أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أنه بحث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آليات دعم بلاده في مساعيها للحصول على منفذ بحري عبر الوسائل السلمية، مؤكدًا أن إثيوبيا “لن تظل رهينة للجغرافيا بفعل مؤامرات معادية”، على حد تعبيره.
وجاءت تصريحات آبي أحمد خلال اللقاء الذي جمعه بالرئيس التركي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يوم الثلاثاء 17 فبراير/شباط، في إطار زيارة رسمية هي الأولى للرئيس التركي إلى إثيوبيا منذ 11 عامًا، والتي استمرت يومًا واحدًا، تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الإثيوبي، شهدت خلالها مباحثات موسعة تناولت ملفات التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية، وفي مقدمتها التوازنات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
في المقابل، تتبنى القاهرة مقاربة واضحة إزاء أي تحركات إثيوبية تمس معادلة البحر الأحمر، فقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقاء جمعه برئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف في أديس أبابا قبل يومين من زيارة أردوغان، أن “حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط”، في رسالة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها تأكيدًا لرفض القاهرة أي مساعٍ تمنح إثيوبيا موطئ قدم على البحر الأحمر.
ورغم عدم تسمية وزيرة الخارجية المصري دولة بعينها، فإن موقف القاهرة ظل متسقًا في هذا الشأن، رافضًا أي حراك إثيوبي في هذا المسار، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي والتوازنات الإقليمية.
هذا التباين في الرؤى يكتسب أهمية إضافية في ظل تنامي الحضور التركي داخل إثيوبيا، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي، مما يفتح المشهد باب التساؤل حول انعكاسات هذا التعارض المحتمل على مسار العلاقات المصرية التركية، التي بدأت مؤخرًا مرحلة جديدة من التقارب بعد سنوات من التوتر والجمود.
فبينما تبدي العاصمتان، أنقرة والقاهرة، رغبة في إعادة بناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون، تظل الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها البحر الأحمر والقرن الأفريقي، اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما دون أن تنعكس سلبًا على مسار التطبيع الجاري.
إثيوبيا في المقاربة التركية
تنظر أنقرة إلى إثيوبيا باعتبارها إحدى الركائز المحورية في مقاربتها الاستراتيجية تجاه القارة الأفريقية، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي في قلب القرن الأفريقي؛ تلك المنطقة التي تتقاطع فيها اعتبارات الأمن البحري، وخطوط الملاحة الدولية، والتوازنات الإقليمية الحساسة.
ومن هذا المنطلق، تمثل أديس أبابا بالنسبة لصانع القرار التركي بوابة لوجستية وسياسية نحو فضاء أفريقي أوسع، يتزايد حضوره في حسابات السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة.
استنادًا إلى هذه الرؤية، شهدت العلاقات التركية الإثيوبية خلال العقدين الماضيين نموًا متسارعًا على مختلف المستويات، بما يعكس توجه أنقرة نحو تعميق انخراطها في أفريقيا ضمن سياسة “الانفتاح على القارة”، وخلال فترة زمنية وجيزة نسبيًا، تحولت إثيوبيا إلى أكبر مستقبل للاستثمارات التركية في أفريقيا، حيث تستضيف استثمارات تتجاوز قيمتها 2.5 مليار دولار، تمثل ما يقارب نصف إجمالي الاستثمارات التركية المباشرة في القارة، ما يعكس حجم الرهان التركي على السوق الإثيوبية بوصفها مركزًا صناعيًا وسكانيًا واعدًا.
غير أن الحضور التركي في إثيوبيا لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أدوار سياسية ودبلوماسية متنامية، فقد سعت أنقرة إلى ترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في معادلات القرن الأفريقي، وهو ما تجلى بوضوح في جهود الوساطة التي قادتها بين إثيوبيا والصومال، والتي أفضت إلى توقيع “إعلان أنقرة” في ديسمبر/كانون الأول 2024، منهية واحدة من أبرز حالات التوتر الدبلوماسي بين البلدين.
وساهم هذا التحرك الدبلوماسي في تعزيز صورة تركيا كوسيط إقليمي قادر على توظيف علاقاته المتوازنة لتحقيق اختراقات سياسية في بيئة شديدة التعقيد، الخطوة التي فتحت الباب نحو شراكات أمتن وانخراط أكثر عمقًا.
في السياق الأوسع، تنظر أنقرة إلى القرن الأفريقي باعتباره نقطة ارتكاز ضمن عقيدتها الاستراتيجية الرامية إلى حماية الممرات المائية الحيوية، بما يخدم مصالحها الاقتصادية ويعزز أمنها القومي، فهذه المنطقة تشكل امتدادًا مباشرًا لاهتمامات تركيا المرتبطة بأمن البحر الأحمر والمحيط الهندي، وحركة التجارة والطاقة.
ومن هنا يمكن فهم الحضور التركي المكثف في الآونة الأخيرة، سواء عبر أدوات الاستثمار، أو الشراكات الأمنية، أو الانخراط الدبلوماسي، كجزء من رؤية شاملة تسعى إلى تثبيت موطئ قدم مستدام في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خريطة التنافس الإقليمي والدولي.
ماذا عن القاهرة؟
تنظر أديس أبابا إلى مسألة الوصول إلى البحر الأحمر باعتبارها قضية وجودية تمس مستقبل الدولة الإثيوبية، لا مجرد مطلب اقتصادي عابر، فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، تحولت إثيوبيا إلى دولة حبيسة تعتمد بصورة شبه كاملة على ميناء جيبوتي لتسيير تجارتها الخارجية، ما يكلّفها قرابة ملياري دولار سنويًا كرسوم موانئ ونقل.
وترى القيادة الإثيوبية في هذه المعادلة عبئًا مزدوجًا، اقتصاديًا واستراتيجيًا، يقيّد طموحاتها التنموية ويجعلها رهينة لمعادلات إقليمية لا تتحكم بها بالكامل، وهو ما يدفعها إلى البحث عن خيارات بديلة تعيد لها هامش الحركة في محيطها البحري.
أما القاهرة، فتتعامل مع التحركات الإثيوبية من منظور مختلف جذريًا، ففي حين تقدم أديس أبابا مسعاها بوصفه ضرورة اقتصادية وتنموية، ترى مصر أن المسألة ترتبط بإعادة صياغة موازين النفوذ في البحر الأحمر واستخدامه كورقة ضغط استراتيجية، سواء في سياق أزمة سد النهضة أو ضمن معادلات الأمن الإقليمي الأوسع.
ومن ثم، تميل القاهرة إلى اعتماد مقاربة ردع مبكر ورفض واضح معلن، وهو ما بدا في تصريحات الخارجية المصرية الأخيرة، في ظل تآكل الثقة بين الطرفين بعد سنوات طويلة من التعثر في مفاوضات السد التي وصلت بحسب وصف الجانب المصري إلى طريق مسدود.
من زاوية أكثر عمقًا يعكس هذا التوتر بين البلدين، تنافسًا أوسع على المكانة والقيادة داخل أفريقيا، بين مصر التي تستند إلى إرث تاريخي وثقل سياسي ممتد، وإثيوبيا التي ترى في موقعها ومؤسساتها الإقليمية ركيزة لزعامة قارية تسعى إلى تكريسها.
دبلوماسية حذرة في مرحلة حساسة
في ظل التناقضات الواضحة بين القاهرة وأديس أبابا، تواجه أنقرة تحديًا سياسيًا بالغ الحساسية في مرحلة تعيد فيها المنطقة صياغة توازنات البر والبحر، فإثيوبيا تعتبر الحصول على منفذ بحري ضرورة استراتيجية ولوجستية لا يمكن التنازل عنها، بينما تواصل القاهرة تبني سياسات ردعية صارمة ترفض أي محاولة لتغيير الوضع القائم، في الوقت الذي تتمسك فيه الصومال بسيادتها الوطنية، لا سيما في ظل التوترات حول أرض الصومال المدعومة جزئيًا من إثيوبيا.
هذا المشهد الإقليمي المعقد يضع تركيا على مفترق طرق دقيق، حيث تتقاطع مصالح الحلفاء وتتصادم طموحات الأطراف المتعددة في وقت حساس وحرج سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ومن هذا المنطلق، تتبنى أنقرة استراتيجية دبلوماسية حذرة تهدف إلى إدارة هذه التناقضات بعناية، مع التركيز على خلق مسارات تفاوضية يمكن من خلالها تقريب وجهات النظر بين الأطراف دون الدخول في صدام مباشر مع أي طرف.
وتتيح هذه المقاربة لأنقرة موقعًا فريدًا يمكنها من الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف المعنية، ما يمنحها هامشًا للتحرك في بيئة مليئة بالمصالح المتضاربة، ويعزز دورها كوسيط إقليمي قادر على لعب دور بناء في ضبط التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، دون أن تفقد ثقة أي من اللاعبين الرئيسيين.
فرصة أنقرة التاريخية
بطبيعة الحال، وبفضل الخبرات السياسية المتراكمة لدى القيادة التركية، يصعب على أنقرة التضحية بعلاقة مع طرف على حساب آخر، أو الانحياز لمقاربة واحدة على حساب أخرى، فليس من مصلحة تركيا، التي شهدت تحسنًا ملموسًا في علاقتها مع القاهرة، العودة إلى مرحلة الصفر في ظل الشراكة المتنامية التي فرضتها التحديات الجيوسياسية الأخيرة، وفي الوقت نفسه، لا يمكنها إغفال أهمية إثيوبيا كحليف إقليمي لوجستي محوري وقاعدة استراتيجية لتعزيز حضورها في القرن الأفريقي وعمق القارة.
انطلاقًا من هذه الحسابات، تحرص أنقرة على توظيف أدواتها الدبلوماسية لكسب رضا جميع الأطراف، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الجميع، وهو ما يمنحها فرصة لتثبيت موقعها كفاعل سياسي محوري في القرن الأفريقي.
من هنا يُتوقع أن يركز الأتراك على تعزيز وحدة أراضي كل من الصومال وإثيوبيا، وتسوية الملفات العالقة عبر القنوات الدبلوماسية، بما يعكس التزام أنقرة بمبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ورفض أي خطوات أحادية قد تقوض هذا المبدأ.
وفي ذات السياق، يُحتمل أن تلعب أنقرة دور الوسيط لتخفيف التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، سواء بشأن ملف سد النهضة أو مسألة المنفذ البحري، مستفيدة من خبراتها التقنية والفنية الطويلة في إدارة الممرات المائية العابرة للحدود.
ويتيح هذا الموقف لأنقرة تقديم دعم فني واستشاري بشأن جداول ملء السد، وآليات تبادل البيانات، وإزالة المخاوف الأمنية المرتبطة بمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، بما يسهم في خفض حدة التوتر الإقليمي دون المساس بمبادئ السيادة الوطنية لأي من الأطراف.
في الأخير، يصعب قراءة تصريحات آبي أحمد بشأن دعم تركيا لمسعى إثيوبيا للحصول على منفذ بحري بمعزل عن الاستراتيجية التركية الشاملة، التي تهدف إلى استثمار أدواتها الدبلوماسية وقدراتها على الضغط لتقريب وجهات النظر وتسوية الملفات العالقة بطريقة تحقق التوازن بين جميع الأطراف، وهو ما تعيه القاهرة جيدًا.
فأنقرة حريصة على عدم الانزلاق نحو صدام مباشر قد يضر بعلاقاتها مع أي من الطرفين، المصري أو الإثيوبي، إذ إن أي خسارة في هذا السياق ستنعكس سلبًا على مصالحها الإقليمية، وعليه يظل التحدي أمام تركيا هو إيجاد مسار دبلوماسي متوازن يحفظ مصالحها ويمنحها موقع الوسيط المحايد والفاعل في منطقة حساسة مثل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو تحد ليس بالسهل بطبيعة الحال خاصة في ظل وجود فاعلين أخرين في المشهد ربما يكون لهم رأي أخر.
