نادرًا ما شهد العالم تحولًا جذريًا في آليات القتل كما حدث في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (2023 – 2025)، إذ انتقل جيش الاحتلال من جمع المعلومات التقليدية إلى اعتماد خوارزميات ذكاء اصطناعي ترشح آلاف الفلسطينيين للقتل خلال ثوان.
فلم يكن هذا العدوان مجرد حملة عسكرية تقليدية تعتمد على القوة النارية المفرطة فحسب، بل مثل نقطة انعطاف جرى فيها دمج الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في صلب سلسلة القتل.
في هذا التقرير نستعرض الأنظمة الخوارزمية الإجرامية التي استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة وكيف سمحت لها بتوسيع نطاق القتل إلى مستوى إجرامي غير مسبوق.
1- نظام “لافندر” (Lavender): خوارزمية الموت
نظام “لافندر” الذي طوّرته وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 كان القلب النابض لعملية الاستهداف البشري في العدوان الأخير.
تعتمد الخوارزمية على التعلم الآلي؛ فهي تُدرب على بيانات “أشخاص معروفين” ثم تبحث عن أنماط مشابهة في سكان غزة لاستهدافهم.
يعمل النظام بمنطق احتمالي، وبناءً على درجة التشابه في الأنماط (مثل تغيير الهاتف بانتظام، تغيير العنوان، نمط الاتصالات)، يمنح كل شخص درجة من 1 إلى 100.
بحسب معلومات مسربة من داخل جيش الاحتلال، استطاع النظام في الأسابيع الأولى أن يحدّد نحو 37 ألف فلسطيني كأهداف مشروعة للاغتيال، معظمهم من العناصر الصغيرة التي لم تكن تظهر في قوائم الاستهداف التقليدية.
يشمل ذلك الآلاف من المدنيين العاملين في الحكومة أو الشرطة المدنية، أو مجرد أشخاص لديهم أنماط سلوكية مشابهة لعناصر المقاومة. ووفق شهادات وتسريبات من ضباط استخبارات إسرائيليين، فهناك هامش خطأ يصل إلى 10%.
هذه النتائج تُحوّل فورًا إلى قائمة قتل تبنتها قيادة الجيش دون مراجعة جدية أو تحقق بشري إضافي؛ لم يعد المطلوب سوى ضغطة زر، ما يفسر الاستهداف الواسع لموظفي الخدمة المدنية وعائلاتهم.
2- نظام “أين أبي؟” (Where’s Daddy?): إبادة العائلات
إذا كان “لافندر” يحدد من يجب قتله، فإن “أين أبي؟” نظام يحدد متى وأين يتم قتله، وهو يمثل قمة التوحش التكنولوجي في إنهاء الحياة.
ففي العقيدة العسكرية التقليدية، يتم استهداف المقاتلين أثناء انخراطهم بعمل عسكري أو تواجدهم في منشأة عسكرية. لكن جيش الاحتلال واجه صعوبة في تحديد مواقع مقاتلي حماس داخل الأنفاق. الحل الذي قدمته الاستخبارات كان بسيطًا ومرعبًا: “انتظارهم حتى يعودوا إلى منازلهم”.
جرى تصميم نظام “أين أبي؟” لتتبع الهواتف المحمولة للأهداف التي حددها “لافندر”. بمجرد أن يدخل الشخص المستهدف إلى منزله، يرسل النظام إشعارًا فوريًا لضابط التشغيل. الفكرة الكامنة هنا هي أن “المنزل” هو المكان الأسهل لتحديد الموقع وتدميره، بغض النظر عن وجود العائلة.

كشفت الشهادات عن عيوب تقنية قاتلة في هذا النظام. غالبًا ما يكون هناك تأخير زمني بين وصول الشخص للمنزل وتنفيذ الغارة. في حالات عديدة، قصف الاحتلال منازل بعد مغادرة المستهدف لها، مما أدى لقتل عائلته بالكامل.
أحد الضباط اعترف قائلًا: “كنا نقصف المنزل لمجرد أن النظام قال إن الهدف وصل، دون التحقق ما إذا كان لا يزال بداخله”. ولأول مرة، تم الكشف عن “تسعيرة” دموية واضحة وضعها جيش الاحتلال.
للأهداف المنخفضة الرتبة: سمح الجيش بقتل ما بين 15 إلى 20 مدنيًا كأضرار جانبية مقبولة لاغتيال شخص واحد.
للأهداف الرفيعة: رُفع السقف ليسمح بقتل مئات المدنيين مقابل هدف واحد. ومن ذلك قصف مخيم جباليا لاغتيال قائد كتيبة، ما أدى لاستشهاد وإصابة المئات.
3- نظام “الهبسورة” (The Gospel): تدمير الحياة المدنية
بينما يستهدف “لافندر” و”أين أبي؟” البشر، يركز نظام “الهبسورة” (Habsora) على الجماد. هذا النظام يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية والمعلومات الهيكلية لتوليد أهداف مبانٍ بوتيرة صناعية.
وسع “الهبسورة” مفهوم الهدف العسكري ليشمل ما يسمى “أهداف القوة”. هذه ليست مخازن سلاح أو مراكز قيادة، بل أبراج سكنية عالية، جامعات، بنوك، ومباني عامة.
الهدف المعلن من ضرب هذه الأهداف هو خلق ضغط مدني هائل على حماس عبر تدمير الطبقة الوسطى والبنية التحتية المدنية في غزة.
وصف ضابط استخبارات سابق “الهبسورة” بأنه “مصنع اغتيالات جماعية”. فالنظام قادر على إنتاج 100 هدف يوميًا، مقارنة بـ 50 هدفًا سنويًا في الأنظمة القديمة.
هذا الفائض أدى إلى حالة من “النهم الناري”، حيث أصبح جيش الاحتلال يقصف لمجرد توفر الأهداف، دون تقييم استراتيجي حقيقي لـ”القيمة العسكرية” لكل هدف.
التواطؤ التقني.. تقنيات أكثر رعبًا
لم يتوقف تطور آلة القتل عند تلك الأنظمة، فمع تواصل العدوان على غزة خلال عام 2025 واستمرار جرائم الاحتلال بالضفة الغربية، أدخلت الوحدة 8200 الاستخباراتية تقنيات جديدة أكثر رعبًا.
1- “تشات جي بي تي” العسكري
كشفت تقرير لصحيفة “الغارديان” في مارس/آذار 2025 عن تطوير الوحدة 8200 نموذج لغة كبير (LLM) شبيه بـ ChatGPT، تم تدريبه خصيصًا على كميات هائلة من البيانات النصية والصوتية الفلسطينية.
هذا النظام قادر على:
- فهم اللهجات الفلسطينية المحلية بدقة متناهية.
- تحليل سياق المحادثات لتحديد نوايا المتحدثين.
- الإجابة على استفسارات مثل: “من هم الأشخاص الذين تحدثوا بغضب عن الجيش في منطقة الخليل الأسبوع الماضي؟”.
يمثل هذا انتقالًا من “الاستهداف القائم على الهوية” (كما في لافندر) إلى “الاستهداف القائم على النوايا”، حيث يمكن اعتقال أو قتل أشخاص لمجرد تعبيرهم عن أفكار معينة، حتى قبل أن ينفذوا أي عمل.
2- دور السحابة والحوسبة
لإدارة هذه الكميات الفلكية من البيانات، اعتمد جيش الاحتلال على البنية التحتية السحابية التي وفرتها شركات أمريكية مثل جوجل وأمازون ضمن مشروع “نيمبوس”، ولاحقًا مايكروسوفت التي استضافت بيانات ضخمة للوحدة 8200.
الوثائق المسربة في 2025 – 2026 أظهرت أن مايكروسوفت وفرت بيئة سحابية معزولة (Air-gapped) لجيش الاحتلال.
وهو ما سمح بتخزين ومعالجة بيانات المراقبة الفلسطينية على خوادم شركات مدنية، مما يجعل هذه الأخيرة شريكة تقنية في البنية التحتية لجرائم الاحتلال.
معمل اختبار وعولمة للجريمة
من داخل غزة، تبدو هذه التقنيات امتدادًا لسياسة الاحتلال التي ترى في كل فلسطيني تهديدًا مشروعًا. فاستخدام لافندر و”أين الأب؟” لا يعكس ابتكارًا بريئًا، بل تسخيرًا للذكاء الاصطناعي لارتكاب إبادة منظمة.
كما يوضح تقرير لنظمة العمل ضد العنف المسلح AOAV أن الهجمات الممنهجة على المنازل بغرض قتل أفراد مشكوك في علاقتهم بالمقاومة قد تصل إلى جريمة الإبادة الجماعية.
ويؤكد خبراء في الأمم المتحدة أن هذه التقنيات تهدف إلى “إحداث صدمة” للسكان، وإجبارهم على النزوح، ما يعني أن الغاية تتجاوز العدوان العسكري إلى تدمير المجتمع الفلسطيني.
وأدانت المفوضية السامية لحقوق الإنسان استخدام الذكاء الاصطناعي في العدوان على غزة، معتبرة أن أنظمة مثل “لافندر” و”الأب” أدت إلى تدمير غير مسبوق للمنازل والبنية التحتية، وتسببت في قتل آلاف الفلسطينيين.
التقارير الأممية وصفت ما يحدث بـ “الإبادة المنزلية” و”الإبادة التقنية”، حيث تم تدمير أكثر من 80% من مباني غزة بناءً على توصيات “الهبسورة”.
ويرى الفلسطينيون أن العدوان على غزة تحول إلى معمل اختبار لتقنيات قتل تُصدر لاحقًا إلى الأنظمة القمعية حول العالم.
الصحفي الأسترالي أنتوني لوفنشتاين حذر من أن “إسرائيل” تسوق هذه الأنظمة للدول التي تثني عليها بدلًا من انتقادها. بذلك يصبح الدم الفلسطيني سلعة، وتتحول المعاناة إلى منتج تكنولوجي مربح.
وفي المحصلة، تكشف هذه الأنماط الإجرامية عن الوجه الأكثر ظلامًا للذكاء الاصطناعي؛ حيث تتحول الخوارزميات إلى أدوات لإدارة قتل جماعي وتنذر بإعلان عن ميلاد حقبة جديدة من “الحرب الخوارزمية”، يتم فيها تجريد البشر من إنسانيتهم وتحويلهم إلى “نقاط بيانات” لحصد أرواحهم.