القصر الكبير، مدينة أعادتها الفيضانات التي شهدتها مؤخرًا إلى الواجهة، فهي تقع شمال غرب المغرب على ضفاف وادي اللوكوس، وقد شكّل موقعها الاستراتيجي منذ العصور القديمة نقطة جذب للحضارات المختلفة؛ من الفينيقيين والرومان الذين أسسوا مستوطنات ومراكز تجارية، إلى المسلمين الذين حوّلوها إلى مركز حضاري منذ القرن الثامن الميلادي، مرورًا بالعهدين الموحدي والمريني حيث ازدهرت التجارة والزراعة.
هذه الخلفية التاريخية جعلت المدينة شاهدة على تعاقب أحداث كبرى؛ فقد عرفت فترات من الرخاء الاقتصادي، وأخرى من النزاعات والحروب، أبرزها معركة وادي المخازن، إضافة إلى كوارث طبيعية مثل الفيضانات المتكررة التي شكّلت تحديًا مستمرًا لسكانها عبر القرون.
الموقع الجغرافي والتطور التاريخي
تُعد مدينة القصر الكبير من بين أقدم المراكز الحضرية في شمال المغرب، ويكشف تاريخها القديم والمواقع الأثرية المحيطة بها عن حضور فينيقي بدأ منذ الألفية الأولى قبل الميلاد، عندما أسس الفينيقيون أولى المستعمرات في المنطقة بفضل وفرة المياه ومسارات التجارة الممتدة عبر الساحل الأطلسي.
خلال القرون التالية، تابع الرومان وخلفاؤهم الاستقرار في المكان، وأطلقوا على المنطقة اسم “أوبيدوم نوفوم”، بمعنى “الحصن الجديد”، في إشارة إلى وظيفتها الدفاعية ضمن شبكة مواقع أُنشئت لتأمين الطريق البرّي الذي كان يصل بين مدينتي طنجة ووليلي ومراكز داخلية أخرى.
وكان هذا الطريق يمثل شريانًا حيويًا للإدارة الرومانية، سواء لنقلِ الجنود أو لضمان انسياب المبادلات التجارية، لذلك أقيمت على امتداده قواعد عسكرية لحماية القوافل من هجمات القبائل الجبلية التي قاومت الوجود الروماني في المنطقة.

ومع تراجع الإمبراطورية الرومانية في القرون اللاحقة وتفكك بنيتها الإدارية، يقول الباحث وليد موحن في سياق مقاربته “التاريخية والآنية لمدينة القصر الكبير بين الحاضر والماضي”، أن هذا الحصن اختفت أخباره تدريجيًا من التداول، ولم يرد اسمه في الروايات العربية المبكرة التي تناولت مدن شمال أفريقيا، ما يرجّح أنه فقد أهميته قبل وصول الفتح الإسلامي بزمن غير يسير.
مع دخول الإسلام إلى المغرب، بدأت القصر الكبير تتحول تدريجيًا إلى مركز حضاري، تحت تأثير قبيلة كتامة، وقد أُطلقت عليها تسميات عديدة أبرزها “سوق كتامة” و”قصر عبد الكريم الكتامي”، ثم أُطلق عليها لاحقا “القصر الكبير”، قبل أن تعرف ازدهارًا لافتًا وتوسعًا ملحوظًا في العصر الموحدي، إذ جرى تحصينها وتقوية بنيتها التحتية خاصة في عهد الخليفة يعقوب المنصور، ثم تَعزز حضورها العِلمي في العهد المريني بإنشاء مؤسسات تعليمية أسهمت في تنشيط الحركة الدينية والثقافية. وقد أُحيطت بأسوار شاهقة في القرن الثاني عشر لتأمينها، لكنها أزيلت في القرن السابع عشر بقرار من السلطان إسماعيل بن الشريف في سياق توتر سياسي محلي.
وفي القرن العشرين دخلت المدينة مرحلة جديدة تحت الإدارة الإسبانية ابتداءً من سنة 1911، حيث أُعيد توظيفها كحامية عسكرية وشهدت إنشاء مرافق حديثة وأحياء جديدة ضمن مخطط توسعة وُضع في عشرينيات القرن الماضي، كما رُبطت بشبكة السكك الحديدية، وشيدت فيها السلطة الإسبانية مسرحا كبيرا.
وبعد استقلال المغرب واصلت تطورها ضمن محيط يتسم بأهمية مائية كبيرة، خاصة بعد تشييد سد وادي المخازن سنة 1979 الذي يُشكل أحد أبرز منشآت تخزين المياه في المنطقة، مستفيدًا من وادي اللوكوس الذي ارتوت من مياهه الحقول، وعلى ضفافه قامت تجمعات بشرية منذ القِدم، ومن خلاله نشأت أنماط عيشٍ ارتبطت بالدورة الزراعية والفيضان الموسمي، وهو الوادي الذي لعب دورًا مركزيًا في تطور المدينة وتحدياتها على حد سواء.
تاريخ طويل مع الفيضانات
الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير مؤخرًا، والتي تسببت في إجلاء ساكنتها، لم تكن مفاجِئة للمحلّلين الجغرافيين والمؤرخين، فالموقع الذي زوّده وادي اللوكوس بموارد هائلة عبر التاريخ، مثلما أسهم في نهضة المدينة عبر الحضارات المتعاقبة، ظل على الدوام عرضة لتغيرات مناخية مفاجئة لا يمكن للتدخلات البشرية وحدها احتواؤها.
هذه المرة تضافرت الأمطار الغزيرة المتتابعة خلال شهر يناير الماضي والتي أدّت إلى تشبّع التربة، مع تسجيل سد وادي المخازن لأول مرة منذ تشييده قبل 47 عاما مستوى تاريخي حيث وصل إلى أزيد من 150% خلال بعض الفترات، وهو ما دفع السلطات المختصة إلى تفريغه مما أدى إلى غمر بعض الأحياء السكنية بالماء، وإجلاء سكان المدينة كإجراء احترازي.
ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها المدينة فيضان وادي اللوكوس؛ فعلى مر التاريخ ظل هذا الوادي مصدر تهديد للسكان. وتُحصي بيانات أرشيفية اثني عشر فيضان بين عامي 1936 و1951 فقط، ما يعكس تكرار الظاهرة وارتباطها بطبيعة المجال أكثر مما يرتبط بتقلّبات مناخية ظرفية.
ويوضح الخبير في قضايا البيئة والتنمية المستدامة رشيد فاسح أن طبيعة المدينة المنبسطة تجعلها نقطة تجمّع للمياه القادمة من المرتفعات والمجاري المحيطة، وهو ما يزيد من حدّة تأثير الفيضانات كلما ارتفع منسوب الوادي.
أما في العصر الحديث، فقد استمرت فيضانات الوادي حتى بعد بناء سد وادي المخازن في أواخر سبعينيات القرن الماضي بهدف تنظيم مجرى المياه وتقليل مخاطر الغمر، فقبل إنشاء السد، كانت الفيضانات تغمر المستنقعات والسهل الساحلي وغالبًا المدينة نفسها، وقد شَهد القرن الحادي والعشرون عدة موجات فيضان في أعوام 2001 و2008 و2010 و2013 و2014، مما أثّر في الزراعة والنشاطات اليومية في مدينة القصر الكبير والمنطقة المحيطة، وكبّد ساكنتها خسائر مادية كبيرة.
ويضيف فاسح أن قرب المدينة من سد وادي المخازن، رغم دوره الحيوي في تخزين المياه، قد يُضاعف الضغط عليها خلال فترات الأمطار الغزيرة عندما تفرض الضرورة التقنية تصريف كميات مهمة من المياه. كما يشير إلى أن التوسع العمراني في بعض المناطق ساهم في تقليص المساحات الطبيعية المخصصة لانتشار مياه الفيضانات، ما زاد من هشاشة المجال الحضري أمام أي ذروة مطرية استثنائية.
الأحداث التاريخية الكبرى
من أبرز المحطات التي طبعت تاريخ القصر الكبير وقوع معركة وادي المخازن سنة 1578، والمعروفة أيضًا بـ “معركة الملوك الثلاثة” لأنها شهدت مقتل ثلاثة ملوك هم: سبستيان ملك البرتغال، والسلطان السعدي عبد الملك أبو مروان بعد اشتداد مرضه أثناء الحرب، إلى جانب غرق السلطان المغربي المخلوع محمد المتوكل الذي كان يساند البرتغاليين طمعا في العودة إلى الحكم.
وقد جرت هذه المواجهة في منطقة السواكن قرب المدينة بين الجيش المغربي بقيادة السلطان عبد الملك السعدي والجيش البرتغالي بقيادة الملك سبستيان، وانتهت بهزيمة البرتغاليين ومقتل قادتهم، وهو ما شكّل نقطة تحول في تاريخ المغرب وأوروبا معاً، إذ رسّخت موقع الدولة السعدية إقليميا حينذاك، وأوقفت الطموحات البرتغالية في التوسع داخل المغرب، كما أنها كانت سببًا في انهيار البرتغال سياسيًا واقتصاديًا، وعجلت باحتلالها من طرف إسبانيا سنة 1580.
وقد ارتبطت القصر الكبير بهذه المعركة ارتباطًا وثيقًا بحكم قربها الجغرافي من ساحة المواجهة، ما يُبرهن على مكانتها ضمن صراعات القوى الكبرى في القرن السادس عشر، حين كانت السواحل المغربية محط تنافس أوروبي متزايد، وهو ما جعلها جزءًا من دينامية سياسية أوسع من حدودها المحلية.
إلى جانب هذه المعركة، عرفت المدينة فترات أخرى من التوترات المرتبطة بالتحولات السياسية التي شهدها المغرب في عصور مختلفة. ومن بينها ما رافق دخول القوات الإسبانية إلى مدينة القصر الكبير في 10 يونيو 1911، في سياق توسّع نفوذها بشمال المغرب، من ممارسات قاسية شملت أعمال سلب واعتقالات وأعمال عنف تركت أثرًا عميقًا في نفوس السكان.
وأمام هذا الوضع، بدأت مجموعات من أبناء المدينة تتحرّك بشكل سري لإعادة تنظيم صفوفها والتحضير لمواجهة الوجود الأجنبي، مستندة إلى روح التضامن المحلي والرغبة في الدفاع عن المجال.
وفي 7 يوليو 1913 اندلعت مواجهة عُرفت بـ”معركة العنصرة”، حيث هاجم المقاومون مواقع القوات الإسبانية، ورغم شجاعة المشاركين، انتهت المواجهة بخسارتهم بسبب محدودية الخبرة العسكرية وضعف التسليح والإمدادات. ومع ذلك، كان للمعركة أثر بالغ في تنامي الوعي الجماعي بأهمية مقاومة الاحتلال، كما دفعت السلطات الإسبانية إلى إعادة النظر في أسلوب إدارتها للمدينة، فسارعت إلى تعيين ممثل جديد يتمتع بمهارات سياسية وقدرة على كسب التأييد واحتواء التوتر المتصاعد.
ومع ذلك كله، ظل الطابع الغالب على تاريخ المدينة هو الاستمرارية؛ إذ تمكّنت من استعادة توازنها بعد كل أزمة، مستفيدة من اعتمادها على الزراعة وارتباطها بشبكات اقتصادية أوسع، وقد أسهمت هذه القدرة على التكيّف مع التحولات السياسية والعسكرية في الحفاظ على حضورها كمركز حضري مستمر عبر القرون.