بات اسم فلسطين خارج بعض الخرائط واللوحات التي تعرض حضارات الشرق القديم داخل المتحف البريطاني، بعد رضوخ الأخير لضغوط من منظمة تدعى “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” (UK Lawyers for Israel أو UKLFI).
هذه الخطوة التي كشفت عنها صحيفة التلغراف في 14 فبراير/شباط 2026، أشعلت غضبا واسعا، خاصة أن الضغط جاء من لوبي يختلق ادعاءات لتحوير سرديات تاريخية لصالح الاستعمار الصهيوني ودعم الاحتلال.
التقرير التالي يجيب عن أبرز الأسئلة حول هذه المنظمة: ماهيتها، مصادر تمويلها، أساليبها في اختلاق وتوظيف تهمة “معاداة السامية” ضد مناصري فلسطين، وعلاقتها بحكومة الاحتلال الإسرائيلي.
ما خلفية إزالة كلمة فلسطين من المتحف البريطاني؟
حسب تقرير التلغراف، شنت منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” حملة ضغط على المتحف بعد أن رأت أن لوحات ومعلومات عن مصر القديمة والفينيقيين تستخدم اسم “فلسطين” لوصف شرق المتوسط وتصف بعض الشعوب بأنها “من أصل فلسطيني”.
المنظمة زعمت في رسالة إلى مدير المتحف أن استخدام اسم فلسطين “يمحو التغيّرات التاريخية” و”يعطي انطباعًا خاطئًا عن وجود منطقة فلسطينية متواصلة منذ آلاف السنين”، وطالبت بإزالة المصطلح، فامتثل المتحف وعدّل بعض الخرائط واللوحات الشارحة، ما كشف عن نفوذ الجماعة في المؤسسات الثقافية البريطانية، رغم أنها كيان ضغط صغير عددًا، شديد الفاعلية بالترهيب القانوني.

ما هي منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”؟
تقدم UKLFI نفسها بوصفها “جمعية تطوعية للمحامين تدعم إسرائيل تستخدم القانون لمكافحة” ما تراه “هجمات أو محاولات لنزع الشرعية” عن “إسرائيل”، لكن، بحسب منظمات حقوقية، فهي تعد جزءا من شبكة تعمل على ممارسة ما يسمى الحرب القانونية (lawfare) ضد الأصوات المؤيدة لفلسطين.
فالتحليل الدقيق لأنشطة المنظمة يكشف أن تعريفها لـ “نزع الشرعية” واسع جداً ليشمل أي انتقاد لسياسات الاحتلال، أو توثيق لجرائم الحرب، أو حتى التعبير الفني عن الهوية الفلسطينية، إذ تستخدم المنظمة القانون بشكل انتقائي لمحاولة تبييض جرائم الاحتلال وتدعم جماعات متطرفة مثل منظمة ريجافيم التي تدافع عن تهجير الفلسطينيين وبناء المستعمرات.
المنظمة تمتلك ذراعًا خيرية مسجلة في بريطانيا هي UKLFI Charitable Trust تجمع التبرعات بحجة “التعليم القانوني عن معاداة السامية”. في الوقت نفسه، تعمل UKLFI المحدودة كشركة خاصة غير خاضعة للرقابة الخيرية، ما يتيح لها تحريك دعاوى ومراسلات تهديد دون قيود تنظيمية.
تشير بيانات مفوضية الجمعيات الخيرية البريطانية إلى أن الذراع الخيرية جمعت دخلاً قدره 586 ألف جنيه إسترليني عام 2024 وأن معظم الدخل يأتي من تبرعات وهبات، لكن التقارير الحقوقية تقول إن مصادر التمويل الحقيقية وأسماء المتبرعين غير شفافة، ما يثير الشكوك حول ارتباط التمويل بمؤسسات صهيونية ووزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية.
ما أبرز القضايا التي رفعتها المنظمة ضد مناصري فلسطين؟
تستخدم UKLFI أسلوب الدعاوى الاستراتيجية لإسكات المشاركة العامة (SLAPPs) ضد الأفراد والمؤسسات، إذ أشار تقرير لـ Declassified UK وPublic Interest Law Centre إلى أن المنظمة أرسلت رسائل تهديد قانوني لمستشفى تشيلسي وويستمنستر لإزالة لوحات فنية رسمها أطفال غزة.
ورغم عدم وجود شكاوى حقيقية من الجمهور، فقد استجاب المستشفى وجرى إزالة اللوحات.

كما تضمنت قائمة الضحايا مدارس، مستشفيات، مهرجانات سينمائية وورشة لصناعة الطائرات الورقية للأطفال تضامنًا مع غزة، إذ هددت UKLFI المنظمين بتفعيل ما تسمى “قوانين مكافحة الإرهاب” بحجة ربطها بحوادث طائرات ورقية حارقة ارتبطت بسياق الحصار على غزة.
وتؤكد العرائض المقدمة إلى هيئة تنظيم المحامين أن المنظمة تعتمد على الترويع القانوني لإلغاء فعاليات ثقافية وتخويف المؤسسات من استضافة أنشطة مؤيدة لفلسطين.
كيف تختلق تهمة “معاداة السامية” لإسكات المعارضين؟
المنظمة تستخدم مفهوم “معاداة السامية” بشكل موسع لتجريم أي نقد للاحتلال الإسرائيلي، وقد صدرت دراسة عن منظمة CAGE International للمناصرة الحقوقية وصفت “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” بأنها تخلط بين اللا سامية ومعاداة الصهيونية وتستخدم شكاوى قانونية لا أساس لها لوقف النشاط المؤيد لفلسطين.
وشددت على أن UKLFI و”حملة مكافحة معاداة السامية” يستغلان هذا المصطلح لخلق مناخ خوف في المؤسسات البريطانية عبر التبليغ المتكرر للهيئات المهنية، مثل مجالس الأطباء والمحامين والجامعات، لإطلاق تحقيقات ضد أفراد لمجرد مشاركتهم مواد عن غزة.
مثال على ذلك كان محاولة المنظمة تعليق ترخيص الطبيب البريطاني-الفلسطيني غسان أبو سِتّة بعد عودته من تقديم المساعدة الطبية في غزة؛ إلا أن الهيئة الطبية البريطانية رفضت الشكوى لعدم وجود دليل على تحيزه.
ما مدى ارتباط المنظمة بـ”إسرائيل”؟
في تحقيق لموقع ميدل إيست مونيتور استند إلى وثيقة حكومية “إسرائيلية” مسرّبة، ظهر أن الرئيس التنفيذي للمنظمة جوناثان تورنر وزوجته كارولين، التي تشغل منصب الأمينة، التقيا مسؤولين في وزارة القضاء الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول 2019 لطلب المساعدة في جمع أدلة ضد جمعيات خيرية بريطانية مؤيدة لفلسطين.
الوثيقة المسرّبة تؤكد أن تورنر أقر بأن خسارة أي قضية أمام هذه المنظمات قد تكلف UKLFI مبالغ كبيرة تتجاوز تغطية التأمين، فطلبت المنظمة دعمًا ماليًا وإثباتات من المسؤولين الإسرائيليين.

كما كشف تقرير لموقع “إلكترونيك انتفاضة” أن المنظمة اعترفت بدعمها لوزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية، عبر تنظيم حملات حول العالم لتعطيل العمل الحقوقي الفلسطيني.
من يمول المنظمة المشبوهة؟
رغم ظهور ميزانيات الذراع الخيرية على موقع مفوضية الجمعيات، لا تنشر UKLFI أسماء المتبرعين ولا حجم التبرعات الفردية، ما دفع منظمة CAGE International إلى اتهامها بالغموض المالي والتعتيم.
في المقابل، يشير “إلكترونيك انتفاضة” إلى أن UKLFI جزء من شبكة تمويل ترتبط بوزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية التي تدعم منظمات خارجية لمهاجمة المدافعين عن حقوق الإنسان الفلسطينيين.
كما يشتبه الموقع أن بعض التبرعات تأتي من جهات يمينية متطرفة في الجاليات اليهودية البريطانية ومن اللوبي الصهيوني العالمي. ويلاحظ أن UKLFI تمكنت خلال بضع سنوات من زيادة أصولها المتاحة من 182 ألف جنيه إسترليني في 2023 إلى أكثر من 463 ألف جنيه في 2024، ما يشير إلى تدفق تمويل كبير.
هل تواجه المنظمة محاسبة على ممارساتها؟
في يوليو/تموز 2025 أكدت مفوضية الجمعيات الخيرية البريطانية أنها تحقق في العلاقة بين UKLFI والشركة الخيرية التابعة لها. وأعلنت أن هناك شكاوى بشأن تجاوز الذراع الخيري للحدود المسموح بها قانونًا عبر الانخراط في نشاط سياسي لصالح الاحتلال.
كما قدم مركز القانون للمصلحة العامة والمركز الأوروبي للدعم القانوني شكوى من 114 صفحة إلى هيئة تنظيم المحامين، متهمين UKLFI بممارسة العمل القانوني دون ترخيص واستخدام دعاوى SLAPP لقمع حرية التعبير. وهذه الشكوى تطالب بتعليق رخصة المحامية كارولين تورنر وإخضاع المنظمة لأحكام قانون الشركات القانونية لضمان خضوعها للرقابة.