في قلب التجمعات البدوية بالضفة الغربية، يكافح آلاف الأطفال يومياً للحصول على حقهم الأساسي في التعليم وسط أوامر هدم مستمرة وتهديدات متكررة من الاحتلال.
وفق تحديثات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، هناك 84 مدرسة فلسطينية تواجه أوامر هدم معلّقة، منها 55 مدرسة مهددة بالهدم الكامل و30 مدرسة مهددة بالهدم الجزئي، وتخدم هذه المدارس نحو 12,855 طالباً، بينهم 6,557 فتاة، ويعمل فيها 1,089 معلماً.
مدارسهم، حتى حين تكون قائمة، غالباً ما تكون أهدافاً دائمة للمضايقات والانتهاكات، خاصة في المناطق المصنفة (ج) والتجمعات البدوية النائية، ما يجعل استمرارية التعليم تحدياً كبيراً ومعقّداً.
في هذا الحوار لـ”نون بوست”، استضفنا أحمد حنيطي، مدير المشاريع الميدانية في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، للحديث عن خبرته الميدانية في دعم التعليم داخل التجمعات البدوية، مستعرضاً التحديات اليومية التي تواجه الطلاب والمعلمين، والطرق التي تعتمدها المؤسسة لضمان بيئة تعليمية مستقرة وآمنة رغم الظروف القاسية التي تعصف بهذه المناطق الهشة، ورؤيته لكيفية بناء مستقبل تعليمي مستدام لأطفال البدو.
كيف تصفون واقع التعليم في التجمعات البدوية التي تفتقر إلى مبانٍ مدرسية ثابتة ضمن المناطق المصنّفة (ج) حسب اتفاقية أوسلو؟
يعكس واقع التعليم في التجمعات البدوية أبعاداً متعددة، إذ توجد بعض التجمعات التي تضم مدارس داخلها، في حين تفتقر تجمعات أخرى إلى أي مرافق تعليمية، ففي التجمعات التي تتوافر فيها مدارس، يعاني الطلبة من افتقار واضح إلى البنية التحتية الملائمة، ومع ذلك يبقى وجود هذه المدارس، إلى حدٍّ ما، عاملاً مهماً أسهم في تسهيل وصول الطلبة إلى التعليم، إلا أن هذه التجمعات تواجه قيوداً صارمة على البناء أو التوسّع، كما أن العديد من مدارسها مهددة بإخطارات الهدم.
وحتى في التجمعات التي تضم مدارس، تُعد هذه المدارس من الأكثر تعرًّضاً للانتهاكات بمختلف أشكالها، فعند إغلاق الحواجز، تتعطل العملية التعليمية فيها، كما تأثرت بشكل ملحوظ خلال جائحة كورونا، حيث لم يكن الدوام منتظماً. كذلك، فإن أي تطورات في الحالة السياسية أو النقابية أو الاجتماعية تنعكس مباشرة على هذه المدارس، التي غالباً ما تكون أول المتضررين من الإضرابات أو حالات التعطيل.
أما في التجمعات التي لا تتوافر فيها مدارس، وهي الأكثر، فيضطر الطلبة إلى الانتقال إلى مدارس مجاورة، إما مشياً على الأقدام لمسافات قد تصل إلى 2 أو 3 أو حتى 5 كيلومترات، أو من خلال الحافلات التي توفرها وزارة التربية والتعليم لنقل بعض الطلبة إلى مدارس، فعلى سبيل المثال، كان طلبة تجمع المعرجات، من بدو الكعابنة ومنطقة مغير الدير المجاورة، يعتمدون على حافلة تقلّهم إلى المدرسة، إلا أن هذه الحافلة كانت تتعطل في كثير من الأحيان، وقد تتوقف عن العمل لشهر أو شهرين.
إضافة إلى ذلك، تعاني هذه التجمعات، سواء التي تضم مدارس أو التي تفتقر إليها، من صعوبات في وصول المعلمين والطلبة، نتيجة إغلاق الطرق أو منعهم من المرور، سواء من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين.
ما أبرز التحديات التي يواجهها الطلبة في ظل الدراسة داخل خيام وكرفانات تعليمية؟
يواجه الطلبة في هذه البيئة التعليمية العديد من التحديات المرتبطة بظروف قاهرة وصعبة، لا سيما أن الخيام والكرفانات غير مهيأة للتكيّف مع الظروف البيئية المختلفة، ففي فصل الصيف، ترتفع درجات الحرارة داخل الكرفانات بشكل كبير، بينما تصبح شديدة البرودة في فصل الشتاء، ما يؤثر سلباً على تركيز الطلبة وقدرتهم على التعلّم.
كما أن المساحات داخل الكرفانات غالباً ما تكون ضيقة، الأمر الذي يحدّ من حرية الحركة ويؤثر على الأنشطة التعليمية التي يمكن تنفيذها داخل الصف. ويضاف إلى ذلك ضعف المرافق الأساسية، مثل المرافق الصحية، التي قد لا تكون ملائمة في كثير من الأحيان، فضلاً عن حرمان بعض الطلبة من خدمات أساسية كالمقصف المدرسي، الذي يُعد متنفساً لهم خلال فترات الاستراحة.
وفي العديد من هذه المدارس الواقعة في مناطق حارة، تفتقر البيئة المحيطة أيضاً إلى مساحات مظللة مناسبة، ما يزيد من صعوبة بقاء الطلبة في المدرسة خلال ساعات الدوام. إلى جانب ذلك، تؤثر النظرة السلبية تجاه التعليم في التجمعات البدوية على واقع الطلبة، حيث يسود أحياناً انطباع بأن هذه المجتمعات أقل اهتماماً بالتعليم، وهو ما ينعكس على مستوى الدعم المقدم لهم.
كما أن وجود الكرفانات بحد ذاته يعزز شعوراً بعدم الاستقرار لدى الطلبة، إذ يوحي الطابع المؤقت لهذه المنشآت بأن العملية التعليمية في هذه المناطق ليست دائمة أو ثابتة، وهو ما يترك أثراً نفسياً على الطلبة ويؤثر في إحساسهم بالانتماء إلى بيئة تعليمية آمنة ومستقرة.
كيف يؤثر عدم استقرار موقع المدرسة على انتظام الطلبة واستمرارهم في التعليم؟
عند الحديث عن الكرفانات وظروف هذا النوع من التعليم، لا بد من الإشارة إلى الأدوات التعليمية التي تحتاج إلى الكهرباء، مثل التقنيات التعليمية التي يفترض أن توفرها المدرسة. فالسؤال هنا؛ إلى أي مدى تستطيع الكهرباء المتوفرة تحمّل استخدام هذه الوسائل؟ وإلى أي حد يمكن للمدرسة توفير أدوات مثل شاشة عرض أو غيرها، في ظل غياب بنية تحتية مؤهلة تدعم العملية التعليمية؟
وبالتالي، فإن هذه التجمعات تفتقر، من مختلف الجوانب، إلى الموارد التقنية اللازمة التي تمكّنها من توفير تعليم مناسب للأطفال. كما أن بعض العائلات كانت تضطر إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى، الأمر الذي أثّر على الطلبة، إذ يجد الطفل نفسه مضطراً للتكيّف مع مكان جديد، والتساؤل حول المدرسة التي سيلتحق بها في المنطقة الجديدة. ورغم أن غالبية البدو كانوا يحاولون مواءمة تنقلهم مع انتظام الدوام المدرسي، إلا أن هذا التحدي ظل قائماً لدى الكثير منهم.
ولا يقتصر هذا التحدي على التعليم فقط، بل يمتد إلى مسألة الوجود نفسه، فالظروف التي يعيشها الطلبة داخل المدرسة هي ذاتها التي يواجهونها في منازلهم وفي التجمع الذي يعيشون فيه. فهم يتعرضون لانتهاكات متكررة، من قبل سلطات الاحتلال والمستوطنين، مثل إخطارات الهدم أو تنفيذ عمليات هدم فعلية، إضافة إلى اقتحامات طالت بعض المدارس، ومنع البناء أو التطوير أو التوسع.
كل ذلك يخلق حالة عامة من السوء وعدم الاستقرار، ويولّد شعوراً سلبياً لدى الطلبة نتيجة ما يواجهونه داخل المدرسة، وفي المنزل، وداخل التجمع الذي يعيشون فيه. وبذلك تصبح المسألة حالة متكاملة تتعلق بسؤال: أين نحن موجودون؟ وما هو مصيرنا في الموقع الذي نعيش فيه؟.
إلى أي مدى توفر المدارس المؤقتة بيئة تعليمية آمنة في ظل الظروف السياسية السيئة والمخاطر المحيطة من الاحتلال والمستوطنين؟
في الواقع، لا يشعر الأطفال بحالة من الأمان الكامل، سواء أثناء وجودهم في المدرسة أو حتى في طريقهم إليها. فقد تعرضت هذه التجمعات للاقتحام مرات عديدة، سواء من قبل الجيش أو المستوطنين، وشهدت اعتداءات شرسة وعنيفة.
كما تعرّض المعلمون، في كثير من الحالات، لاعتداءات جسدية وإذلال أمام طلابهم من قبل الجنود أو المستوطنين، إضافة إلى منعهم من الوصول إلى المدارس. وفي مرات متعددة، تم توقيف مركبات المعلمين على الطرق، ومنعهم من المرور وإذلالهم أمام الطلبة. كذلك، مُنع الطلبة أنفسهم من الوصول إلى مدارسهم، و تعرضوا للترهيب على الطرق، خاصة أن المستوطنين اعتدوا أكثر من مرة على حافلات المدارس، كما تعرض بعض الأطفال للاعتداء أثناء ذهابهم مشياً على الأقدام إلى مدارسهم.
هذا الواقع خلق حالة من الخوف والترهيب، وأسهم في تسرب عدد من الأطفال من المدارس، نتيجة خشية الأهالي من فقدان أبنائهم في أي لحظة بسبب هذه الاعتداءات، خصوصاً فيما يتعلق بالفتيات، إذ يكون الخوف عليهن أكبر، ما يدفع بعض العائلات إلى التردد في إرسالهن إلى المدرسة.
وقد عبّر العديد من الأهالي عن هذا الخوف، خاصة في ظل تكرار اقتحام المدارس من قبل المستوطنين، وهي حوادث تم توثيقها وتصويرها وانتشرت مقاطعها المصورة، الأمر الذي زاد من حالة الرعب لدى العائلات. فعلى سبيل المثال، تعرضت مدرسة الكعابنة في المعرجات لهجوم من قبل المستوطنين، حيث تم الاعتداء على الأطفال وترهيبهم، وحُشر الطلبة داخل الصفوف وأُغلقت الأبواب عليهم خوفاً من اقتحام المستوطنين، في ظل احتمالية إلقاء قنابل صوت أو غاز داخل الصفوف. كما تم الاعتداء على مدير المدرسة واعتقاله، إلى جانب أحد المعلمين، أمام الطلبة.

هذه المشاهد التي انتشرت عبر مقاطع الفيديو زادت من خوف الأهالي، ودَفعتهم للتساؤل حول كيفية تأمين أبنائهم داخل المدارس الموجودة في تجمعات بدوية مستهدفة بشكل دائم. وحتى في الحالات التي لا تبعد فيها المدرسة عن المنزل سوى 50 إلى 100 متراً، أصبح هناك خوف من تعرض الأطفال للاعتداء أثناء ذهابهم أو عودتهم، خاصة مع التواجد اليومي للمستوطنين في محيط هذه التجمعات.
ويزداد هذا التحدي في ظل أن العديد من هذه المدارس توفر التعليم حتى الصف التاسع كحد أقصى، وفي بعض التجمعات حتى الصف السادس أو السابع فقط، ما يضطر الطلبة إلى الانتقال إلى مناطق أخرى لإكمال تعليمهم، سواء مشياً على الأقدام لمسافات قد تصل إلى 2 إلى 5 كيلومترات، أو باستخدام وسائل النقل التي توفرها وزارة التربية والتعليم.
وفي كلتا الحالتين، تبقى رحلتهم إلى المدرسة محفوفة بالمخاطر، في ظل تراجع الإحساس بالأمان في الحركة داخل مناطق مختلفة من الضفة الغربية، الأمر الذي دفع ما يقارب 90٪ من العائلات في بعض التجمعات إلى الهجرة خوفاً على سلامة أبنائها.
ما أبرز الانعكاسات النفسية أو الاجتماعية التي تلاحظونها على الطلبة نتيجة الدراسة في بيئة غير مستقرة؟
أثّرت هذه الظروف بشكل مباشر على العملية التعليمية نفسها، إذ يعيش الطلبة حالة دائمة من القلق داخل الصف، في ظل شعورهم بأنهم قد يتعرضون للاعتداء في أي لحظة، سواء أثناء وجودهم في المدرسة أو في طريقهم إليها. وهذا ينعكس على تفكيرهم وتركيزهم، حيث ينشغلون بكيفية الذهاب والعودة بأمان بدلاً من التركيز على التعلّم.
ومن خلال مقابلات أُجريتها مع عدد من الأمهات ضمن دراسة الدكتوراه حول التجمعات البدوية، أشار العديد منهن إلى أن أطفالهن يخشون الذهاب إلى المدرسة، وأن مجرد فتح موضوع المدرسة يثير لديهم حالة من الخوف، نتيجة ما يسمعونه من أهاليهم، أو ما يشاهدونه من مقاطع فيديو توثق اعتداءات قد تحدث في أي وقت. وبذلك، يصبح الطفل في حالة توقّع دائم للخطر.
ولا يقتصر الأثر على الطلبة داخل الصف، بل يمتد ليشمل المعلمين أيضاً، خاصة أولئك القادمين من قرى أو مناطق أخرى، والذين يضطرون للعمل في بيئة تهدد سلامتهم الشخصية. فالمعلم أو المعلمة، الذين قد يكون لديهم أطفال أيضاً، يأتون إلى المدرسة في ظل مخاطر يومية تتمثل في احتمال التعرض للاعتداء أثناء الذهاب أو العودة. وفي بعض الأحيان، يتم تقليص ساعات الدوام، التي يفترض أن تمتد حتى الساعة 1:00 أو 2:00 ظهراً، إلى نحو الساعة 12:00 ظهراً، بهدف تقليل مدة التواجد في مناطق خطرة.
كما أن نحو 80٪ من العملية التعليمية تعتمد على تفاعل نفسي غير مباشر بين المعلم والطالب. وبالتالي، فإن حالة الخوف أو القلق أو عدم اليقين التي يعيشها المعلم تنتقل تلقائياً إلى الطلبة داخل الصف، ما يخلق بيئة تعليمية غير مستقرة نفسياً، تؤثر سلباً على التحصيل الدراسي وتركيز الطلبة.
وفي ظل الظروف القاسية التي مرّ بها قطاع التعليم خلال السنوات الخمس الأخيرة، تأثر الطلبة في التجمعات البدوية بشكل أكبر مقارنة بغيرهم، إذ يمكن تقدير أن نحو 90٪ منهم تأثروا سلباً، مقابل نحو 70٪ في القرى الفلسطينية الأخرى.
ويرتبط ذلك أيضاً بسياسات الاحتلال التي أثّرت على الواقع الاقتصادي بشكل عام، حيث يطرح بعض الطلبة تساؤلات حول جدوى التعليم في ظل تراجع فرص العمل، حتى بين خريجي الجامعات، نتيجة التدهور الاقتصادي الممنهج. وهذا يخلق حالة من الإحباط لدى الطلبة والأهالي على حد سواء، خاصة مع تراجع المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي كان التعليم يوفرها في السابق.
وفي ظل ارتفاع تكاليف المواصلات وضعف القدرة الاقتصادية لدى العديد من العائلات، يصبح الاستمرار في التعليم خياراً محفوفاً بالمخاطر والتحديات، ما يدفع بعض الأهالي إلى إعادة التفكير في جدوى إرسال أبنائهم إلى المدارس أو استكمال تعليمهم الجامعي.
ما طبيعة البرامج أو التدخلات التي تقدمها مؤسسة تامر لدعم التعليم في هذه المناطق رغم القيود المفروضة؟
مؤسسة تامر اشتغلت على أكثر من محور لدعم التعليم في هذه التجمعات. عندها برنامج نسميه التعليم العلاجي، الذي نحاول من خلاله التعاون مع وزارة التربية والتعليم لمعالجة بعض الفجوات المرتبطة بمهارات الطلبة الأكاديمية، أو ما يُعرف بالفاقد التعليمي. وهذا الفاقد أحياناً ليس مجرد فقدان لدى الوزارة، بل فاقد حقيقي عند الطلاب نتيجة غياب البنية التعليمية الأساسية.
اشتغلنا خلال العامين الأخيرين مع المدارس في التجمعات البدوية على أكثر من مستوى. أحد المحاور هو التعليم المباشر العلاجي، والآخر يتعلق بالتعليم غير المباشر، مثل التوعية البيئية والتدخلات الثقافية، التي تنمي وعي الطلاب وممارساتهم المجتمعية بطريقة عملية ومؤثرة في تجمع سطح البحر.
كذلك قدمنا تدخلات مادية مهمة. في مدرسة المعرجات، وفرنا حماية للشبابيك، مظلات للأطفال ليجلسوا تحتها في الشمس، وحقائب مدرسية تحتوي على أدوات قرطاسية في بداية كل عام. هذه المستلزمات مهمة جداً لأن معظم المدارس في هذه التجمعات تفتقر إلى الأدوات الأساسية، بسبب الوضع الاقتصادي للأطفال، وغالباً لا توجد خدمات مثل مقاصف أو تجهيزات مدرسية.
بالنسبة لتجمع سطح البحر، كان هناك تحدي كبير في النقل، لأن الباص الذي ينقل الطلاب إلى مدارس مثل عقبة الجبر في أريحا كان معطلاً في بعض الأحيان لمدة أسبوع أو أسبوعين. لذلك تدخلنا لتوفير وسيلة نقل مؤقتة للطلاب، لضمان استمرار تعليمهم وعدم انقطاعه. هذا الموضوع كان يشكل تحدياً كبيراً بسبب صعوبة الوصول إلى هذه التجمعات وخطر التنقل، خصوصاً أن بعض السائقين رفضوا الذهاب خوفاً على أنفسهم وعلى سياراتهم من اعتداءات المستوطنين.
التحديات لا تقتصر على النقل فقط. بعض التجمعات تحتوي على أعداد قليلة من الطلاب، ما يجعل المؤسسات تفضل عدم العمل فيها، لأن عدد الطلاب لا يصل عادة إلى 200-300 طالب. كذلك، تكاليف التدخل في هذه المناطق أعلى بكثير مقارنة بتجمعات أخرى، بسبب الظروف الخاصة وطول المسافات وصعوبة الوصول.
توفير المعلمين يمثل تحدياً إضافياً، لأن معظمهم يعتمد على سيارات خاصة أو يتنقلون مع زملائهم، نظراً لغياب المواصلات العامة. لذلك، المعلم لا يفضل إضافة ساعة تعليم إضافية، والطلاب ملتزمون بجدول باص وزارة التربية، الذي لا يمكنه الانتظار لفترات أطول.
أيضاً، الطلاب في هذه التجمعات يعتمدون على بعضهم أثناء التنقل كوسيلة حماية جماعية، ما يجعل أي تأخير أو تعليم فردي محفوفاً بالمخاطر. كل هذه العوامل تجعل العمل في هذه التجمعات معقداً جداً، في ظل الظروف القاسية، وغياب التعاون الداخلي الكافي على مستوى النقل والموارد التعليمية، والتحديات اللوجستية الكبيرة.
هل يمكنكم مشاركة تجربة محددة لطالب أو مدرسة دعمتها المؤسسة في ظل غياب المباني التعليمية الثابتة، وما أثر هذا الدعم على استمرار التعليم؟
النجاح في هذا السياق له معنى مختلف، فهو يرتبط بقدرة المؤسسة على التواجد في هذه المواقع والتعامل مع التحديات الكبيرة، والتدخل مع الطلاب بشكل جماعي. مؤسسة تامر تعمل مع الأطفال جميعاً رغم التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتسعى لتقديم الدعم الذي يحتاجونه.
المؤسسة تحقق النجاح عندما تستطيع الوصول إلى هذه التجمعات وتقديم ما يلزم للطلاب، رغم طرد بعض التجمعات وغياب المباني التعليمية الثابتة. موظفو المؤسسة أخذوا على عاتقهم العمل في هذه الظروف المعقدة والمركبة، رغم المخاطر والصعوبات.
حتى في ظل التهجير والاعتداءات على المدارس، بقي الطلاب في المدارس لاستكمال تعليمهم، حيث لم تمنعهم هذه الاعتداءات من التعلم، ولم تخفّهم. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نضمن وصول الطلاب الذين تم تهجيرهم إلى التعليم؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب معرفة أماكن تهجير هذه التجمعات، وأين انتقلوا للعيش، والعمل على الضغط من أجل تعليمهم وإقامة مؤسسات مجتمعية وثقافية تدعم التعليم. التحدي ليس فقط ربط الطلاب بالمدارس، بل أيضاً إيجاد طرق لتقديم التعليم بدعم الأهل والمجتمع والمؤسسات معاً.
على سبيل المثال، هناك تجمعان تم تهجيره من المعرجات وشلال العوجا إلى منطقة معزولة جداً في أريحا تُعرف باسم “البلقا”. الوصول إلى هذه المنطقة صعب جداً، ما يجعل توفير خدمات ثقافية، ليس فقط تعليمية، أمراً معقداً. هذه الخدمات الثقافية تساعد في عملية التعلم، حتى إذا لم يكن التعليم الأكاديمي مباشراً، ولكن الأطفال في هذه التجمعات غير قادرين على المشاركة فيها بسبب بعدهم عن المكان، ارتفاع التكاليف، وصعوبة الوصول.
هذه التحديات تحرم الأطفال وتقصيهم من الوصول إلى الأنشطة والفعاليات، سواء كانت ثقافية أو تعليمية. نحن نتحدث عن أطفال محرومين من كل شيء تقريباً من المرافق، ومن النشاطات، ومن الثقافة والتعليم. الأزمة التعليمية موجودة منذ سنوات، لكن التحديات الأخيرة جعلت الوضع يتفاقم ويصبح أكثر حدة، على الرغم من وجود كفاءات وقدرات محلية تعمل على دعم هؤلاء الأطفال.
ما هي الإحصائيات للمدارس في التجمعات البدوية التي تم هدمها والتي معرضة للهدم؟
الإحصائيات الرسمية غير متوفرة، لكن ما أعرفه أن أغلب المدارس في التجمعات البدوية عليها إخطارات هدم. في ظل أن العديد من التجمعات نزح سكانها ، ومن أبرز المدارس التي أطلق عليها اسم مدارس التحدي هدمت بالفعل أو مهددة بالهدم: مدرسة كابون في عين سامية، مدرسة المعرجات، مدرسة شلال العوجا، ومدارس مسافر يطا. كذلك، توجد مدرسة في عين أيوب بين قريتي بيت عنان وبيت لقيا.
هذه المدارس تمثل تحدياً كبيراً للاستمرارية التعليمية، لأنها لا توفر للطلاب بيئة مستقرة، كما أنها تتعرض بشكل دائم لمخاطر التهجير والاعتداءات، ما يزيد من هشاشة التعليم في التجمعات البدوية.
ما رسالتك لضمان بيئة تعليمية أكثر استقراراً للأطفال في التجمعات البدوية؟
أؤمن “بأن ما بحك جلدك إلا ظفرك”. المهم هو المجتمع الفلسطيني وقدرتنا على التحرك والعمل دون انتظار الآخرين. الإشكالية تكمن في أننا ننتظر تدخل الآخرين لإيجاد الحل، بينما بإمكاننا نحن مباشرة تقديم الدعم والحماية للتجمعات البدوية.
بالطبع، المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية، خاصة وفق اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم بحماية الأطفال ومنحهم حقوقهم، ومنها الحق في التعليم. لكن للأسف، هذه الالتزامات غالباً لا تُنفذ على أرض الواقع.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لموضوع التعليم للأطفال في تجمعات مثل بلقا المعزول، بحيث لا يرتبط التعليم فقط بوجود المبنى المدرسي. يجب عقد لقاءات وحوارات مع الأهالي، وخلق التفاف شعبي حول التعليم، لضمان ضغط الأهالي على المؤسسات والوزارة من أجل تعليم أبنائهم.
هناك أيضاً مسؤولية على الأهالي أنفسهم، ويجب التركيز على إشراك الأب وليس فقط الأم في متابعة التعليم، لضمان هيبة التعليم وفاعليته. العملية مركبة وبنيوية، ويجب أن يكون هناك تنسيق شامل بين المؤسسات والأهالي لبناء مستقبل صحي وتعليمي للطلاب، خاصة في المناطق الهشة التي تتعرض لاعتداءات وظروف قاهرة.