تواجه الأمم المتحدة أزمة تمويل غير عادية تختلف جذريًا عن أزمات التمويل التي كانت تشهدها دوريًا، إذ تقف المؤسسة الدولية التي شكلت العمود الفقري للنظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية أمام تهديد وجودي غير مسبوق.
إذ تصاعدت التحذيرات الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أخيرًا بشأن “الانهيار المالي الوشيك” بحلول يوليو/تموز 2026، وذلك تزامنًا مع الذكرى الثمانين لإنشاء هذه المنظمة.
فما الأسباب التي قادت الأمم المتحدة إلى هذه اللحظة الفاصلة، وهل يمكن أن تنهار ماليًا في ظل غياب الدعم الأمريكي والترويج لهياكل بديلة عن المنظمة الأممية؟
ما أسباب العجز المالي؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025، صعّد الرئيس دونالد ترامب هجومه على الأمم المتحدة وصورها على أنها منظمة فاشلة.
بدأ التفكيك بأمر تنفيذي في 4 فبراير/شباط 2025، حيث وجه وزير الخارجية لإجراء مراجعة شاملة لجميع المنظمات الدولية لتحديد تلك التي تعمل “ضد مصالح الولايات المتحدة”.
استهدف الأمر بشكل فوري وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” ومجلس حقوق الإنسان واليونسكو، بسبب مزاعم “التحيز ضد إسرائيل”.
ركزت المرحلة الثانية في أبريل/شباط 2025، على المؤسسات المالية الدولية، إذ وضعت وزارة الخزانة سياسة جديدة لـ “المشاركة المشروطة” مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مطالبة بإنهاء أجنداتها في عدة ملفات أبرزها قضية التغير المناخي والعدالة الاجتماعية.
بالتزامن، بدأت الإدارة في تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، ونقل وظائفها إلى وزارة الخارجية لضمان استخدام المساعدات كأداة للمعاملات الدبلوماسية المباشرة.
في أغسطس/آب 2025، استخدمت الإدارة سلطة “إلغاء التخصيص” لقطع أكثر من 5 مليارات دولار من المساعدات الخارجية والمساهمات الدولية. شملت هذه الاقتطاعات:
- 3.2 مليار دولار من برامج المساعدة الإنمائية.
- 838 مليون دولار من أموال حفظ السلام.
- 521 مليون دولار من المساهمات في المنظمات الدولية (CIO).
بلغت الاستراتيجية ذروتها في 7 يناير/كانون الثاني 2026، عبر توقّيع ترامب أمرًا تنفيذيًا بالانسحاب من 66 منظمة دولية، نحو نصفها مبادرات تابعة للأمم المتحدة، تشمل هيئات معنية بالبيئة وحقوق الأطفال و”مكافحة الإرهاب”.

ما حجم وأسباب العجز المالي الحالي؟
يعتمد تمويل الأمم المتحدة على ميزانية منتظمة تُغطّى من مساهمات إلزامية، وميزانية حفظ السلام، إضافة إلى تبرعات طوعية.
وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على ميزانية عادية لعام 2026 بقيمة 3.45 مليار دولار. ورغم أن هذا الرقم يبدو ضخمًا، إلا أنه يمثل انخفاضًا حقيقيًا عند احتساب التضخم وتوقف المدفوعات الأمريكية.
ففي نهاية 2025 بلغ حجم المتأخرات في الميزانية العادية 1.57 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق. يُعزى هذا العجز بالدرجة الأولى إلى عدم دفع الولايات المتحدة مستحقاتها.
إذ أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن واشنطن، التي ينبغي أن تسدد 22% من الميزانية العادية، كانت مدينة بحوالي 2.2 مليار دولار للميزانية العادية و1.88 مليار دولار لبعثات حفظ السلام الجارية و528 مليون دولار لبعثات سابقة.
ووفق تقديرات قدمتها منظمات ومراكز أبحاث، تحتاج الأمم المتحدة في عام 2026 نحو 3.5 مليار دولار لوكالاتها وبرامجها و5.7 مليار دولار لعمليات حفظ السلام.
إلا أن الكونغرس الأمريكي يضع سقفًا قانونيًا يقصر مساهمة الولايات المتحدة في حفظ السلام على 25% من الإجمالي رغم أن النسبة المقررة أمميًا تقارب 27%، ما يعني أن أي زيادة في الميزانية لن يقابلها ارتفاع في التمويل الأمريكي.
ومع قرار الإدارة الأمريكية تجميد المدفوعات، تواجه البعثات عجزًا تشغيليًا يتجاوز 1.5 مليار دولار.

ما تأثير العجز المالي؟
العجز المالي دفع الجمعية العامة إلى خفض ميزانية 2026 بنسبة 7% إلى 3.45 مليار دولار، وهو مبلغ يقل بـ200 مليون دولار عن الميزانية السابقة، إضافة إلى تخصيص 5.38 مليار دولار لقوات حفظ السلام من
وأصدرت إدارة عمليات السلام تعليمات للبعثات بخفض النفقات بنسبة 15%، إذ قرّر أعضاء الجمعية العامة خفض الميزانية وتقليص الوظائف، وتمت الموافقة على استغناء عن حوالي 2,900 وظيفة في العام 2026.
وهو ما يترجم عمليًا إلى خفض بنسبة 25% في الأفراد النظاميين (عسكريين وشرطة) نظرًا للتكاليف الثابتة المرتفعة للوجستيات، هذا الانسحاب يخلق فراغات أمنية خطيرة في مناطق النزاع النشطة:
- إفريقيا: اضطرت بعثات مثل “مونوسكو” في الكونغو الديمقراطية و”أونميس” في جنوب السودان إلى تقليص دورياتها، مما ترك مواقع حماية المدنيين عرضة للهجمات المباشرة.
- الشرق الأوسط: تواجه قوة “اليونيفيل” في لبنان قيودًا شديدة وسط تصاعد التوترات بين “إسرائيل” وحزب الله، ومحاولات أمريكية وإسرائيلية لتقويض ولايتها المالية والسياسية.
وبدون ضخ سيولة عاجلة، ستعجز الأمم المتحدة عن سداد مستحقات الدول المساهمة بقوات (TCCs)، وهي في الغالب دول نامية مثل رواندا وبنغلاديش والهند، مما قد يدفع هذه الدول إلى سحب قواتها بشكل أحادي، ويهدد بانهيار اتفاقيات السلام الهشة.
من هم كبار ممولي الأمم المتحدة اليوم؟
يُحدَّد نصيب كل دولة من الميزانية العادية للأمم المتحدة وفق قدرتها الاقتصادية، وتتصدر الولايات المتحدة القائمة بـ22% تليها الصين بـ20%. بعدهما تأتي اليابان وألمانيا والمملكة المتحدة.
على الرغم من عدم دفع واشنطن مستحقاتها، فقد ظلت الصين مسددة لالتزاماتها حتى بداية 2026.
يشير تقرير لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن الولايات المتحدة كانت مسؤولة عن 26% من ميزانية حفظ السلام في 2025، وأن قيمة مساهمتها في 2025 بلغت نحو 1.2 مليار دولار.
إلى جانب هذه المساهمات الإلزامية، تعتمد كثير من صناديق الأمم المتحدة ووكالاتها – مثل برنامج الأغذية العالمي، واليونيسيف، والأونروا – على تبرعات طوعية.
غالبًا ما تأتي تلك التبرعات من الولايات المتحدة، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب قطعتها عن عدة وكالات، أبرزها منظمة الصحة العالمية ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.
أوروبا تعد أكبر مانح إنساني في العالم، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية عن ميزانية مساعدات إنسانية قدرها 1.9 مليار يورو لعام 2026 تُموَّل عبر الأمم المتحدة وشركائها. غير أن دول أوروبية عدة تخفض أيضًا مساعداتها بسبب ضغوط مالية وتوجهات لتعزيز الإنفاق العسكري.
كيف يُمكن تغطية الفجوة؟
يتفق الخبراء على أن إصلاح نظام التمويل ضروري. يقترح البعض أن تُعدل القواعد بحيث تُعاد الأموال غير المنفقة فقط بما يتوافق مع التحصيل الفعلي، وليس مع الميزانية المعتمدة.
هناك أيضًا اقتراح بإنشاء حساب خاص يتيح للدول الأخرى تسديد العجز، وهو حساب موجود منذ سبعينيات القرن الماضي ولكنه لم يُفعّل بشكل واسع.
يناقش آخرون إمكانية إصدار سندات أو ضرائب عالمية لتمويل البرامج الأممية، لكن هذه الحلول تواجه رفضًا من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية.

أما الصين، ثاني أكبر مساهم، فقد زادت نسبة مساهمتها إلى 20% من الميزانية العادية و23% من ميزانية حفظ السلام، وتستخدم هذا الدور لتعزيز نفوذها السياسي داخل المنظمة. لكنها لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة من حيث التمويل المطلق.
وبدورها، تبرز دول الخليج كجهات مانحة جديدة، إلا أن تقريرًا لمؤتمر ميونخ للأمن يؤكد أن “الفجوات التي تتركها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تُملأ بالكامل من قبل المانحين غير التقليديين”.
ما احتمال أن تنهار الأمم المتحدة ماليًا؟
بالتوازي مع هدم الأمم المتحدة، تعمل واشنطن على بناء هيكل منافس والمتمثل في ما يسمى مجلس السلام الذي انطلقت فكرته للمساهمة في تثبيت التهدئة في غزة وإعادة إعمارها ثم توسعت ليصبح جسما دوليا يتدخل في “حل النزاعات العالمية”.
يمثل هذا الكيان تبلورًا لسياسة “أمريكا أولًا” الخارجية في مؤسسة رسمية تتسم بالحصرية، والتعاملات التجارية، والسلطة التنفيذية، في تناقض صارخ مع الطبيعة الشاملة والتداولية والبيروقراطية للأمم المتحدة.
وجرى التصديق رسميًا على ميثاق مجلس السلام في دافوس، سويسرا، في 22 يناير/كانون الثاني 2026. يترأس المجلس دونالد ترامب شخصيًا، مما يؤسس رابطًا مباشرًا بين الرئاسة الأمريكية وإدارة النزاعات العالمية، متجاوزًا بيروقراطية وزارة الخارجية.
وأدى صعود مجلس السلام وتراجع الأمم المتحدة إلى تدافع بين القوى الكبرى الأخرى، مما أجبرها على الاختيار بين دعم نظام أممي يحتضر أو التكيف مع النظام الأمريكي الجديد.
ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تهدف إلى تقويض النظام متعدد الأطراف وإحلال آلية أمريكية ضيقة تحظى بحق الفيتو الفردي بدلًا من الإجماع الدولي.
وحتى الآن وقّع على المجلس عدد من الدول غير الغربية، ما يعكس عزوف الحلفاء التقليديين عن هذا البديل، لكنهم في المقابل لا يعملون على تغطية الفجوة التي تركتها انسحابات واشنطن.
في الأثناء، يحذر غوتيريش من أن “المسار الحالي غير قابل للاستمرار”، فإذا لم تُسدَّد المتأخرات وتُعدَّل قواعد الميزانية، فقد ينفد النقد بحلول يوليو/تموز 2026، وعندها ستواجه الأمم المتحدة لحظة الحقيقة.
ويرجح البعض أن نشهد سيناريو “الأمم المتحدة الزومبي”، حيث تتجنب المنظمة الإغلاق الكلي عبر إجراءات طارئة، لكنها تتحول إلى منتدى هيكلي للخطابات الدبلوماسية، بينما تنتقل السلطة الحقيقية لحل النزاعات والتمويل إلى “مجلس السلام” والتحالفات الإقليمية.