ما إن انسحبت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من الجزيرة السورية، حتى بدأت تتكشف الكوارث الإنسانية التي كانت تعاني منها المنطقة تحت سيطرة هذا التنظيم.
ورغم أن منظمات دولية عدة وثّقت انتهاكاتها على مدى السنوات الماضية، إلا أن الواقع بدا أشد قسوةً مما ورد في التقارير وكتبته الصحف، إذ نقلت الكاميرات لأول مرة مقاطع مصورة جوية تُظهر حجم الخراب الذي حلّ بالمدن السورية التي حكمتها “قسد”، وتكلم سكانها للمرة الأولى أمام عدسات الكاميرا دون خوف من آلة القمع القسدية عن سنوات القهر والظلم والاضطهاد الذي قبعوا تحته.
ولطالما اتخذت الانتهاكات التي مارستها “قسد” بحق المنطقة طابعًا منهجيًا، فبينما صوّرت نفسها كراعية للديمقراطية أمام العالم، أتت على كل ما له علاقة بها على أرض الواقع؛ نهبت الثروات، وأفقرت أهلها، وخطفت الأطفال وجندتهم بعدما فرضت أيديولوجيتها، وجعلت ممن يعترض عليها سجينًا معذّبًا في أحد أقبية سجونها، فيما استغلت نساء المنطقة كواجهة للترويج لتمكين المرأة.
بنية تحتية معدومة
كان أكثر ما لفت انتباه من دخل مناطق سيطرة “قسد” بعد استعادتها من قبل الدولة السورية هو التدهور الكبير في ملف الخدمات، في مشهد يعكس حجم الإخفاق الإداري الذي شهدته المنطقة خلال سنوات الإدارة الذاتية.
تخيّل مثلًا أن أهالي الحسكة، يضطرون إلى نقل مياه الشرب عبر الدواب، فيما يعتمد سكان الرقة على مياه نهر الفرات رغم تلوثّه، في ظل غياب بدائل آمنة ومستقرة.
ويحاول مازن الحاج، وهو مواطن يقيم في الرقة، نقل صورة الواقع الخدمي في مدينته خلال حديثه لـ”نون بوست”، فيقول: “عندما أتينا إلى الرقة بعد تحريرها من داعش كانت مدينة منكوبة ومدمرة بالكامل، لا جسور ولا أبنية ولا حتى صرف صحي”.
ويضيف الحاج أن الأهالي اضطروا، خلال سنوات سيطرة “قسد”، إلى ترميم منازلهم وإعادة بنائها بجهود فردية، وبمساعدة مبادرات أهلية وجمعيات خيرية محلية، في ظل غياب دور فعّال للجهات المسؤولة عن إدارة المنطقة.
ولا يختلف الحال في دير الزور، حيث يؤكد عبد الكريم العطية، العامل في منظمة الأمل، لـ”نون بوست”، أن الخدمات الأساسية في قرية الباغوز شبه معدومة، مشيرًا إلى أن مطالب الأهالي بتوصيل خطوط خدمية لتشغيل مصافي المياه والجمعيات الفلاحية والمراكز الصحية لم تلقَ استجابة تُذكر.
ويذهب العطية إلى أن هذا الإهمال لم يكن عابرًا، بل يعكس، برأيه، توجّهًا متعمّدًا من قبل الإدارة الذاتية، موضحًا أن سيارات إسعاف كان التحالف الدولي قد قدمها لبعض المراكز الصحية جرى الاستيلاء عليها من قبل الإدارة.
افتتاح جسر مؤقت يربط بين قريتي مراط والمريعية على نهر الفرات في دير الزور. pic.twitter.com/QbdLWPMJVP
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 17, 2026
وفي السياق ذاته، وثّق مركز الحوار السوري تدهور البنية التحتية في شمال شرقي سوريا، في تقرير رصد المشكلات التي عانى منها السكان تحت إدارة الإدارة الذاتية، مشيرًا إلى أن عدد المحرومين من المياه في المحافظات الشرقية تجاوز 400 ألف شخص، نتيجة توقف ضخ الكهرباء من سد تشرين إلى محطة مياه علوك، إلى جانب تهالك محطات المياه وأسباب تشغيلية أخرى.
أما قطاع الكهرباء، فقد شهد انقطاعات طويلة ومتكررة، تعود إلى ضعف البنية التحتية واستمرار المعارك التي استُهدفت خلالها محطات التغذية الرئيسية، مثل سد تشرين، ما أدى إلى حرمان أحياء ومناطق كاملة من التيار الكهربائي لفترات ممتدة.
وفي نهج يكشف إصرارها على تضييق الحلول على المواطنين وتعميق معاناتهم، فقد قللت “قسد” الدعم على المازوت الممنوح لأصحاب خزانات المياه ورفعت أسعاره، ما أثّر مباشرة على أسعار المياه والكهرباء.
وفرضت “الإدارة الذاتية” (الكيان المدني الذي يدير مناطق سيطرة قسد) ضرائب نظافة باهظة على المواطنين رغم غياب أدنى مقومات النظافة وتردي خدمات البلديات التي تقودها وعدم تخصيص ميزانيات كافية لهذه المؤسسات.
اقتصاد المنطقة: ثروات منهوبة
لم تكن “قسد” تفتقر إلى الموارد اللازمة لتوفير مقومات الحياة لسكان الجزيرة السورية؛ فهذه المنطقة لطالما لُقّبت بـ”سلة غذاء سوريا”، كما أنها تضم ما يقارب 90% من موارد النفط والغاز في البلاد، فضلًا عن احتضانها أكبر نهرين في سوريا وروافدهما، دجلة والفرات.
ورغم هذه المقومات، سخّرت الإدارة الذاتية خيرات المنطقة، وفق منتقديها، لمراكمة نفوذها وثرواتها بدل تحسين الواقع المعيشي للأهالي، الذين عانوا أصلًا من الإهمال خلال عهد الأسدين، ما فاقم من كارثية أوضاعهم الاقتصادية والخدمية.
وفي هذا السياق، يعلّق العطية مؤكدًا أن الحصص المخصصة للأراضي الزراعية من المشتقات النفطية لا تغطي حتى نصف احتياجات الموسم الزراعي، فضلًا عن أنها لا تتناسب مع نوعية الوقود الذي تستخدمه الجمعيات الفلاحية، ما يضطر المزارعين إلى استبدالها بمواد أفضل على نفقتهم الخاصة. وقد أسهم ذلك، بحسب قوله، في تراجع الإنتاجية وتحول مساحات واسعة من الأراضي إلى أراضٍ قاحلة.
أما حصص المازوت المقدمة للأهالي خلال فصل الشتاء، فيشير إلى أنها قليلة جدًا، إضافة إلى رداءة جودتها وعدم صلاحيتها للتدفئة بكفاءة، ما يزيد من قسوة الشتاء على السكان ويدفع بعضهم إلى اللجوء إلى وسائل بديلة غير آمنة صحيًا وبيئيًا.
ولا يقتصر الجدل على ملف الخدمات، إذ تشير تقارير إلى إشكاليات تتعلق بقطاع النفط، فقد أفادت شركة Gulfsands Petroleum البريطانية بأن أصولها في المربع 26 شمال شرقي سوريا أُعيد تشغيلها عام 2017 دون موافقتها، بمتوسط إنتاج يقل قليلًا عن 20 ألف برميل نفط مكافئ يوميًا، ما أدى إلى خسائر تتجاوز 3 مليارات دولار.
وعبّرت الشركة عن أسفها بسبب عدم انتفاع الشعب السوري من هذه الموارد كونها تستخدم في التجارة غير القانونية في السوق السوداء، بعيدًا عن التنظيم والرقابة، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وارتفاع احتمالات الفساد، محذرة من أن هذه الممارسات تؤدي إلى عمليات استخراج غير آمنة وغير خاضعة للرقابة، وتتسبب بأضرار بيئية جسيمة، لها آثار كارثية على صحة المجتمعات المحلية.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير بعنوان “الاقتصاد السياسي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” أعدّه الباحث الاقتصادي سنان حتاحت، التناقض بين نظرية الاقتصاد التي تروج لها “قسد” والتطبيق، حيث تدعي الإدارة الذاتية تبني اللامركزية و”الاقتصاد الاجتماعي” القائم على التعاونيات، لكن الواقع يشير إلى سيطرة مركزية قوية من قبل لجان ومكاتب تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) على القطاعات الحيوية.
ويشير التقرير للآليات التي كانت تتبعها الإدارة الذاتية لإحكام سيطرتها على الموارد الاقتصادية للمنطقة، ومن أبرزها:
- التحكم المباشر في قطاع الطاقة: من خلال سيطرتها على كافة حقول النفط والغاز في الحسكة ودير الزور وتعتمد في إدارتها لهذا القطاع على السرية التامة والتكتم الشديد بشأن حجم الإنتاج الفعلي وجهات البيع وعائداته، مما يجعل من الصعب تتبع ميزانيتها، كما تتدخل في السوق المحلية عبر منع المصافي المحلية من بيع منتجاتها لأي جهة أخرى، وتزويد المصافي الملتزمة بتعليماتها فقط بالخام للتحكم في الأسعار.
- المنظومة الضريبية والجمركية: عبر فرض ضرائب ورسومًا على معظم المهن والأعمال، بدءًا من الباعة المتجولين وصولًا إلى الشركات الكبرى، وتتضمن هذه المنظومة ضريبة دخل تصاعدية بالإضافة إلى رسوم جمركية في المعابر الحدودية والداخلية.
- الاحتكارات ونظام المحسوبية: يتمتع رجال أعمال ومحاسيب مرتبطين بمسؤولين نافذين في حزب الاتحاد الديمقراطي بمزايا حصرية واحتكارات في التجارة الخارجية (مثل استيراد السكر والوقود ومواد البناء)، ويحصلون على حماية وتسهيلات تمويلية عبر مكاتب الحوالة، مما يرفع التكاليف على التجار المستقلين ويخلق حالة من الندرة في السوق.
- إدارة الموارد الزراعية والعقارية: تتحكم الإدارة في أسعار المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير، وتدير مساحات واسعة من الأراضي، وفي القطاع العقاري، تسيطر على منح التراخيص وتجمع ضرائب الأراضي حصريًا.
قبضة فكرية
لم يكن الاقتصاد وحده في قبضة سلطة “قسد”، بل حرية التعبير والتفكير أيضًا كانت مقيدة بسلاسل تُعرّض من يكسرها لخطر الاعتقال أو الاختفاء في سجونها، ما جعل سكان المنطقة يعيشون في حالة خوف وتوجس دائم ودفع إلى تبني أفكار لا ترضاها قلوبهم ولا تقنع بها عقولهم.
ولعل أكثر ما يختصر هذه الحالة كلمات عبّر عنها رجل سوري بدموع الفرح، أثناء احتفاله بسيطرة الدولة السورية على منطقته دير حافر شرقي حلب وخروج قسد منها، شارحًا ما يعنيه أن تكون مواطن في عهد “قسد”، عندما قال: “تشعر بالاختناق لا تستطيع أن تعبر ولا أن تتكلم، تحس بأنك لست بشرًا ولا على قيد الحياة”، مؤكدًا أنه للمرة الأولى ينزل إلى الميادين للاحتفال بحدث ما.
العطية عايش الواقع ذاته في الباغوز، حيث تحاول “قسد” فرض خطابها وأيديولجيتها المستمدة من حزب العمال الكردستاني، فيقول: كان كلامهم في كل اجتماع وكل مسيرة عن فكر قائد ميليشيات قسد عبدالله أوجلان وعن تحرر المرأة ضمن خطاب تعبوي يرتبط بفكر أوجلان، ويجري تسويقه باعتباره النموذج الوحيد المقبول، أما من يبقى على الحياد فيكون مصيره الفصل، ويجد نفسه خارج المعادلة، سواء على مستوى العمل المؤسساتي أو النشاط العام.
وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح في زيارة إلى مخيم الهول شرق الحسكة. pic.twitter.com/00foP8csU0
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 17, 2026
ومن يرفض اتباعها أو يعارض فكرها يكون مصيره السجن والتهمة جاهزة وهي الانتماء لتنظيم “داعش” وفقًا لعطية.
وتؤكد أم عبد الله (رفضت ذكر اسمها الصريح لأسباب أمنية)، أنها فُصلت من وظيفتها كمعلمة في إحدى المدارس لمجرد رفضها كتابة قصة تروج للأفكار التي تسعى قسد زرعها في الجيل الناشئ، وتشير إلى أن بعض النساء اضطروا لتجاوز معتقداتهم والقبول بهذه الأفكار خوفًا من عواقب الرفض.
وكانت قسد تنظم مسيرات إجبارية بشكل شبه دائم في مناطق سيطرتها للمطالبة بالإفراج عن زعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان”، المعتقل في تركيا منذ عام 1999، والذي تعده زعيمها الروحي، وتتوعد من يتخلف عن المشاركة بالحرمان من الخبز والمحروقات أو الفصل من الوظائف.
ووثق تقرير لمنظمة العفو الدولية بعنوان “ظلم وتعذيب وموت أثناء الاحتجاز في شمال شرق سوريا”، انتهاكات جسيمة ارتكبتها “قسد” بحق معارضيها والنشطاء لتوطيد سلطتها، تشمل هذه الفظائع الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري للمعارضين، والتعذيب الوحشي بالصعق والضرب لانتزاع اعترافات قسرية، فضلًا عن احتجازهم تحت ظروف غير إنسانية أدت إلى وفيات جماعية داخل السجون، مع أدلة على مقابر جماعية.
كما وثقت المنظمة عنفًا جنسيًا ممنهجًا بحق المعتقلين بجانب محاكمات جائرة تعتمد على أدلة منتزعة تحت التعذيب وتفتقر للعدالة.
الأطفال في واجهة الانتهاكات
انتهاكات “قسد” لم تقتصر على البالغين بل استهدفت بشكل رئيسي الأطفال في تجاوز واضح للمحظورات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، فهي تعد من أبرز الأطراف التي اتخذت من تجنيد الأطفال حالة تنظيمية متكررة، كما زجت في سجونها عشرات الأطفال واحتجزتهم لفترات طويلة ضمن ظروف غير إنسانية.
وفي هذا السياق، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قرابة 623 حالة تجنيد لأطفال على يد “قسد” والمنظمات التابعة لها منذ عام 2011 حتى عام 2023، مع استمرار توثيق عشرات الحالات في السنوات التي تليها وحتى بعد توقيعها اتفاقية دمج مع الحكومة السورية.
وتعد منظمة “الشبيبة الثورية” المرتبطة بـ”قسد” والتابعة لمركزية قرار “حزب العمال الكردستاني”، الذراع الأساسي المسؤول عن عمليات تجنيد الأطفال سواء عبر ما يعرف بـ” الاستدراج الناعم” والمتمثل باستراتيجية ومنهجية قائمة أولًا على اختيار الأطفال بحسب ذكائهم واهتماماتهم، والتقرب منهم في المدرسة أو الشارع من خلال أطفال منتسبين للحركة، ثم دعوتهم إلى “الأكاديميات” التابعة للحركة، لحضور محاضرات ودورات تثقيفية عن أفكار حزب العمال الكردستاني، ونقلهم بعد ذلك إلى معسكرات التجنيد.
أو عبر عمليات الاختطاف من الشوارع، أو الحدائق، أو حتى من المدارس، حيث يتم نقل الأطفال إلى معسكرات تدريب مغلقة دون علم عائلاتهم الذين يُحرمون من أطفالهم بل وترفض مكاتب “الإدارة الذاتية” غالبًا تسجيل شكاويهم ضد “الشبيبة الثورية” أو تزويدهم بمعلومات عن مكان أطفالهم.
وأكد تقرير بعثة تقصي الحقائق الدنماركية أن منظمة”الشبيبة الثورية” تستغل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والنزاعات الأسرية في شمال شرقي سوريا لاستدراج اليافعين وتجنيدهم، مشيرًا إلى أن أنشطتها تقوم على تعبئة أيديولوجية ترمي إلى قطع صلة الأطفال بعائلاتهم وإحلال الولاء للمنظمة مكانه، مع تركيز خاص على تجنيد القاصرين في مخيمات النازحين وبين الفئات التي تفتقد للحماية الاجتماعية.
عرض هذا المنشور على Instagram
وكانت تستهدف الشبيبة الثورية بشكل خاص أطفال مخيمي “الهول” و”روج” – اللذين يضمان عائلات مقاتلي تنظيم “داعش” وآلاف من النازحين السوريين الذين احتجزتهم فيه “قسد” زورًا- حيث تنتزع الفتيان الأجانب قسريًا عن أمهاتهم بمجرد وصولهم لسن المراهقة، والتي تُحدد غالبًا بين 11 و12 عامًا بحجة أن الهدف هو “إعادة تأهيلهم” وحمايتهم من البيئة المتطرفة في المخيم، لكن منظمات حقوقية تؤكد أن هذه العمليات كانت تتم دون مراجعة قضائية.
ويُنقل هؤلاء الأطفال إلى مراكز احتجاز مغلقة أو ما يُسمى “مراكز إعادة التأهيل” (مثل مركزي “حوري” و”أوركش”)، حيث يُحرمون من التواصل المنتظم مع عائلاتهم، ويجرون تغييرات على أسماء الأطفال الحقيقية بأسماء حركية، ويُمنعون من تذكر ماضيهم أو عائلاتهم لضمان ولائهم التام للتنظيم.
ولم تنحصر انتهاكات “قسد” بحق الأطفال بالتجنيد القسري، إذ كانت تحتجز 29 ألف طفل في مخيمي الهول وروج، وهو ما يمثل أعلى تركيز للأطفال المحرومين تعسفيًا من حريتهم في العالم، ويعيش هؤلاء الأطفال في ظروف معيشية قاسية تفتقر للأمان والخدمات الأساسية، حيث وثقت تقارير وفيات لأطفال غرقًا في حفر الصرف الصحي المكشوفة، كما حرمت فئة كبيرة من الأطفال الأجانب من مرافقة أمهاتهم لتلقي الرعاية الطبية خارج المخيمات.
فيما كانت قد كشفت منظمة العفو الدولية، احتجاز “قسد” نحو ألف فتى وشاب اُعتقلوا وهم أطفال وترتكب بحقهم جريمة التعذيب الممنهج لانتزاع اعترافات قسرية، بما يشمل أساليب الضرب بالأنابيب والكابلات، والصعق بالكهرباء، والشبح، ووثقت المنظمة وضع بعض المراهقين في زنازين انفرادية مظلمة وباردة لمدة وصلت إلى 18 يومًا دون تواصل مع أحد، ما يجعل “قسد” موغلة في دماء أطفال أبرياء وتاركة ندوبًا نفسية في جيل كامل.
المرأة كأداة دعائية لكسب الرضى الغربي
لم تسلم النساء بدورهن من ممارسات “قسد” غير الإنسانية التي سخرت قضية تحررهن لخدمة أجندتها وتعزيز سلطتها وسط تناقضات بين ما روّجت له من دعم وتمكين للمرأة وبين انتهاكات طالت صميم حقوقهن الأساسية بالعيش والكرامة.
إذ عملت “قسد” على الترويج إعلاميًا وبشكل مكثف لصورة “المقاتلة الكردية من أجل الحرية” لأغراض عسكرية وسياسية، ولوحظ أن وتيرتها كانت تزداد بشكل حاد عندما تواجه خطر فقدان السيطرة على منطقة ما، فجندت في صفوفها ما يقدّر بـ 24 ألف امرأة، عدا عن تجنيد قاصرات بعد اختطافهن من عائلتهن، ويُعد عام 2013 نقطة التحول الرئيسية في هذا الملف؛ حيث أسست “وحدات حماية المرأة” (YPJ) كجناح عسكري نسائي بالكامل ومنفصل تنظيميًا عن وحدات الرجال.
وهدفت بحملتها الدعائية بشكل رئيسي لكسب الشرعية والتعاطف والدعم المادي من الغرب، إذ سعت الماكنة الإعلامية التابعة لـ”قسد” إلى تصوير المقاتلات الكرديات ليس فقط كمدافعات عن الأرض، بل كـ”رمز للحرية لجميع نساء العالم”، واستهدفت بهذه الرسائل القيم الغربية حول حقوق المرأة والمساواة الجندرية، مما ساعد في تقديم “قسد” كقوة ديمقراطية وعلمانية فريدة في منطقة تسيطر عليها أيديولوجيات قمعية.
وقد أدى هذا الخطاب إلى تدفق صور هؤلاء المقاتلات في وسائل الإعلام الغربية، وهو ما ساهم في “إضفاء الطابع الإنساني” على “نضالهم” المسلح وشرعنته دوليًا.
كما ربطت في دعايتها بين صورة “المقاتلة” وصورة “الضحية” باستخدام خطاب مزدوج يجمع بين قوة المقاتلة ومظلومية المرأة كضحية لتنظيم “داعش”، وروجت لوحدات حماية المرأة كقوة وحيدة قادرة على إنقاذ آلاف النساء من “الهمجية الذكورية” للتنظيم.
ولضمان الوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور الغربي وصناع القرار، اعتمدت “قسد” على نشر بياناتها عبر وكالات إخبارية موالية تنشر باللغة الإنجليزية مثل وكالة أنباء فرات ANF، بهدف تنمية الشرعية الدولية.
عرض هذا المنشور على Instagram
لكن تبرز تناقضات خطاب قسد الإيديولوجي المتعلق بتحرير المرأة بشكل جلي على الميدان، فلم تنجح حملات البروباغندا الدولية أن تمحي سجلها الممتلئ بالانتهاكات وإن صدّق الغرب أكاذيبها.
فبينما يروج الخطاب الرسمي للمساواة بين جميع النساء، إلا أن الواقع التنظيمي أدى إلى تمكين المرأة الكردية الموالية لأيديولوجية “حزب العمال الكردستاني” مقابل تقييد وتهميش المرأة العربية، فيما اُستخدمت آليات قمعية ضد النساء اللواتي عارضن سياسة “قسد” وشمل ذلك الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري للناشطات المعارضات.
ورغم أن و”حدات حماية المرأة” تُقدم نفسها كحامية للمرأة إلا أنها ارتكبت انتهاكات حقوقية جسيمة بحق النساء، إذ وثقت تقارير حقوقية وقوع حالات من العنف الجنسي والتحرش ارتكبها أعضاء في القوات التابعة لـ “قسد” داخل مراكز الاحتجاز، كما سُجلت حالات استُخدمت فيها النساء كرهائن أو أدوات ابتزاز للضغط على أقاربهن المطلوبين لتسليم أنفسهم.
بالنسبة لكثيرين، تبدو ممارسات “قسد” فصلًا من الماضي، لكن تداعياتها لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان وفي الأسئلة المفتوحة حول العدالة والمحاسبة، ومع الحديث عن إعادة دمج بعض عناصرها ضمن مؤسسات الدولة، تبرز مسؤولية السلطات السورية في ضمان عدم إفلات أي متورط في انتهاكات من المساءلة، إذ إن الجرائم لا تسقط بالتقادم.