ترجمة وتحرير: نون بوست
في يوليو/ تموز الماضي، كتبت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في غزة. وقد رفض مات بروكس، الرئيس التنفيذي للائتلاف اليهودي الجمهوري، تصريحها واصفًا إياه بأنه “غريب” و”سخيف”، لكن ستيف بانون، المستشار السابق لدونالد ترامب والمذيع المؤثر، دافع عنها. وقال بانون لصحيفة نيويورك تايمز: “مارجوري تايلور غرين تعكس فقط رأي ناخبيها”، واصفًا ناخبيها بأنهم “مسيحيون إنجيليون متشددون”.
وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، امتلأت وسائل الإعلام بتقارير عن انقسام المحافظين حول إسرائيل؛ حيث واجه منتقدو إسرائيل مثل تاكر كارلسون وميغن كيلي وبانون وغرين الصهاينة المتشددين مثل مارك ليفين وبن شابيرو، لكن ما لم يُقل غالبًا هو ما أكده بانون: أن غرين كانت “تُعبّر” عن الإنجيليين المحافظين في إدانتها لإسرائيل، ولكن أليس من المفترض أن يكونوا الركيزة الأساسية للدعم الجمهوري لإسرائيل؟
كانت هناك تغييرات خفية تجري داخل قاعدة الحزب الجمهوري من دون علم الكثيرين في واشنطن – وقد بدأت منذ وقت طويل، قبل حتى أن يبدأ المعلقون والسياسيون المحافظون هذه الجولة الأخيرة من الانتقادات – حيث أصبح الجمهوريون الشباب، بمن فيهم الإنجيليون الشباب، أكثر استياءً من دعم حزبهم غير المشروط لإسرائيل، وكانت غرين تتحدث نيابة عنهم.
وقد يؤدي ذلك الاستياء تجاه إسرائيل إلى انقسام الجمهوريين في عامي 2026 و2028 بالطريقة نفسها التي انقسم بها الديمقراطيين بسبب إسرائيل وحرب غزة بالفعل. لكن العواقب المحتملة تتجاوز السياسة الداخلية للحزب؛ فبالتوازي مع مواقف الديمقراطيين الشباب، قد يشير ذلك إلى بداية النهاية للعلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل، وهو سيناريو قد يغيّر جغرافيا السياسة في الشرق الأوسط، ويؤثر في حياة اليهود الأمريكيين، ويترك إسرائيل وحدها لتدافع عن نفسها.
في العقود الأولى من وجود إسرائيل، كان الديمقراطيون أكثر المؤيدين الأمريكيين لها. منذ تأسيس اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية (أيباك) في عام 1954 وحتى عام 1993، كان المديرون التنفيذيون الثلاثة للمنظمة من الديمقراطيين الليبراليين. لكن حماس الجمهوريين لإسرائيل بدأ ينمو خلال السبعينيات عندما أصبحت إسرائيل شريكًا أمريكيًا مهمًا في الحرب الباردة. في عام 1977، أطاح الناخبون الإسرائيليون بحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي لصالح حزب الليكود المحافظ، ومع سيطرة الليكود والأحزاب اليمينية الأخرى في نهاية المطاف على السياسة الإسرائيلية، وعندها أصبح من السهل على اليمين الأمريكي أن ينظر إلى إسرائيل كحليف.
وكان هجوم 11 سبتمبر/ أيلول لحظة مفصلية أخرى في العلاقة بين المحافظين الأمريكيين وإسرائيل؛ فقد كان كلا الحزبين في ذلك الوقت يدعمان إسرائيل أكثر من الفلسطينيين، وفقًا لاستطلاعات “غالوب“، مع تفوق الجمهوريين بنحو 10 نقاط مئوية على الديمقراطيين. وبحلول عام 2003، اتسع الفارق ليصل إلى نحو 35 نقطة.
وكانت مجموعة ديموغرافية واحدة تلعب دورًا رئيسيًا في هذا الاتجاه المتنامي؛ حيث كتب ديفيد فروم، كاتب خطابات الرئيس جورج بوش الابن، في كتابه الصادر عام 2003 بعنوان “الرجل الصالح”: “لماذا أصبح الحزب الجمهوري بهذه الدرجة من الصهيونية؟ من المؤكد أن تأثير المسيحيين الإنجيليين له علاقة كبيرة بذلك”. ففي عام 2002، انضم رالف ريد، المدير التنفيذي السابق للتحالف المسيحي، إلى الحاخام يحيئيل إكشتاين لتأسيس منظمة باسم “قفوا مع إسرائيل”. وقال ريد لصحيفة نيويورك تايمز: “لدى المسيحيين القدرة على أن يكونوا أكثر الفئات تأثيرًا على السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة”. وفي عام 2006، أعاد جون هاجي، وهو قس وأصولي من تكساس، إحياء مجموعة غير نشطة تسمى “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل”. وبعد ست سنوات، بلغ عدد أعضائها مليون شخص، لتصبح أكبر منظمة مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، استمر اتساع الفجوة بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، لتصل إلى 64 نقطة مئوية في عام 2018، ورغم أن جزءًا من هذا التباين كان ناتجًا عن تراجع التعاطف الديمقراطي – مع انتقاد التقدميين لحكومات إسرائيل اليمينية واحتلال الضفة الغربية الفلسطينية – إلا أن صعود الدعم الإنجيلي كان عاملًا رئيسيًا.
أما عن سبب تحول الإنجيليين؛ فيكتب فروم أن المستشار السياسي لبوش، كارل روف، نسب دعم الإنجيليين إلى ميلهم لرؤية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني كجزء من “الحرب على الإرهاب”. وقد اعتبر العديد من الإنجيليين إسرائيل صديقة لهم لأنها كانت عدو عدوهم: الإسلامويين المتطرفين في الشرق الأوسط.
غير أن حماستهم لم تكن مرتبطة بالجغرافيا السياسية فقط، بل كانت متصلة أيضًا بإيمانهم؛ وتحديدًا باعتناقهم لفكرة “التدبيرية السابقة للألفية”، أو عقيدة نهاية الزمان.
ويعود أصل هذا النوع من العقيدة البروتستانتية، القائمة على قراءات انتقائية للكتاب المقدس، إلى تعاليم قسيس يدعى جون نيلسون داربي في منتصف القرن التاسع عشر. ولم يحظ هذا النوع من العقيدة بتأييد كبير في أوائل ومنتصف القرن العشرين إلا بين بعض البروتستانتيين والمعمدانيين، لكنه انتشر في السبعينيات، مستلهمًا من انتصار إسرائيل غير المتوقع في حرب عام 1967، وكانت التدبيرية موضوع الكتاب غير الخيالي الأكثر مبيعًا في السبعينيات – كتاب هال ليندسي “الكوكب الأرضي العظيم المتأخر” – وروج لها بات روبرتسون من خلال برنامجه التلفزيوني “نادي 700” ومنظمته “التحالف المسيحي”.

ووفقًا للتدبيرية، قُسّم التاريخ بعد المجيء الأول للمسيح إلى مراحل، أو تدابير، تتوج بالمجيء الثاني للمسيح. وكانت إحدى المراحل الأساسية هي عودة اليهود، شعب الله المختار، إلى وطنهم في إسرائيل واستعادته. وبعد أن يقيم اليهود وطنهم بالكامل – قدّر ليندسي أن ذلك سيستغرق 40 عامًا بعد ميلاد إسرائيل – سيدخل المسيح السماء ويأخذ المؤمنين الحقيقيين في ما يُعرف بـ”الاختطاف”. ثم سيشهد العالم سبع سنوات من المحنة قبل أن يأتي المسيح إلى الأرض ويحكم ألف عام من العدل والفرح، وهكذا كان على الإنجيليين أن يدعموا إسرائيل كشرط مسبق لاختطافهم من قبل المسيح.
وأظهر استطلاع حديث للإنجيليين أجراه موتي إنباري من جامعة نورث كارولينا في بيمبروك وكيريل بومين من جامعة بوسطن مدى مركزية التدبيرية السابقة للألفية في دعم الإنجيليين لإسرائيل؛ فقد وجدوا أن الإيمان بـ “التدبيرية السابقة للألفية يزيد احتمال الدعم القوي لإسرائيل بنسبة 82.7 بالمائة”، وأن “مقارنة بالتدبيرية، فإن المعتقدات الأميليينية” – أي رفض فكرة حدوث حكم فعلي للمسيح في المستقبل – “تقلل احتمال الدعم القوي لإسرائيل بنسبة 56.2 بالمائة”.
لم يكن جميع الإنجيليين ملتزمين بالشروط الدقيقة للتدبيرية السابقة للألفية، لكن الكثير منهم كانوا يحملون، على الأقل، معتقدات لاهوتية عامة – بما في ذلك فكرة أن اليهود هم شعب الله المختار وأن الله وعد إبراهيم بأن تكون إسرائيل وطنهم – والتي لعبت دورًا حاسمًا في دعمهم للصهيونية. وأظهر استطلاع أجرته منظمة “لايفواي ريسيرش” المسيحية عام 2017 أن “السبب الأساسي” لدعم معظم الإنجيليين لإسرائيل هو ما وجدوه في الكتاب المقدس. وأعاد إنباري وبومين وم. غوردون بيرد تحليل بيانات منظمة “لايفواي” في مقال عام 2021. ووجدوا أن الإنجيليين “الذين صرّحوا بأنهم يدعمون إسرائيل لتحقيق النبوءة المتعلقة بالمجيء الثاني للمسيح ولأن اليهود هم شعب الله المختار، أكثر احتمالًا لإظهار مستويات عالية من الدعم لإسرائيل من أولئك الذين إما رفضوا أو أبدوا دعمًا ضعيفًا لهذه التصريحات”.
وبدا أن إسرائيل قد وجدت حليفًا قويًا وراسخًا وقيّمًا في الحزب الجمهوري بشكل عام، وفي الإنجيليين الأمريكيين بشكل خاص؛ ثم بدأ كل شيء فجأة في الانهيار.
وأفاد استطلاع لمركز بيو للأبحاث عام 2022 أن الجمهوريين تحت سن الخمسين كانوا أكثر ميلًا لامتلاك نظرة إيجابية تجاه إسرائيل بنسبة 63 بالمائة مقابل 35 بالمائة. وبحلول العام الماضي، أصبحوا أكثر ميلًا لامتلاك نظرة سلبية بنسبة 50 بالمائة مقابل 48 بالمائة، أي أن هناك تحولًا بمقدار 30 نقطة.
وكان الانخفاض بين الإنجيليين الشباب بنفس القدر من الدراماتيكية؛ فقد تراجع دعم إسرائيل بين الإنجيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا من 69 بالمائة في عام 2018 إلى 33.6 بالمائة في عام 2021، وفقًا لاستطلاع أشرف عليه إنباري وبومين ومجموعة بارنا، وهي مؤسسة أبحاث واستطلاعات مسيحية. وفي الصيف الماضي، وجد استطلاع للقضايا الحرجة أجرته جامعة ميريلاند أن 32 بالمائة فقط من الإنجيليين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين.
ما الذي حدث؟ جزء من القصة يتعلق بالتاريخ والذاكرة بلا شك؛ فمع تراجع ذكرى الهولوكوست، أصبح الناخبون الشباب أقل ميلًا لرؤية إسرائيل كملاذ لشعب مضطهد على الدوام، وأكثر ميلًا لرؤية الإسرائيليين كمضطهِدين بأنفسهم. كما أن الأمريكيين الشباب أقل ميلًا للشعور بأي ارتباط متبقٍ بإسرائيل من الحرب الباردة أو من حرب ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول على الإرهاب بالنسبة للناخبين الأصغر سنًا.
وأدى كل ذلك إلى جعل الجمهوريين الشباب (وكذلك الديمقراطيين الشباب) أقل ميلًا لتجاهل أو تبرير التوسع العدواني لإسرائيل في المستوطنات وسوء معاملتها للفلسطينيين في الضفة الغربية، ومؤخرًا ردها الدموي على هجوم حماس وقتلها لأكثر من 1,200 إسرائيلي في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. قد لا ينضمون إلى غرين وكارلسون في وصف رد إسرائيل بـ “الإبادة الجماعية”، لكنهم سيكونون أكثر ميلًا لرؤية قتل عشرات الآلاف من النساء والأطفال، وجعل مدن غزة غير صالحة للسكن، كرد غير أخلاقي. ففي استطلاع ميريلاند، قال 22 بالمائة فقط من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا إن أفعال إسرائيل في غزة مبررة “بموجب حق الدفاع عن النفس”، مقارنة بـ 52 بالمائة من الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 35 عامًا فأكثر؛ ورأى 36 بالمائة فقط من الإنجيليين الجمهوريين الشباب أن رد إسرائيل مبرر، مقارنة بـ 59 بالمائة من الإنجيليين الجمهوريين الأكبر سنًا.
لكن من المهم الإشارة إلى أن حالة الفتور لدى الشباب الإنجيليين سبقت حرب غزة بعدة سنوات؛ فبحسب استطلاع مجموعة “بارنا”، بدأت هذه الظاهرة ما بين عامي 2018 و2021. وربما يعود ذلك إلى أنه بحلول 2018، كان الشباب الإنجيليون، الذين ابتعدوا عقودًا عن حرب الأيام الستة التي أقنعت كثيرًا من المسيحيين آنذاك بأن المجيء الثاني وشيك، قد بدأوا بالتخلي عن لاهوت التدبيرية.
وقد أكد عدد من الخبراء على هذه الظاهرة، حيث كتب مارك تولي، رئيس معهد الدين والديمقراطية، قبل أشهر: “الإنجيليون الأصغر سنًا أقل ميلًا إلى التدبيرية المنهجية، والمعاهد اللاهوتية التي كانت تركّز عليها لم تعد تفعل ذلك. شخصيًا، نادرًا ما ألتقي بمدبّريين تحت سن الخمسين”. وفي مقال بمجلة “ميدل إيست كوارترلي” في ديسمبر/ كانون الأول، أوضح آرون ديفيد فروه أن الشباب الإنجيليين “يتجهون نحو بدائل مثل الأميليانية… أو ما بعد الألفية، التي ترى أن المجيء الثاني للمسيح سيحدث بعد أن تكون الكنيسة قد بشّرت العالم بأسره”. وأشار أندرو فويغت في “كريستيانتي توداي” عام 2024 إلى أن بعض الإنجيليين ينضمون إلى الكنيسة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية الشرقية، وكلاهما يتبنى الرؤية الأميليانية.
وكشف استطلاع واسع شمل أكثر من ألف إنجيلي العام الماضي – أجرته شركتا “إنفينيتي كونسبتس” و”غراي ماتر للبحوث والاستشارات” اللتان تعملان غالبًا مع جماعات مسيحية – أن 29 بالمئة فقط من الإنجيليين تحت سن 35 يعتقدون أن اليهود هم شعب الله المختار. أما في الفئات العمرية الأخرى، فقد بلغت النسبة 50 بالمئة أو أكثر. ووفقًا للاستطلاع، فإن الشباب الإنجيليين أكثر ميلًا من الأكبر سنًا إلى “الانجذاب نحو لاهوت الاستبدال”، أو القول “إنه لا يوجد شعب مختار”، أو أنهم “لا يعرفون ماذا يعتقدون”.
ويُقصد بـ”لاهوت الاستبدال” أو “التفوّق” الاعتقاد بأن المسيحيين، مع المجيء الأول للمسيح، قد حلّوا محل اليهود كشعب الله المختار، وهو اعتقاد لا يمنح دولة إسرائيل أي أهمية خاصة.
وأحد أبرز القساوسة الإنجيليين الذين تبنّوا لاهوت الاستبدال هو آندي ستانلي من “نورث بوينت مينستريز” في ولاية جورجيا، وهي شبكة تضم ثماني كنائس ويبلغ عدد أتباعها نحو 50 ألف شخص. وكان ستانلي، الذي ألّف أكثر من 20 كتابًا وله قاعدة جماهيرية واسعة على مستوى الولايات المتحدة، قد دعا أتباعه إلى “فك الارتباط” عن العهد القديم وعن الرؤية اليهودية للعالم. وتوجد كنيسته الرئيسية في مدينة ألفاريتا، بالقرب من الدائرة الانتخابية السابقة لمارجوري تايلور غرين، حيث كان مقر شركة البناء العائلية لغرين، وقد تم تعميد في كنيسة ستانلي عام 2011.
أما الإنجيليون الذين يرفضون التدبيرية، فقد يعتبرون الصهيونية المسيحية بدعة، حيث يتخذون موقفًا عدائيًا تجاه إسرائيل وحتى تجاه اليهودية. وكتب مارك تولي أن “بعض المسيحيين الأمريكيين، في عصر ما بعد التدبيرية، أصبحوا الآن عرضة أو يسقطون بالفعل في بئر مظلم من الهوس بإسرائيل وباليهود تبعًا لذلك”. في المقابل، يتبنّى إنجيليون آخرون رؤية أميليانية مباشرة – وهي الرؤية التي يتبناها كثير من الكاثوليك الأمريكيين – فيتعاملون مع إسرائيل كما يتعاملون مع أي دولة أجنبية أخرى، ويجدونها غير مرضية.
ومن الواضح أن الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها في الولايات المتحدة يشعرون بالقلق من تراجع دعم الشباب الإنجيليين؛ فقد خصّصت وزارة الخارجية الإسرائيلية ملايين الدولارات لتحسين صورتها لدى هذه الفئة، وانضمت مجموعتان من الصهاينة المسيحيين – أصدقاء صهيون ومشروع التجديد الأمريكي – إلى هذا الجهد.
ولدى إسرائيل ما يدعوها للقلق؛ فهي فقدت بالفعل جيلًا من الديمقراطيين الشباب، والآن يتكرر الأمر مع الجمهوريين الشباب. ومن دون دعم شعبي، ستضطر إسرائيل ومؤيدو سياساتها في الولايات المتحدة إلى الاعتماد على نفوذ جماعات مثل “إيباك” و”رابطة مكافحة التشهير”، إضافة إلى المؤيدين لإسرائيل من الأثرياء اليهود مثل بيل أَكمان، ومريم أدلسون، ولاري إليسون. ويبدو أن دعم ترامب نفسه لإسرائيل تأثر بشكل كبير بالمانحين المؤيدين لها وبصهره جاريد كوشنر، الذي تبرعت مؤسسته العائلية للمستوطنات في الضفة الغربية.
غير أن هذا الوضع على الأرجح غير قابل للاستمرار، وقد تكون له آثار جانبية خطيرة. فصورة اليهود الأثرياء ومنظماتهم وهم يقاتلون للحفاظ على العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل، في مواجهة تيار شعبي معاكس، قد تعزز ليس فقط العداء لإسرائيل بل أيضًا معاداة السامية، المرتبطة جزئيًا بمعتقدات قديمة حول “النفوذ غير المشروع لليهود”، وهي بالفعل في تصاعد لدى اليمين واليسار. فقد أظهر استطلاع واسع أجرته جامعة ييل في الخريف الماضي أن 43 بالمئة من الشباب بين 18 و22 عامًا، و39 بالمئة من الفئة بين 23 و29 عامًا، يعتنقون واحدًا على الأقل من ثلاثة معتقدات تُعتبر عادة معادية للسامية، مثل القول إن “اليهود في الولايات المتحدة يملكون نفوذًا مفرطًا”. كما أن 45 بالمئة من المحافظين البيض بين 18 و34 عامًا يعتنقون أحد هذه المعتقدات.
وبدأت الانقسامات حول إسرائيل تظهر بالفعل في السياسة الانتخابية للجمهوريين؛ ففي فلوريدا، تعهّد المرشح الجمهوري لمنصب حاكم الولاية جيمس فيشباك برفض التبرعات من “إيباك” وبسحب 385 مليون دولار من أموال ولاية فلوريدا المستثمرة في السندات الإسرائيلية. وفي كنتاكي الشرقية، يدعم مانحون مؤيدون لإسرائيل منافسًا ضد النائب الجمهوري الحالي توماس ماسي، الذي عارض التمويل العسكري لإسرائيل. وعند تأييده لمنافس ماسي، وصف ترامب النائب بأنه “كاره لإسرائيل”.
وبالنظر إلى انتخابات 2028، يشك بعض الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل في التزام نائب الرئيس جي دي فانس تجاه إسرائيل، بينما لم يترك منافساه المحتملان ماركو روبيو وتيد كروز أي شك في مواقفهما المؤيدة لها. ومن بين الانتقادات الموجهة لفانس أنه حين زار إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الماضي، لم يقم بالزيارة التقليدية لحائط البراق، بل قصد كنيسة القيامة في القدس، وهي موقع مقدس يرتاده المسيحيون؛ أما روبيو فقد زار الحائط قبل ذلك بشهر. كما يُعرف عن فانس أنه أكثر معارضة من روبيو وكروز للتدخل في حروب خارجية لا تخدم مباشرة المصالح الوطنية الأمريكية.
لقد أصبح الصراع حول خليفة ترامب متشابكًا مع الحرب الإعلامية على منصات التواصل بين المعلّقين المحافظين؛ فقد ربط مؤيدو إسرائيل فانس بتاكر كارلسون وموقفه العدائي تجاه إسرائيل. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، هاجم مارك ليفين من قناة فوكس أعضاء فريق فانس وكارلسون بسبب انتقادهم لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكتب على منصة “إكس”: “مكتب نائب الرئيس هو مركز تاكر”. في المقابل، هاجم كارلسون كروز في برنامجه بسبب تلقيه دعمًا من “إيباك” وبسبب دعمه المتشدد لإسرائيل.
بالطبع، يمكن أن يتغير الكثير في غضون عامين، خاصة مع وجود ترامب في المكتب البيضاوي. وإذا كان ترامب، بمساعدة كوشنر ومبعوث الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، لديه استراتيجية شاملة في الشرق الأوسط، فإنها ستكون على النحو التالي: مساعدة إسرائيل في شل إيران، خصمها الرئيسي في المنطقة؛ وعدم الاعتراض على تهميش الإسرائيليين للفلسطينيين أو طردهم من الضفة الغربية وغزة؛ وتوسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل دول الخليج؛ ووصف المعارضين الأمريكيين لهذه الاستراتيجية بأنهم “كارهون لإسرائيل” أو “معادون للسامية”.
وإذا نجح هذا المسعى بحلول 2028، فقد لا تحتاج إسرائيل إلى الكثير من المساعدة الأمريكية لاحقًا. عندها، قد لا يهم كثيرًا ما يعتقده الشباب الإنجيليون. لكن الصراعات في الشرق الأوسط الممتدة لأكثر من قرن من الزمن لن تبقى مكبوتة إلى الأبد. وعندما تندلع مجددًا المواجهات بين الإسرائيليين والفلسطينيين – أو بين إسرائيل وأي من جيرانها – ستجد أي إدارة أمريكية ترغب في دعم الدولة العبرية بالسلاح والوزن السياسي صعوبة في إقناع قاعدتها الشعبية. وقد كان واضحًا منذ فترة أن هذا ينطبق على أي رئيس ديمقراطي مستقبلي في البيت الأبيض. والآن، بفضل جيل جديد من المحافظين، يبدو أنه ينطبق أيضًا على أي رئيس جمهوري قادم.
المصدر: نوتس