ترجمة وتحرير: نون بوست
للسنة الثانية على التوالي، تتابع نيفين حماد تراجع درجات ابنها جلال الدين، رغم أنه كان في السابق من بين الثلاثة الأوائل في صفه الدراسي. الآن، وهو في الفصل الدراسي الثاني من الصف التاسع، أصبحت مهاراته أقل بكثير مما كانت عليه قبل بضع سنوات. تقول والدته التي تقيم في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة: “كأن قدراته توقفت عند الصف السابع”.
يدرس جلال الدين في مدرسة حكومية تديرها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية. اختارها والداه بعناية، إذ كانت منذ تأسيسها مدرسة نموذجية توفّر غرفا للموارد ومرافق حديثة وبرامج تعليمية متقدمة.
لسنوات، ساعدته هذه البيئة على التفوق. لكن والدته تقول إن الوضع تغيّر خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
أدت الأزمة المالية المستمرة داخل السلطة الفلسطينية إلى خفض ساعات التدريس وتقليص رواتب العاملين في القطاع العام، وبينهم المدرسون، مما أدى إلى تدهور جودة التعليم.
تعود الأزمة إلى عام 2021، عندما بدأت الحكومة في تخفيض رواتب الموظفين العموميين، ووصل التقليص أحياناً إلى 60 بالمئة، وغالباً ما تكون الرواتب غير منتظمة.
وقد ردّ العاملون في قطاع التعليم، الذين يشكلون أكثر من نصف العاملين في القطاع العام، بإضرابات مطوّلة، مما زاد من اضطراب النظام التعليمي الذي لا يزال يعاني من تداعيات جائحة كوفيد-19.
مع بداية العام الدراسي 2026/2025، قلّصت الوزارة الأسبوع الدراسي إلى ثلاثة أيام فقط بعد أن أجّلت بدء الفصل أسبوعًا كاملًا بسبب الأزمة. كان هذا التخفيض الثاني خلال عامين، ففي العام السابق تم تخفيض الأسبوع من خمسة أيام إلى أربعة.
أدّى ذلك إلى فقدان الطلاب فعليًا نصف وقتهم الدراسي وجزءا كبيرا من المقررات التعليمية. باتت الآثار واضحة الآن، حيث تراجع الأداء بشكل ملحوظ، خصوصًا في القراءة والكتابة. ويحذّر الأولياء والمدرسون من “الأمية التدريجية” في مجتمع كان فيه التعليم يومًا ما ركيزة أساسية.
تحاول نيفين وزوجها التعويض من خلال الدروس عبر الإنترنت، لكنهما يقولان إنهما لا يستطيعان تغطية النقص بشكل كامل، خاصة في المواد الأكثر تعقيدًا. كما لاحظا فقدان ابنهما اهتمامه بالدراسة، وقضاءه معظم الوقت على الأجهزة الإلكترونية.
قالت نيفين لموقع ميدل إيست آي: “لا يمكننا أن نستبدل المدرسة بالبيت. إنه يحصل بالكاد على نصف المنهج الدراسي”.
“اغتراب تعليمي”
يؤكد ماجد أبو داود، المشرف التربوي المتقاعد بوزارة التربية والتعليم، فإن المنهج الفلسطيني المعتمد عام 2017 كان مصمماً ليتم إنجازه خلال 182 يوماً دراسياً.
وقد أجبر تقليص الأسبوع الدراسي المعلمين على اختصار الشروحات وضغط المواد في دروس مدتها 40 دقيقة، مما أربك الطلاب بمعلومات كثيفة في وقت محدود. كما قامت الوزارة بتقليص المحتوى من خلال “حزم تعليمية” موجزة.
وقال أبو داود إنه يستحيل على المدرسين من الناحية العملية إتمام المنهج المقرر في ثلاثة أيام أسبوعيًا. وأضاف لموقع ميدل إيست آي: “كل ذلك أدى إلى تراجع جدية التعليم والتعلّم، خصوصًا لدى الطلاب الذين فقدوا الحافز والالتزام، مما عمّق الأزمة”.
وقد تضاعف العبء على المدرسين والطلاب والأولياء على حد سواء. فالمواد التي كانت تُدرّس في خمسة أيام باتت تُدرّس في ثلاثة أيام فقط، وهو ما أثقل كاهل الطلاب بالواجبات المنزلية، مع شرح أقل في الصف الدراسي.
تحدد المعايير الدولية العام الدراسي بـ 182 يومًا موزعة على فصلين دراسيين. لكن حضور طلاب المدارس الحكومية في الضفة الغربية لم يتجاوز 50 يومًا في الفصل الأول من العام الدراسي الحالي، وفق ما أفاد به نسيم قبها، عضو الائتلاف التربوي الفلسطيني.
يعني ذلك خسارة تعليمية تقارب نصف المنهج الدراسي، من دون وجود خطة واضحة للعودة إلى نظام التعليم المعتاد. وقال قبها: “أصبح التعليم قائمًا على اغتنام الفرص بدلًا من اتباع عملية منظمة وتراكمية”.
ومع انتقال الطلاب إلى صفوف أعلى من دون إكمال المناهج السابقة، يفقدون المهارات الأساسية التي يعتمد عليها المستوى التالي.
ويصف قبها هذا الوضع بأنه “اغتراب تعليمي”، حيث تتراكم الفجوات، خصوصًا في الكتابة والتعبير.
دفع هذا الوضع العديد من الأولياء إلى البحث عن حلول فردية: التعليم المنزلي، أو المدارس الخاصة رغم ارتفاع رسومها، أو اللجوء إلى الدروس الخصوصية.
العنف الاستيطاني
في غضون ذلك، يشهد النظام التعليمي في الأراضي الفلسطينية المحتلة حالة من التشرذم.
تعمل معظم المدارس الحكومية في الضفة الغربية حاليًا ثلاثة أيام في الأسبوع، مع أن بعضها قد مدد الدوام إلى أربعة أيام بشكل مستقل. أما في القدس الشرقية المحتلة، فإن المدارس الحكومية تعمل بدوام كامل، شأنها شأن المدارس الخاصة.
وفي قطاع غزة، حُرم مئات الآلاف من الطلاب من الدراسة منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية عام 2023.
كما توقف التعليم تمامًا في بعض مناطق الضفة الغربية نتيجة الحملات العسكرية المتواصلة وعنف المستوطنين.
الطفلة غُصون يوسف كعابنة، سبع سنوات، من بدو شلال العوجا شمال أريحا، هي إحدى المتضررين من السياسات الإسرائيلية. نزحت مع عائلتها الشهر الماضي نتيجة هجمات وتهديدات المستوطنين، وانتقلت إلى أطراف قرية العوجا.
قبل أن تتمكن العائلة من بناء منزلها الجديد والعثور على مدرسة لغصون وشقيقتها جنى، بدأت هجمات المستوطنين في الموقع.
رغم التهجير، حرصت غصون على أخذ كتب الصف الثاني، لكنها تخشى ألّا تتمكن من استخدامها أبدًا. وقالت: “أريد أن أعود إلى المدرسة وأتعلّم مع أصدقائي، لكن لا توجد مدرسة هنا”.
وأوضح والدها لـ”موقع ميدل إيست آي” أن أياً من الأطفال النازحين لم يتمكن من العودة إلى الدراسة.
يعدّ الذهاب إلى المدرسة أمرا بالغ الخطورة بسبب هجمات المستوطنين المستمرة والمسافات الطويلة إلى أقرب المدارس.
تقاعس السلطة الفلسطينية
تقر جميع الأطراف المعنية بالعملية التعليمية، بما فيها الوزارة، بحدوث تراجع كبير، لكنها لا تقدّم حلولًا فعلية، بل تتعامل مع الأزمة على أنها محاولة للحد من الأضرار.
ويعترف أيوب عليان، الوكيل المساعد للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم، بتراجع أداء الطلاب، لكنه يرجعه لظروف خارجة عن إرادة الوزارة. وقال عليان لموقع ميدل إيست آي: “هذه مسؤولية حكومة تحت الاحتلال ومن دون تمويل. يتقاضى المدرسون 60 بالمئة من رواتبهم بشكل غير منتظم. الحضور بدوام كامل أمر مستحيل”.
وأضاف عليان أن الوزارة تتخذ خطوات لسد الفجوات التعليمية، لكنها تفتقر إلى بيانات دقيقة. وتشمل الإجراءات الحالية التركيز على المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة، والتعلّم القائم على الواجبات، واستغلال أيام العطل لتعويض النقص، كما أن هناك خطة تكميلية قيد الإعداد.
ويؤكد عليان أن الهدف من هذه الإجراءات هو الحد من الأضرار، مشيرًا إلى أن التعافي الكامل قد يستغرق ما بين ثلاث إلى أربع سنوات، حتى مع استقرار الرواتب.
ويوافق سائد ارزيقات الأمين العام لاتحاد المعلمين، على أن إعادة الرواتب كاملةً كفيل بحل المشكلة.
إلا أنه يرفض ربط الأزمة التعليمية بالمشاكل المالية للسلطة الفلسطينية، مؤكّدًا أن المطلوب هو أن يصبح التعليم أولوية حكومية. وقال ارزيقات لموقع ميدل إيست آي: “يجب أن تكون الحكومة شفافة وأن تعطي الأولوية للإنفاق على التعليم والصحة”.
من جانبه، يقول المجلس المركزي لأولياء الأمور إنه قدّم حلولًا لتأمين التمويل خارج إطار الموازنة الحكومية، لكن السلطة رفضتها حتى الآن.
وقال عضو المجلس صخر الأحمد: “قدّمنا حلولًا لكنهم تجاهلوها”. كما اتهم الوزارة بالفشل في تحديد حجم الفاقد التعليمي بعد جائحة كوفيد-19 وإضرابات المدرسين، ما ترك المشكلة بلا حل منذ سنوات.
ويرى رفعت صباح، رئيس الائتلاف التربوي الفلسطيني، أن معالجة مشكلة الفاقد التعليمي تتطلب دراسة وطنية شاملة.
وأظهرت دراسة أجريت قبل جائحة كوفيد-19 أن 40 بالمئة من الطلاب يعانون من صعوبات في القراءة والكتابة. وقال صباح إن التدهور اليوم أسوأ وأكثر وضوحًا.
ويحمّل صباح الوزارة جزءًا من المسؤولية عن الأزمة، ويتهمها بالتقاعس عن إيجاد الحلول قائلاً: “تعامل الوزارة مع إضراب المدرسين كان له الأثر السلبي الأكبر على قدرتهم على الأداء، وأثّر على التزامهم بالتعليم”.
كما سلّط الضوء على تأثير سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الطلاب والمدرسين يواجهون صدمات نفسية مستمرة ولا يحصلون على دعم كافٍ.
حلول بديلة
تاريخيًا، واجه التعليم في فلسطين أزمات مشابهة، وقد توقّفت الدراسة تمامًا في بعض الفترات.
خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، برز التعليم الشعبي كحل بديل بعد أن أغلق الاحتلال الإسرائيلي المدارس والجامعات، وأصبح شكلا من أشكال المقاومة ودعم الحركة الوطنية.
أنشأت لجان مجتمعية خلال الانتفاضة الأولى فصولا دراسية سرية في البيوت والمساجد والكنائس، وتطوّع المدرسون وطلاب الجامعات والأهالي للحفاظ على التعليم كأداة للصمود والمقاومة.
لكن الباحث في علم الاجتماع وسام الرفيدي يرى أن مثل هذه الحلول غير قابلة للتطبيق اليوم، موضحا أن الظروف الحالية مختلفة، ولا يوجد إطار سياسي أو شعبي داعم لمثل هذه المبادرات.
وقال لموقع ميدل إيست آي: “علينا البحث عن بدائل تسمح بانخراط الجيل الجديد عبر لغته الخاصة، من خلال أنشطة ثقافية وتعليمية خارج المدارس، بالتعاون مع المجموعات الشبابية والمؤسسات التعليمية”.
وشدّد على أن أي بدائل يجب أن تبقى بعيدة عن التمويل الأجنبي، الذي قد يكون أكثر خطورة من الأمية نفسها، موضحا: “التمويل الأجنبي ينطوي على مخاطر، حيث يقوّض الهوية الوطنية الفلسطينية التي حافظت عليها الأجيال منذ عام 1948”.
المصدر: ميدل إيست آي
