزارة الدفاع السورية من (المهاجرين) للمخيم وقاموا بجوله فيه، وجلبوا معهم سلل غذائية قاموا بتوزيعها للنساء المهاجرات داخل القسم الخاص بهن. وفي ليلة ذلك اليوم حصلت أول عملية تهريب كبيرة منظمة من المخيم حيث قادها قيادي أجنبي في الجيش السوري ملقب بـ “أبو الحسن”، حيث فتح السياج الشمالي للمخيم وبدأت عملية خروج النساء الأجنبيات منه، وبدأت عملية التهريب بالتنسيق مع مجموعة سيارات قدمت من بلدة الهول بعد قيام الضابط بإطلاق رصاص (خطاط) منتصف تلك الليلة كإشارة للبدء.
وبالفعل تواصلت عمليات نقل جميع النسوة الأجنبيات في اليومين التاليين 24-25 من يناير/كانون الثاني حيث تم نقلهن بداية لمساجد بلدة الهول ولقرية أبو حجيرة ومن هناك تم جلب عدة سيارات وجرى نقلهن صوب محافظة إدلب بحسب ما أفاد المصدر.
ولم يتم اعتراض عملية التهريب هذه من قبل قوى الأمن الداخلي السورية نهائيًا. وتواصلت عمليات التهريب حتى يوم التاسع من فبراير/شباط الجاري، حيث كان “قسم الأجانب” أو ما يسمى “فيز المهاجرات” في مخيم الهول خاليًا نهائيًا من جميع قاطنيه. والذي كان يضم نحو 6300 امرأة وطفل من 42 جنسية وهم من عوائل مقاتلي تنظيم الدولة (داعش).
عراقيون فقط في المخيم
عملية إخلاء المخيم لم تقتصر فقط على عوائل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فقط، بل خرجت كذلك غالبية العوائل السورية والعراقية المتبقية في المخيم، والذي فتحت بواباته فعليًا مطلع الأسبوع الجاري.
يقول “بشار” أحد الخارجين من المخيم وينحدر من ريف حلب الجنوبي: مع خروج النسوة الأجنبيات من المخيم، خرج معهن كذلك غالبية قاطني المخيم، عناصر الأمن السوري لم يعترضوا طريق أحد”. ويضيف بشار “بل طلبوا من الناس الخروج بسرعة، وكل عمليات الخروج تمت ليلاً. لغاية يوم الخميس الماضي 12 فبراير/شباط الجاري حيث فتح قاطنو المخيم عدة فتحات في السياج الشمالي والغربي وغادروه، بل أن بعضهم قام بطلب شاحنات من بلدة الهول القريبة لتحميل أغراضه من داخل المخيم”.
وتضيف المصادر لـ”نون بوست” أنه حتى مساء يوم الأحد 15 فبراير/شباط الجاري لم يتبق في مخيم الهول سوى 400 شخص عراقي فقط، مع عدد من السوريين من دير الزور، ووفقًا للمصادر فإن السلطات السورية تريد نقل السجناء العراقيين لمخيم مفتوح في ريف حلب الشمالي.
وكان الأمن السوري قد أخطر العراقيين المتبقين في المخيم أنه من كان يملك أقارب أو مأوى في الداخل السوري فليذهب إليهم، ومن لا يود ذلك فلينتظر القافلة التي ستنقلهم نحو مخيم حلب.
يقول أحد قاطني المخيم من الجنسية العراقية لـ”نون بوست” بأن العودة للعراق تعتبر خطر كبير، ونخشى من ميليشيا الحشد الشعبي هناك، حيث يتعاملون مع كل عراقي قادم من مخيم الهول بصفته (داعشي)، ويضيف: “الأمور في مخيم (الجَدعة) بنينوى داخل العراق سيئة، وهو المخيم الذي تضع فيه السلطات العراقية القادمين من مخيم الهول السوري”، مشيرًا إلى أن “السجناء العراقيين ليس لديهم خيار اليوم سوى البقاء في سوريا والوضع صعب نعم، لكن لا خيارات اليوم.”
تفكك أسري بسبب المخيم
على الصعيد الإنساني تسببت عمليات نقل العراقيين السابقة للداخل العراقي والتي كانت تنظمها قسد مع الجانب العراقي بتفكك عدة عوائل، بسبب الزيجات التي حصلت في المخيم خلال السنوات الماضية بين السوريين والعراقيين.
وبحسب المصادر فقد انتهت غالبيتها بالطلاق والتفكك الأسري، وحرمان الأطفال من آبائهم وأمهاتهم، والذين تفرقوا بين بلدين. ظاهرة الزيجات هذه في مخيم الهول تسلط الضوء كذلك على قضية الأطفال من أمهات سوريات وأزواج أجانب ومستقبلهم. يضاف اليهم كذلك الأطفال الذين أبناء مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وكيفية التعامل معهم مستقبلاً من قبل الدولة ومن قبل المجتمع كذلك.
من هم سكان مخيم الهول؟
تعاملت قسد مع مخيم الهول كورقة ضغط دولية لترسيخ بقائها كقوة مكافحة للإرهاب، وصبغت كل قاطني المخيم بهذه الصفة، واستفادت كذلك من الدعم المقدم للمخيم من عديد الدول والمنظمات. وفي الحقيقة غالبية قاطني المخيم ما هم إلا مدنيون نازحون فروا من المعارك بين النظام السوري المخلوع و تنظيم الدولة (داعش)، ومعارك قسد مع التنظيم، وتلقفتهم الأخيرة وزجت بهم في هذا المخيم. وعموماً يقسم قاطنو المخيم إلى ثلاثة أقسام:
- نازحون سوريون منذ 2017 أدخلتهم قسد للمخيم عنوةً
- نازحون عراقيون لسوريا حالهم حال السوريين كذلك فروا من المعارك بين تنظيم الدولة (داعش) والحشد الشعبي والجيش العراقي. وانتهى بهم المطاف في مخيم الهول.
- عوائل أجنبية معهم سوريون وعراقيون من عوائل تنظيم (داعش) وأنصاره. وكانوا يشكلون حوالي نصف العدد في المخيم تقريباً. وقد فرزت النسوة الأجنبيات لفيز أو قسم خاص بهن داخل المخيم.
حيث تسيد قسم من النساء المتشددات المشهد في المخيم، وأسسن كيان تنظيمي لداعش داخل (فيز المهاجرات) نفسه. شكلن فيه جهاز حسبة. ورقابة شديدة على بقية النسوة هناك. وتنظيم للحوالات المالية التي تأتي من أنصار التنظيم في الخارج لداخل المخيم. بل شكلن في فترة من الفترات خلايا اغتيال تطال نسوة لا يتقيدن بأوامر التنظيم وغيرها.
كما قامت تلك الخلية بتطبيق الحدود حتى. وفعليا وثقت عديد عمليات من قتل النساء الأجنبيات والسوريات والعراقيات في المخيم. وحتى بعض الرجال قتلوا كذلك على يد تلك النسوة المتشددات.
إخلاء متعمد للمخيم أم إجراء فوضوي؟
بحسب المعطيات والأحداث التي حصلت في مخيم الهول، وعملية إخلاءه المباغتة، تبدو وكأنها جاءت برغبة حكومية سورية، لكنها تمت بطريقة فوضوية جدًا، وسط غياب أي تصريحات حكومية أو من التحالف الدولي كذلك إزاء الحدث الحاصل. أو تسجيل بيانات الخارجين حتى. مما يدق ناقوس الخطر فعليًا بسبب وجود بعض النساء المتشددات من عوائل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
هؤلاء النسوة كن من الخارجات من المخيم، حيث جرى نقل غالبيتهن نحو محافظة إدلب، وقسم ثان نحو حلب عن طريق عناصر أجانب في الجيش السوري (مهاجرين).
وعلى ما يبدو فإن الحكومة السورية تسعى لإغلاق مخيم الهول بأي شكل حاليًا، للتخلص من الأعباء التي يشكلها أولًا ثم لإنهاء الكارثة الإنسانية داخله والمتواصلة منذ سنوات، والتي كانت تستغلها قسد بشيطنة جميع قاطنيه، ويضاف لذلك تحول المخيم طوال سنوات مضت لمادة إعلامية لأنصار تنظيم (داعش) والذي تسول الأموال والتبرعات من مناصريه والمتعاطفين مع التنظيم بذريعة إنقاذ ما اسماه “الأسيرات في الهول”.
وفي العدد الأخير لصحيفة النبأ التابعة لـ “داعش” كان التنظيم قد هاجم الدولة السورية بعنوان عريض (الشبيحة والهول)، ومع هذه الخطوة الأخيرة التي قام بها جنود تابعون للجيش السوري بإطلاق سراح تلك النسوة يبدو أنصار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في حالة من الحرج والتخبط عبر إعلام التنظيم الرديف. تارة ينسبون العملية لخلايا تابعة لهم، وتارة ينسبونها لفاعل بصيغة المجهول. وفعلياً لا يتوقع أن هذه الحادثة ستغير من تعاطي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مع حكومة الشرع، فداعش يبقى داعش.
فتاة ألبانية أول الواصلات لأوروبا من الهول
في خبر لافت بعد تداعيات ما حصل في مخيم الهول أعلنت الخارجية الألبانية استعادة مواطنة من سوريا كانت في مخيم الهول، وفي التفاصيل قال الصحفي الألباني (أدريان شتوني) أن الشابة الألبانية (إيفا دوماني) قد عادت لعائلتها، حيث كانت في الثامنة من عمرها عندما أخذها والدها، المدعو (شكيلزن دوماني) مع شقيقها الأصغر اندريه إلى سوريا في فبراير 2014، دون علم أو موافقة والدتهما.
وكان والدها، الذي انضم إلى تنظيم “داعش”، قد قُتل في سوريا بعد بضعة أشهر. ثم تم إعادة شقيقها إلى ألبانيا في أكتوبر 2020. بالتنسيق مع منظمات دولية في مخيم الهول. ظلت إيفا في مخيم الهول، حيث رفضت على ما يبدو محاولات إعادتها، لكن أمس تم إعادتها بنجاح إلى ألبانيا بعد 12 عامًا قضتها في المخيم بالتنسيق مع السلطات التركية”.
وعلى ما يبدو هناك نية لبعض النساء الأجنبيات بمغادرة سوريا، عبر التواصل مع سفارات بلادهن إلا أن المعضلة ستكون في عدة دول ترفض استقبال هذه النسوة. مما يعني بقائهن في سوريا.
Eva Dumani, now 21 years old, was repatriated to #Albania today after nearly 12 years in #Syria, mostly spent in #AlHol camp.
– Abducted by her jihadist father at age 8 in 2014, she was taken there along with her then-6-year-old brother (pictured). pic.twitter.com/MRPg3wRUbc
— Adrian Shtuni (@Shtuni) February 14, 2026
تعليق نهائي لعمل المنظمات
علّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنشطتها وخدماتها داخل مخيم الهول بريف الحسكة الشرقي، إثر ما وصفته بالحادث الأمني الذي شهدته بوابة المخيم الرئيسية، بحسب رسالة داخلية وجّهتها إلى المنظمات الدولية والشريكة العاملة هناك. وذكرت المفوضية في رسالتها، يوم السبت الماضي 14 من شباط، أن “مجموعة من سكان المخيم نظمت مظاهرة خارج البوابة الرئيسية، ثم تحركت نحو منطقة التجمع التابعة للأمم المتحدة، حيث أقدم بعض الأفراد على رشق المبنى بالحجارة”.
وأشارت المنظمة إلى أن فرقها أخلت جميع موظفي الأمم المتحدة من المنطقة عبر مخارج الطوارئ، وتأكدت من سلامة الأفراد، كما أُخلي موظفو المنظمات غير الحكومية والمركبات القريبة بأمان. وأضافت أن الحادث أُحيل إلى إدارة المخيم لمتابعة الوضع وضمان سلامة موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني والمرافق، معلنة تعليق جميع الأنشطة والرحلات داخل المخيم، ومغادرة فرق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية منتصف اليوم نفسه.
حالياً لم يبق داخل المخيم سوى أقل من 1500 شخص ويقومون بنقل متاعهم من داخل المخيم عائدين لمناطقهم في حلب ودير الزور. كما لا تزال قوات الأمن الداخلي السورية تحاول حماية المخيم من جموع غفيرة من الأشخاص القادمين من المناطق المحيطة والذين لم يتوقفوا منذ عدة أيام عن محاولات أخذ ما يمكن أخذه من داخله.

