وجدت شركة “إيزي إيريال” (Easy Aerial)، لتكنولوجيا الطائرات المسيرة، نفسها خارج أسوار مجمع بروكلين المملوك لبلدية نيويورك، بعد أسابيع قليلة فقط من تولي العمدة الجديد، زهران ممداني، مقاليد الحكم في المدينة.
وطردت البلدية هذه الشركة بعد أشهر من احتجاجات قادها ناشطون مؤيدون لفلسطين مما فتح باب التساؤلات عن ماهيتها وأسباب عدم تجديد رخصتها وطبيعة ارتباطها بجش الاحتلال الإسرائيلي والعدوان على غزة؟
لماذا رفضت نيويورك تجديد عقد الشركة؟
أوضح عضو مجلس بلدية بروكلين لينكولن ريستلر أن مجلس إدارة بروكلين نيفي يارد – وهي شركة تطوير حكومية تدير المجمع – قرر في اجتماع يناير/كانون الثاني 2026 عدم تجديد عقد إيجار “إيزي إيريال”، لأن “لا ينبغي أن تؤجر ممتلكات عامة لشركات تحول الطائرات إلى أسلحة حرب”.
القرار أُعلن رسميًا منتصف فبراير/شباط 2026 بعد ستة أسابيع من تولي زهْران ممداني منصب عمدة نيويورك.
ومع أنّ العمدة ومجلس الإدارة لم يوضحا رسميًا أن السبب سياسي، فإن الناشطين وجزءًا من المجلس البلدي اعتبروا أن الشركة متورطة في تصنيع أسلحة تُستخدم في جرائم حرب، وأن وجودها في منشأة تملكها البلدية يتعارض مع قيم المدينة.
الشركة من جانبها لم تُدلِ بتعليق مفصل، لكن المتحدثة باسم المجمع أوضحت لصحيفة نيويورك بوست أن القرار اتخذ “لأسباب تجارية تتعلق بالالتزام بمتطلبات التشغيل والامتثال للقوانين”. بمعنى آخر، لم تعترف الإدارة صراحةً بالضغط السياسي، لكنها لم تنف أنشطة الشركة العسكرية.
مجموعة “ديمليترَايز بروكلين نيفي يارد” Demilitarize Brooklyn Navy Yard، وهي حملة شعبية تفضح الحضور العسكري داخل المجمع، اعتبرت القرار انتصارًا لحملة استمرت عامًا كاملاً وأشارت إلى أن كل الملصقات والاحتجاجات والرسائل كانت جزءًا من جهد منسق لطرد الشركة.
ما هي “إيزي إيريال”؟
تأسست إيزي إيريال عام 2014 في الولايات المتحدة لتطوير طائرات مسيّرة ذاتية القيادة وأنظمة “درون داخل صندوق”.
تملك الشركة مقرين رئيسيين: مقرها الأساسي في بروكلين ومكتبًا آخر في غان هشومرون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تصف نفسها بأنها تصنع طائرات مسيّرة متعددة الاستخدامات للقطاعات العسكرية والأمنية والتجارية.
وتعلن على موقعها الرسمي أن منتجاتها “صُمِّمت من قِبل عسكريين سابقين ومهندسي فضاء وروبوتات بدعم من سلاح الجو الأمريكي”.
تشمل قائمة عملاء الشركة الجيش الأمريكي وسلاح الجو وحرس الحدود، وقد أقرّت وسائل إعلام عبرية بأنها باعت معدات لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
من يدير الشركة ومن هم مؤسسوها؟
تأسست “إيزي إيريال” على يد المهندس الصربي الأمريكي إيفان ستاماتوفسكي ورجل الأعمال الإسرائيلي إيدو غور.
عمل ستاماتوفسكي في منصب مدير المنتجات أو المدير التقني، وهو من خلفية في هندسة الروبوتات ويصف نفسه بأنه مسؤول عن التصميم والتطوير. أما إيدو غور فيعد أحد المؤسسين ويرتبط بصناعة الطائرات المسيّرة في “إسرائيل”.
منظمة “ووركرز وورلد” المناهضة للحروب تقول إن الشركة “تأسست عام 2015 على يد ستاماتوفسكي وجندي سابق في قوات الاحتلال يدعى إيدو غور” وتتهمها بتزويد جيش الاحتلال بطائرات مراقبة استخدمت في غرب آسيا وفي مراقبة المجتمعات الملونة في نيويورك.
وانتقل غور لاحقًا لإدارة شركة أمريكية أخرى للتقنيات الجوية، بحسب تقرير لـ“جيروزالِم بوست”.
وخلف الواجهة التشغيلية، تقف شبكة من المستثمرين الذين ضخوا الملايين في “إيزي إيريال”، والعديد منهم يمتلكون روابط قوية بمنظومة التكنولوجيا الإسرائيلية.

وهذا الهيكل المالي يؤكد أن “إيزي إيريال” ليست مجرد شركة أمريكية بمنتج أمني، بل جزء من محفظة استثمارية تهدف إلى تعزيز التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وتسويقه عالمياً عبر بوابة الولايات المتحدة.
ما أبرز منتجات الشركة؟
1- نظام “الطائرة في صندوق”: عبارة عن قاعدة أرضية متينة ومحمولة، تحتوي على الطائرة المسيرة. النظام يعمل بشكل مستقل تماماً؛ حيث يفتح الصندوق سقفه تلقائياً، وتقلع الطائرة لتنفيذ مهمة مبرمجة مسبقاً أو استجابة لإشارة من مستشعر أمني، ثم تعود للهبوط والشحن ذاتياً دون أي تدخل بشري في الموقع.
2- تقنية الربط والمراقبة المستمرة: الابتكار الأكثر خطورة وأهمية عسكرية هو “أنظمة المراقبة الجوية الذكية”. هذه الطائرات لا تعتمد على البطارية للطيران الحر، بل تتصل بالقاعدة الأرضية عبر كابل فائق المتانة يمد الطائرة بالكهرباء بشكل مستمر ويضمن نقل بيانات الفيديو والاستشعار عبر الكابل نفسه وليس موجات الراديو، ما يجعل الاتصال غير قابل للتشويش ومحصناً ضد الاختراق الإلكتروني.
3- الأسطول الجوي: تنتج الشركة عدة طرازات مخصصة لمهام مختلفة، منها
- الباتروس: طائرة سداسية المراوح مصممة للحمولات الثقيلة (تصل إلى 3.8 كجم أو 8.4 رطل).
- رابتور: طائرة هجينة يمكنها العمل بوضع الربط للمراقبة المستمرة، أو التحول إلى الطيران الحر لملاحقة هدف متحرك.
- ألبين سويفت: طائرة رباعية المراوح (Quadcopter) خفيفة وسريعة، تستخدم للاستجابة السريعة والمراقبة القريبة.
ما طبيعة الارتباط بين “إيزي إيريال” و”إسرائيل”؟
رغم هويتها الأمريكية المسجلة وترويجها بأن منتجاتها “مصنوعة في الولايات المتحدة”، فإن جذور الشركة تمتد عميقاً في التربة العسكرية الإسرائيلية.
في عام 2019 تلقت إيزي إيريال وشركة بلو وايت روبوتيكس الإسرائيلية منحة مشتركة من مؤسسة البحث والتطوير الصناعية الثنائية (BIRD) – وهي مبادرة حكومية أمريكية إسرائيلية – لتطوير برنامج طائرات مسيّرة لأغراض الأمن الداخلي.
يعترف ستاماتوفسكي بأن المشروع لم يُطرح تجاريًا بسبب نقص التمويل، لكنه يوضح أن للشركة مكتبًا داخل الأراضي المحتلة وأنها حاولت التعاون مع “إسرائيل” مبكرًا.
منذ عام 2021 روجت الشركة في فيديو دعائي – بُث على قناة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – أنظمتها لقيام جيش الاحتلال بمراقبة الحدود، وهو ما يشير إلى استخدامها في مراقبة الفلسطينيين.
كما يُظهر منشور لإيدو غور عام 2022 على موقع “لينكد إن” أن “إيزي إيريال” زودت شركة إلبيت سيستمز، أكبر مصنِّع أسلحة في “إسرائيل”، ببرمجيات للتحكم في الطائرات المسيّرة.
كيف استُخدمت تقنيات الشركة في غزة؟
في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أقر إيفان ستاماتوفسكي بأن منتجات شركته وجدت “حاجة فورية” وأنه تم نشر طائراتها المربوطة لتوفير “مراقبة وحماية للمحيط”.
الناشطة مروة فطافطة من منظمة Access Now أوضحت أن هذه الطائرات لا يمكن وصفها بالـ“دفاعية”، إذ إن تكنولوجيا المراقبة جزء من منظومة الاحتلال، وتساهم في تثبيت نظام الفصل والسيطرة على السكان الفلسطينيين.
تضيف أن الشركات مثل “إيزي إيريال” لا تستطيع التحكم في مكان استخدام منتجاتها، ما يجعلها متواطئة عندما تُستخدم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في تقرير لموقع Mondoweiss، يؤكد ناشطو حملة “ديمليترَايز بروكلين نيفي يارد” أن جيش الاحتلال عرض في فيديو عام 2021 طائرات “إيزي إيريال” وهي تنفذ دوريات على حدود غزة، وأن طرازاتها من السداسيات والرباعيات قادرة على حمل قنابل أو قنّاصة رغم ترويج الشركة لها كأدوات مراقبة.
كما يشير التقرير إلى وجود عقد مع إلبيت سيستمز لدمج هذه الطائرات على عربات عسكرية، وهو ما يعني تحولها إلى منصات قتالية.
ويُعد إغلاق مقر “إيزي إيريال” أول نجاح بارز لحملة “ديمليترَايز بروكلين نيفي يارد”، والتي استهدفت أيضًا شركة Crye Precision المتخصصة في الملابس العسكرية.
ويشير النشطاء إلى أنهم سيواصلون الضغط حتى تُطرد كل الشركات المتورطة في تزويد قوات الاحتلال بالأسلحة، ما يكشف أيضًا عن اتساع دائرة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة، حيث تحوّل الغضب من جرائم الحرب إلى مطالب ملموسة بقطع العلاقات مع شركات السلاح.