يُحيي الليبيون الذكرى الخامسة عشرة لثورة السابع عشر من فبراير/شباط 2011 في سياق سياسي وأمني واقتصادي أكثر تعقيدًا مما كان عليه المشهد عشية اندلاعها، فالدولة التي خرج أبناؤها ذات يوم مطالبين بإرساء دعائم المؤسسات وسيادة القانون وضمان الأمن والعدالة والحريات، تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي حاسم، إما الشروع في مسار وطني جاد لترميم ما أصاب بنيانها من تصدّعات وانحدارات متراكمة، أو الاستمرار في دوامة الانقسام والتآكل بما يهدد ما تبقى من مقومات الدولة.
لقد انطلقت الثورة الليبية في مناخ إقليمي مشحون بالتحولات، متأثرة برياح التغيير التي هبّت من الجوار الغربي في تونس، ثم من الجار الشرقي في مصر، وكان الرهان الشعبي حينها واضحًا، مستندًا إلى ثنائية طي صفحة نظام معمر القذافي الذي أحكم قبضته على البلاد لعقود، والشروع في بناء دولة مدنية ديمقراطية قوامها التداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، وصون الحقوق والحريات.
غير أن مسار التحول لم يسر وفق التطلعات التي رسمها الليبيون في مخيلتهم الجماعية، فبدل أن تتعزز مؤسسات الدولة وتترسخ قواعد الحكم الرشيد، دخلت البلاد في مرحلة انتقالية طويلة ومفتوحة على احتمالات شتى، طغى عليها الصراع على الشرعية وتنازع مراكز النفوذ وتعدد المرجعيات السياسية والأمنية.
ومع مرور ما يقارب العقد ونصف العقد على انطلاق الثورة، لم يتحقق المشروع الوطني المنشود، بل إن الدولة ذاتها لم تستعد حتى صورتها السابقة، رغم ما كان يشوبها من استبداد، من حيث تماسك البنية المركزية ووحدة القرار.
في هذا السياق، تبدو الذكرى الحالية لتلك الثورة محطة للتقييم والمراجعة أكثر من كونها مناسبة للاحتفاء أو الرثاء، إذ تضع الجميع، النخب والقوى والشارع، أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز منطق الغلبة والصراع الصفري، نحو إعادة بناء عقد وطني جامع يستند إلى التوافق، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كإطار جامع فوق الاعتبارات الفئوية والمناطقية.
ذكرى استثنائية
يتزامن إحياء هذه الذكرى مع ظرف استثنائي أضفى عليها بعدًا مختلفًا وزخمًا غير مسبوق، إذ فوجئ الليبيون، قبل أيام قليلة من حلولها، بمقتل سيف الإسلام القذافي في الثالث من الشهر الجاري بمدينة الزنتان غرب البلاد، في واقعة اتسمت بالغموض، حيث كان وحيدًا من دون مرافقة أو حراسة.
وقد ظل سيف الإسلام يُنظر إليه، خلال سنوات من حكم والده، باعتباره أحد الوجوه التي طرحت خطابًا إصلاحيًا من داخل النظام، قبل أن يحسم موقفه مع اندلاع الثورة بالانحياز إلى السلطة القائمة آنذاك، ما وضعه في موقع المواجهة مع الحراك الشعبي وخصوم النظام.
وفي أعقاب ذلك، وُجّهت إليه اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بالتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لتتعقد صورته سياسيًا وقانونيًا على السواء.
في المقابل، كانت ثمة شريحة في الشارع الليبي ترى في نجل القذافي شخصية قادرة على لعب دور في إعادة ترتيب المشهد، لا سيما بعد إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا عقدها في ديسمبر/كانون الأول 2021 قبل أن تُؤجّل إلى أجل غير مسمى.
غير أن مقتله، وبهذه الكيفية تحديدًا، أعاد خلط الأوراق وأربك حسابات قوى عدة، وزاد من تعقيد المشهد السياسي المتأزم أصلًا، نظرًا لما تحمله الحادثة من دلالات رمزية ورسائل سياسية تتجاوز شخصه إلى طبيعة الصراع القائم ومستقبل التوازنات داخل الدولة.
اللافت في توقيت الحادثة أنها جاءت بعد يوم واحد فقط من إعلان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، عن لقائه في العاصمة الفرنسية باريس بعدد من كبار المسؤولين من غرب ليبيا وشرقها، من بينهم مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية للأمن القومي إبراهيم الدبيبة، ونائب القائد العام للقوات في شرق البلاد الفريق صدام حفتر.
وبحسب ما أُعلن، فقد خُصصت تلك اللقاءات لبحث الجهود الليبية الرامية إلى بلورة صيغة تفضي إلى توحيد المؤسسات وتحقيق قدر من الاستقرار طويل الأمد، في إطار مقاربة تتقاطع مع أجندة السلام الأوسع التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
غير أن تزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع واقعة الاغتيال فتح الباب أمام سيل من التكهنات والتأويلات، وزاد من حدة التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، بما يعمّق من تعقيد المشهد ويضيف طبقة جديدة من الغموض إلى واقع سياسي مأزوم أصلًا.
لعنة الانقسام التي أصابت الجميع
يُعدّ الانقسام السياسي والعسكري العنوان الأبرز للأزمة الليبية، بل اللعنة التي ألقت بظلالها الثقيلة على البلاد طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، ودَفعتها إلى هذا المستنقع المركب من التشظي المؤسسي والتنازع على الشرعية.
فمنذ اندلاع الثورة، تعاقبت على إدارة شؤون البلاد تسع حكومات في الشرق والغرب، في مشهد يعكس هشاشة البنية السياسية وغياب الاستقرار التنفيذي، ومن بين هذه الحكومات، برزت تجربتان انبثقتا عن مسارات حوار سياسي قادتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هما حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج (2015–2021)، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة منذ عام 2021.
ومنذ عام 2015، دخلت ليبيا في طور صراع مفتوح بين حكومتين متنافستين، إحداهما تحظى باعتراف دولي، وهي حكومة الوحدة الوطنية ومقرها العاصمة طرابلس، وتدير منها كامل المنطقة الغربية؛ والأخرى كلّفها مجلس النواب مطلع عام 2022، ويترأسها حاليًا أسامة حماد، وتتخذ من بنغازي مقرًا لها، وتبسط نفوذها على شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب.
ورغم ذلك، شهدت البلاد محاولات جادة لإنهاء حالة التشظي والانقسام عبر الاحتكام إلى صناديق الاقتراع على أمل توحيد القرار وسلطة اتخاذه، فقد نجح المجلس الوطني الانتقالي، بدعم من الأمم المتحدة، في تنظيم انتخابات السابع من يوليو/تموز 2012، في خطوة عُدّت آنذاك مدخلًا لتوحيد المؤسسات وبناء شرعية منتخبة، غير أن تلك اللحظة لم تعمّر طويلًا، إذ سرعان ما طغت عليها حالة الانفلات الأمني وتصاعد نفوذ التشكيلات المسلحة، ما أدخل البلاد في موجة جديدة من العنف والصراع.
وتكررت المحاولة في عام 2014 بإجراء انتخابات أفرزت مجلسًا جديدًا للنواب، إلا أن المؤتمر الوطني العام رفض تسليم السلطة، في ظل تصاعد خطاب الاستقطاب بين الشرق والغرب والجنوب، لتدخل ليبيا مجددًا في دوامة انقسام سياسي ممتد لا تزال تداعياته قائمة حتى اليوم، رغم المساعي الأممية والدولية المتواصلة لرأب الصدع وتوحيد المؤسسات.
في موازاة ذلك، طُرحت مبادرات عدة تحت عنوان “المصالحة الوطنية”، سعت إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، غير أن معظم هذه المبادرات أخفق في تحقيق اختراق حقيقي، إذ انشغل بتسويات فوقية تقوم على إعادة توزيع موازين القوى بين المتنافسين على السلطة، من دون مقاربة جذرية لأصل الأزمة المتمثل في الانقسام الشعبي والمجتمعي العميق، ومن ثم فقدت تلك المسارات بوصلتها، وتبددت آمالها في إحداث تحول فعلي يعيد بناء الثقة ويؤسس لوحدة وطنية راسخة.
فوضى السلاح وعسكرة المشهد
على الرغم من الجدل الذي رافق مسألة تسليح الثورة الليبية منذ أيامها الأولى، فإن الانحراف عن أهداف الحراك ومساراته السياسية حوّل البلاد تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لاستعراض القوة بين الجماعات والفصائل المتعددة، ومع تعثر بناء مؤسسات أمنية موحدة، أصبح السلاح هو اللغة الغالبة في إدارة الخلافات بين التيارات المختلفة، ما عمّق منطق الغلبة وأضعف فرص التوافق الوطني.
وفي محاولة لاحتواء هذا المسار، سعت حكومة عبد الرحيم الكيب عام 2012، ثم حكومة علي زيدان عام 2013، إلى جمع السلاح وإخضاعه لسلطة مدنية مركزية، غير أن هاتين المحاولتين لم تُكتب لهما النجاح، وقد أتاح هذا الإخفاق لكتائب “الثوار” الاحتفاظ بنفوذها الميداني، والانخراط في العملية السياسية عبر تحالفات مع قوى حزبية كبرى، الأمر الذي أفضى إلى تداخل معقّد بين العملين السياسي والعسكري، ودفع البلاد نحو حالة من الفوضى المؤسسية والأمنية.
وسط هذه الأجواء المشحونة بالعنف والانقسام، تدخلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لإطلاق حوار بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، انتهى بتوقيع اتفاق الصخيرات في المغرب عام 2015، وقد استهدف الاتفاق آنذاك وقف دوامة العنف والحد من ظاهرة التسلح المنفلت، عبر توحيد السلطة التنفيذية تحت مظلة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.
غير أن رفض مجلس النواب للاتفاق أدخل العملية السياسية في مأزق جديد، وعزّز من واقع الانقسام الحكومي، ففي حين تمسك المشير خليفة حفتر ومجلس النواب بالسلطة في شرق البلاد، أصرّ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني على شرعيته ومارس مهامه من العاصمة طرابلس، متحالفًا مع المجلس الأعلى للدولة الذي تشكّل بموجب الاتفاق كجزء من البنية التشريعية إلى جانب مجلس النواب.
وهكذا، بدلاً من أن يشكّل اتفاق الصخيرات نقطة تحول حاسمة نحو توحيد المؤسسات وإنهاء عسكرة المشهد، تحوّل إلى محطة أخرى في مسار الانقسام، كرّست ازدواجية الشرعية وأبقت السلاح عنصرًا فاعلًا في معادلة السياسة، بما أعاق استعادة الدولة لاحتكارها المشروع للقوة وأطال أمد الأزمة الليبية.
صراع الموارد.. صفقات تحت الطاولة
يرى فريق من المراقبين أن إخفاق المبادرات السياسية المتعاقبة يعود بالأساس إلى تجاهلها جوهر الأزمة الليبية، المتمثل في ملف الاقتصاد والموارد النفطية، التي تحولت إلى مركز ثقل الصراع ومحور تنافس محموم بين مختلف التيارات والقوى المتنازعة، الساعية إلى اقتسام أكبر قدر ممكن من هذه “الثروة” بوصفها مصدر النفوذ الحقيقي.
ويذهب أنصار هذا الطرح إلى أن التعثر المزمن في إدارة موارد الدولة، ولا سيما النفطية منها، يشكل أحد الأسباب الرئيسية لانسداد الأفق السياسي، وللعجز المستمر عن تهدئة التوترات الداخلية، فالفشل في بناء منظومة وطنية شفافة وموحدة لإدارة هذا المورد الاستراتيجي أبقى الصراع مفتوحًا، وأعاد إنتاجه في صور مختلفة، باعتباره صراعًا على الموارد قبل أن يكون صراعًا على البرامج أو الرؤى السياسية.
وفي هذا السياق، طغى الخطاب الاقتصادي على لغة الحوار السياسي، ليُنتج نمطًا من التفاهمات غير المعلنة بين القوى المتصارعة، أقرب إلى صفقات ضمنية تُدار من خلف الكواليس، وقد برز ذلك في واقع تقاسم النفوذ القائم، حيث تظل حقول وموانئ النفط عمليًا تحت سيطرة قوات حفتر، في حين تبقى مؤسسة المؤسسة الوطنية للنفط خاضعة لسلطة حكومة طرابلس، بما يعكس ازدواجية القرار وتناقض مراكز التحكم في أهم شريان اقتصادي للدولة.
هذا التقاسم غير المعلن لا يضعف فقط فرص التوصل إلى تسوية شاملة، بل يكرّس الانقسام باعتباره وضعًا مربحًا لعدد من القوى المستفيدة من استمراره، ونتيجة لذلك، يتحول الانقسام من كونه أزمة عابرة يُفترض تجاوزها، إلى هدف قائم بذاته، فيما ينزاح الصراع من كونه تنافسًا سياسيًا على السلطة والشرعية، إلى صراع نفوذ واقتصاد.
التدخلات الخارجية.. المعضلة الأبرز
على الرغم من تعقيدات الداخل الليبي وتراكم أزماته البنيوية، فإن التدخلات الخارجية وما تحمله من أجندات متقاطعة تظل، في نظر كثيرين، العقدة الأثقل في مسار الأزمة، فقد أفضى ارتهان القرار الوطني لمصالح قوى إقليمية ودولية إلى تقليص هامش السيادة، وجعل من ليبيا ساحة مفتوحة لتجاذبات تتجاوز حدودها.
في مقدمة هذه القوى تبرز الولايات المتحدة وبريطانيا ثم فرنسا، التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها فرصة استراتيجية واقتصادية لا ينبغي التفريط بها، سواء من زاوية الطاقة أو الموقع الجيوسياسي في قلب المتوسط وشمال أفريقيا.
وعلى مستوى الوقائع الميدانية، يبدو المشهد وكأنه موزع وفق خرائط نفوذ غير معلنة، تتحدد تبعًا لمقاربات الحلفاء وأولوياتهم، ففي الشرق، يخضع تموضع حفتر لحسابات تتقاطع مع مصالح السعودية والإمارات ومصر، فيما يتصدر الحضور التركي المشهد في الغرب، بوصفه الفاعل الأكثر تأثيرًا في المعادلة السياسية والعسكرية هناك، أما الجنوب الشرقي، فيشهد حضورًا روسيًا، لا سيما على المستوى العسكري.
هذا التزاحم الدولي والإقليمي، وسباق النفوذ المحموم حول ليبيا، حوّل البلاد إلى مسرح لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة، ومن ثم كانت النتيجة إدامة حالة الانقسام والتشظي، وإجهاض أي مبادرة داخلية لا تنسجم مع حسابات الخارج أو تهدد مصالحه، ليبقى المسار السياسي الليبي أسير توازنات مفروضة من خارج الحدود، لتبقى البلاد عالقة في حلقة مفرغة تتجدد فيها الأزمة بأدوات مختلفة، من دون أن تلوح في الأفق نهاية واضحة لهذه الدوامة.
في المحصلة، وبعد خمسة عشر عامًا على اندلاعها، لم يتبقَّ من الثورة الليبية سوى رمزيّتها المتمثلة في العلم والنشيد، بينما تآكل مشروعها السياسي تحت وطأة الاستقطاب الحاد، والانقسام المؤسساتي، وفوضى السلاح.
وكشفت تجربة العقد الماضي عن فقدان الثورة بوصلتها الجامعة، وتحوّلت من لحظة أمل في بناء دولة مدنية حديثة إلى مسار معقّد تتنازعه الحسابات الضيقة وموازين القوى المتبدلة، وعليه تبدو الحاجة ملحّة إلى وقفة مراجعة شاملة تستلهم تجربة الآباء المؤسسين للدولة الليبية، الذين نجحوا في لحظة تاريخية فارقة في توحيد الجغرافيا والإرادة رغم قلة الإمكانات وتعقّد التحديات.
اليوم يقف الليبيون أمام مفترق طرق، فإعادة بناء الدولة تتطلب شجاعة سياسية تدفع كل طرف إلى إعادة النظر في مقارباته، وتغليب منطق التنازل المتبادل على منطق المغالبة، والقبول بالعودة خطوة إلى الوراء من أجل استعادة الوطن ككل، ليبقى السؤال: هل استوعب الفاعلون السياسيون دروس الأعوام الماضية بما يكفي للشروع في تصحيح المسار، أم أن البلاد ما تزال ماضية نحو كلفة أعلى، قد تكون أكثر فداحة، قبل أن تطوي صفحة الانقسام وتشرع فعليًا في إعادة بناء ما تبقى من الدولة؟